في مواجهة صمت المثقفين، ينبغي كسر عزلة الشعب السوري

«نحن، مثقفين من فرنسا وأوربا، نطالب مسؤولينا السياسيين بالردّ على نداءات الاستغاثة التي أطلقها الشعب السوري، وذلك قبل أن يتهاوى المثال الديمقراطي للثورة السورية تحت الضربات المتضافرة للبربريّتين الأسدية والجهادية» – سيسيل بويكس، حاميت بوزرسلان، ليلى دخلي، بيير لوري، زياد ماجد، نادية مرزوقي، فرانك ميرمييه، أوليفيه روا، ليلى فينييالنُشر في صحيفة اللوموند 1 آذار 2014

بتاريخ 7-8 تموز 2013 وعبر منبر اللوموند، أطلق ياسين الحاج صالح، الكاتب والمعارض السوري والذي أمضى ستة عشر عاماً في سجون حافظ الأسد، نداء استغاثة موجهاً لمثقفي العالم من غوطة دمشق، المحاصرة والمجوّعة والمعرّضة لقصف مستمرّ.

ما عدا بعض الاستثناءات النادرة، لم تلبِّ الضمائر العالميّة أو من تدعيّ أنها كذلك نداء الشعب السوري المذبوح على يد النظام الأسدي البربري. القلة من المثقفين الذين أعربوا في البداية عن تضامنهم مع الثورة السورية في خضمّ الانتفاضات العربية، يعتصمون اليوم بصمت حذر، ولا سيّما أن عسكرة جزء من حركة الاحتجاج بفعل القمع الوحشي للنظام ترافق مع صعود قويّ لمجموعات إسلاميّة مسلّحة وجهاديّين.

مثقفون آخرون، مثل الفيلسوف سلافوي جيجيك (الغارديان، 6 أيلول 2013) ينفون أيّ بعد تحرري للانتفاضة، التي لن تؤدي في رأي المذكور إلا إلى «طلبنة» البلد في حال ُسقط النظام «العلماني» و«حامي المسيحيين».

في نهاية المطاف، فإن انحياز هذا المفكّر للنظام يكشف عن جهل بواقع المجتمع السوري. هذا الاستهتار بالوقائع وبالمجتمع السوري نجده كذلك في موقف العديد من القوى اليسارية، المعادية للإمبريالية كما تطلق على نفسها، والتي شوّشت على إدراكها للحرب السورية مفاعيل متضافرة، بدءاً من الفزّاعة الإسلامية إلى فزاعة الولايات المتحدة وصولاً إلى السعودية والقطرية، علماً أن هذه القوى اليسارية نفسها تأقلمت دون انزعاج كبير مع التدخل الروسي والإيراني.

ضمن هذا الجهل بالرهانات الخاصة بالثورة السورية، التي لا يمكن اختزالها في بعد جيوسياسي وحسب، تنعكس قوة الصور النمطية التي نراها في كامل طيف الرقعة السياسية، صور نمطية لا ترى في المجتمعات العربية غير تكرار لتشكيلة واحدة متماثلة. لكن هذا مسلك نمطي للمجتمعات الغربية ذاتها.

وفقا لهذا المسلك، تمّحي كل الفوارق والتمايزات بين سوريا ومصر وليبيا واليمن والعراق وتونس، بحيث لا يبقى في الذاكرة سوى السمات الأشد بروزاً: الوحش الإسلامي، المحافظة المجتمعية، والتعثّر الديمقراطي. أو يجري النظر إلى الشعوب العربية من موشور التنافس الجيوسياسي حصراً، وهو ما يعني ألا نرى هذه الشعوب إلا كأدوات في مؤامرات تُحاك في مكان بعيد، أو كبيادق شطرنج إقليمية وعالمية كبيرة تتجاوزها.

في النهاية، وبينما تحقّق مجتمعات العالم العربي ذاتها كمجتمعات متمايزة عن غيرها، وتبتعد عن النموذج المتقادم للقومية الناصرية والبعثية، يعيدها تصور مشترك يتقاسمه مثقفون ومسؤولون سياسيون في الغرب إلى عنصر تشابهها السياسي والهوياتي، إلى درجة أنه يمكن إبدال أي مجتمع منها بغيره. لا يعطي هذا المنظور أي مكان لمبادرات وديناميات الأفراد والمجتمعات، ولتعدديتهم وإبداعهم، وما يكمن وراءه هو استسهال جاهل مقنّع بالمعرفة، لا يدري ماذا يفعل بمعرفته عن مجتمعات بعينها.

وولا ندري كيف نتعامل مع استسهال آخر مُدان، استسهال وسائل الإعلام التي تحمل لواء إعلام النظام بطريقة مبطّنة، حين لا تعلن بأن تقاريرها من داخل سورية تمّت بموافقة وحماية النظام، وحين تنصّب خبراء مزيّفين يتكلمون بمشروعية ويدّعون تقديم آراء مبنية على المعرفة. إذا كان على وسائل الإعلام أن تفتح السجال أمام الآراء المتباينة، فإنّ عليها كذلك أن توضّح، في سياق عرضها للمعلومات، ظروف إنتاج هذه المعلومات.

بقي النداء الذي أطلقه ياسين الحاج صالح دون صدى، في ظل سبات صيفيّ، تبعه الهياج الإعلامي بعد مذبحة الكيماوي التي ارتكبها النظام، وانشغال الرأي العام بإجراءات عقابية غربية غير محتملة.

وجاء مؤتمر جنيف2 (نهاية العام الفائت ومطلع الحالي) ليكشف أنّ نظام دمشق قدّم هذه المهزلة أمام الأمم المتحدة ليُفلت مجدّداً من أي عقاب له على قتل شعبه، وليحضّر اليوم لشنّ هجوم كبير على مدينة يبرود، شمال دمشق، وهي رمز للتعايش المشترك وصورة قوية لاستمرار حركة المقاومة المدنيّة.

في تشرين الأول من العام 2013، غادر ياسين الحاج صالح سوريا على عجَل، فيما اختُطف كلٌّ من زوجته وشقيقه. يعيش ياسين اليوم في تركيا، ويواصل جهوده من أجل سورية حرة ديمقراطية. شعور الشعب السوري بالوحدة يضاهي حجم مأساته، وكذلك تباطؤ «أصدقائه» في وضع حدّ لهذه المأساة، وهو شيء لن يتمّ ما لم تُعطَ للشعب السوري كل أسباب الانتصار.

*سيسيل بويكس أستاذة مساعدة في المدرسة العليا للدراسات الاجتماعية؛
حاميت بوزرسلان مدير دراسات في المدرسة العليا للدراسات الاجتماعية؛
ليلى دخلي مكلفة بأبحاث في المركز الوطني للبحوث العلمية؛
بيير لوري مدير دراسات في المدرسة العملية للدراسات العليت؛
زياد ماجد أستاذ دراسات الشرق الأوسط في الجامعة الأميركية في باريس؛
نادية مرزوقي باحثة في برنامج المتوسط في مركز روبير شومان للدراسات المتقدمة؛
فرانك ميرمييه، مدير أبحاث في المركز الوطني للبحوث العلمية؛
أوليفيه روا، مدير أبحاث في المركز الوطني للبحوث العلمي؛
ليلى فينال، أستاذة مساعدة في جامعة رين الثانية.