ليس عن «المجهّزون لليوم الأسود»، عن اليرموك

لا بد من مقدمة بليدة تضاهي بلادة «المجهّزون لليوم الأسود»، أو Doomsday-Preppers وفق التعبير الأميركي الذي تبنّته معظم لغات العالم في الإشارة للبرنامج المذكور. هو مجموعة وثائقية اختصت محطة «ناشونال جيوغرافيك» ببثّها، تحكي عن مواطنين أمريكيين صالحين يتهيّؤون ليوم قيامي لا بدّ قادم. لا شيء واضح يذكر صراحةً المسبّب في اليوم القيامي: كارثة طبيعية؟ حرب أهلية؟ يوم القيامة فعلاً، وفق التصورات الدينية؟... لا نعرف، إلا أن المواطنين الصالحين يتحدثون عن المظاهر التي ستنتج عن اليوم الأسود وعن كيفية تحضيرهم واستعدادهم لها: جوع، واستنفاد المواد الغذائية بسبب تعطّل المحالّ التجارية وخطورة التنقل، فقدان للقانون المسيّر والمقونن لحياة الناس، وبالتالي انفلات للغرائز الأولى البدائية للإنسان واستعداد لأي شيء، بما في ذلك القتل، مقابل الحصول على الطعام. أما التحضيرات لاستراتيجيات البقاء فتتراوح بين تهيئة عشرات الكيلوهات من حبوب «الكورنفليكس» أو يخنة الفاصوليا الحَبّ المعلّبة، أو حتى المياه قابلة للتخزين عشرات السنوات، وصولاً إلى تحصين البيوت بترسانات عصيّة على الاختراق، عصيّة حتى على الحشرات! أما عن «بروفايل» المشاركين في التحضيرات فيقدمهم البرنامح كـ«مواطنين» «صالحين» «عاديين». معظمهم مؤمنون، على ما يبدو من نمط حياتهم، ولكنهم لم يقتبسوا يوماً في البرنامج مقولة «أعطنا خبزنا كفاف يومنا» رغم ما تبديه أجسادهم المكتنزة. يرفضون الموت بسهولة ويكافحون لأجل البقاء، ويفاخرون بأن الاستعداد لليوم الأسود ليس متاحاً للجميع ولكن للمتدبّرين المتنبّهين وحسب.

يبدو أن اللاأمان وعدم الاستقرار العميق يعمّ الجنس البشري، ويبدو في الوقت عينه أن من أعنف هوامات البشر وأهولها على الإطلاق هي أن يعيشوا نكوصاً في أمنهم على العموم، وأمنهم الغذائي على وجه الخصوص، نكوصاً يجعلهم في مواجهة مباشرة وصريحة مع حالتهم البدائية.

قد تنتظر جماعة المجهّزين الأميركيين طويلاً قبل أن تتحقق النبوءات وقبل أن تواجه هواماتها السوداء. هنا يأتي أهم إنجاز وتفوق لحربنا السورية الكبرى: الحرب على البشر في سوريا قارورة مكثّفة لأهوال كثيرة تبعثرت عبر التاريخ في لحظات متباعدة. ربما هذا ما يفسّر توارد مقارنات كثيرة وغير متّسقة، مرةً تُقارن ممارسات النظام بالنازية وبالمعتقلات بأوشفيتز، ومرةً بالاحتلال الإسرائيلي، وتستحضر مرات أخرى حصار ستالينغراد في مقارنة مع مخيم اليرموك والغوطة الشرقية والغربية وحمص... حتى أننا وصلنا للمشاهد «الطالبانية» ولرجم النساء على أيدي ملثّمين... سوريا الحالية تكثيف لأهوال البشر عبر التاريخ. ولكن الأبلغ في الإنجازات السورية أنها تستحضر المستقبل، الزمن الآتي للبشرية، الزمن الذي يخافونه.

الفيديو الذي بثه ناشطون من مخيم اليرموك في أول يوم تمّ فيه توزيع المساعدات الغذائية، بعد حصار دام أكثر من ستة أشهر، والشهادات التي توالت عبر قاطني المخيم المحاصرين تحدثت عن «فرجة» واقعية لخيالاتنا المرتعبة. فلنعترف! حصار الجوع جعلنا جميعاً نستحضر صوراً كانيبالية يمكن للإنسان فيها أن يأكل أخاه الإنسان، ويمكن أن تتبلد التعابير والمشاعر والأحاسيس لتصبح في مجملها معدة وأمعاء. تخاطف الناس العُلَب الموزّعة، نهشوا أرغفة الخبز المسروقة في زوايا معتمة كما تفعل القطط الحاصلة لتوّها على فريستها. لا يتعلق الأمر بالذلّ بقدر ما يتعلق بحقيقة الإنسان الصافية المخيفة، والأهم أنها الحقيقة الماضية والمستقبلية. ننكر ونعاند إذ نقول «أيعقل هذا في 2014؟»، وفي أعماقنا نرتعش لأننا نعرف أنه ممكن اليوم وغداً. الأسباب كثيرة، ويمكن تمويهها كما يفعل «المجهّزون»، إذ يمكن للكوارث الطبيعية والبيئية أن تودي بنا إلى هكذا مآلات. السياسة والطغيان أشياء تفضي بنا كذلك إلى هنا. اليرموك، الإنسانية مصغّرة، تفوّق على جماعة «المجهّزين» لأنه حدّد إحدى مسببات اليوم الأسود، تخطّى الأوهام فهو الآن في قلب الحقيقة، الحقيقة الهزيمة، حقيقة أن الانتماء للحلم لا يساوي شيئاً أمام طفل جائع، طفل هو الآن ينتمي لتفاصيل في الحقيقة الفجّة النيئة لا يعرفها الكثيرون، حقيقة أن الاستمرار في الجوع يُفقد المرء في النهاية شهيته للطعام، ويمتنع جسده عن منعكسات لا إرادية مثل البلع مثلاً، لذلك عليه أن يقبل بنكوصه في سباقه مع الزمن، عليه أن يقبل بنهش الخبز من جاره كي لا ينتهي.

تفوّق اليرموك لأنه صنع لنا الفرجة مكتملة، الماضي والحاضر والمستقبل، واستكمل اللوحة البانورامية العريضة ببيانو أسود فوق الخراب لأنسنة هواماتنا.