سوريا في العالم: مقابلة مع ياسين الحاج صالح

نُشرت في بوسطن ريفيو بعنوان: «ضمير سوريا»ترجمها شابّ من الداخل، وراجعها وتوسّع في بعض نقاطها ياسين الحاج صالح

غالباً ما يُعرف ياسين الحاج صالح بـ«ضمير الثورة السورية». ولد في الرقة عام 1961، وألقي القبض عليه عام 1980 عندما كان طالباً في كلية الطب البشري في جامعة حلب، وسجن لعضويته في منظمة يسارية. بقي الحاج صالح سجيناً سياسياً حتى عام 1996، حيث أمضى آخر سنة من سنوات اعتقاله الست عشرة في سجن تدمر الصحراوي سيء السمعة. برز كواحد من أبرز الكتاب والمثقفين في الانتفاضة السورية التي تُنهي عامها الثالث هذا الأسبوع. حصل على جائزة الأمير كلاوس (المموّلة من وزارة الخارجية الهولندية)، ولكنه لم يتمكن من استلامها شخصياً حيث كان يعيش متخفياً في دمشق. يعيش الآن في المنفى في تركيا، ويكتب لمجموعة من الصحف العربية والعالمية. شارك مؤخراً في تأسيس «البيت الثقافي السوري» في اسطنبول، «هامش»، مع مجموعة من السوريين والأتراك. كتب وشارك في العديد من الكتب باللغة العربية، وحرّر مؤخراً كتاب الخلاص أم الخراب؟ سوريا على مفترق طرق، القاهرة 2014.

‒ داني بوستل ونادر هاشمي، مركز دراسات الشرق الوسط في جامعة دنفر، ومحرّرا كتاب المعضلة السورية

» يبدو الوضع في سوريا مربكاً للغاية بالنسبة للكثيرين في الغرب. على سبيل المثال، قال الرئيس أوباما في 31 آب 2013 أن «الصراع الكامن في سوريا يعود إلى خلافات طائفية قديمة». وكثيراً ما يُقال في دوائر السياسة الخارجية الرسمية وبين النشطاء اليساريين والمناهضين للحرب على حد سواء إنه لا يوجد «أخيار» في الصراع في سوريا، وإن كل الاطراف سيئة على حد سواء؛ ولذلك ليس هناك من طرف يستحق الدعم. ما رأيك بهذا الموقف؟ كيف تردّ على من يقولون أنه ليس هناك من أحد يستحق الدعم في سوريا؟

في الحقيقة أجد من المربك أن يعتقد الكثيرون في الغرب أن وضعنا في سوريا «مربك». هل هي مسألة قلة في المعلومات أو نقص في المعرفة؟ بل هي مسألة سياسة في اعتقادي. «الارتباك» في تصوري متولد عن موقف معين من نضالنا، موقف يغذّي الامتناع عن الفعل، وهو أسوأ أنواع الفعل برأيي، ليس فقط من وجهة نظرنا كسوريين بل من منظور إقليمي ودولي، ناهيك عن الجانب الإنساني ووجوب التضامن مع المظلوم.

خلافات طائفية قديمة؟ ياله من تحليل! عندما تقوم هيكلية مسلحة باستخدام ما يفترض أنه الجيش الوطني وأجهزة الإعلام والموارد العامة لقتل الشعب الذي يعارض حكمها الاستبدادي، فلا أعتقد أن ذلك يعتبر صراعاً طائفياً. ونحن لا نتكلم عن أية هيكلية، بل عن جهاز الدولة القمعي الذي يتصرف به النظام الأسدي كأنه ملكية شخصية. وبالتالي يصبح من السخافة بمكان شرح الصراع السوري بأنه صراع طائفي، لكون أحد طرفيه هو... «الدولة». حسب معلوماتي الدول ليست طوائف، أليس كذلك؟

لا أغض النظر عن التوترات والنزاعات الطائفية في المجتمع السوري بأي حال من الأحوال. تناول العديد من الكتاب، وأنا منهم، المسألة الطائفية في سوريا. استنتاجي الرئيسي أن الطوائف عبارة عن كينونات مشكّلة سياسياً، والطائفية أداة سياسية للتحكم بالناس؛ استراتيجية للسيطرة السياسية. ليست مسألة تمايزات اجتماعية بالتأكيد، بل طريقة لحماية الامتيازات الاجتماعية وتحويل النضال ضد الطغيان إلى «فتنة» طائفية. كلمة «فتنة» تحمل بعداً دينياً، ومن الملفت للنظر أن «العلماني» بشار الأسد استخدمها 16 مرة في خطابه الأول بعد بداية الثورة بتاريخ 30 آذار 2011.

حتى الآن، بعد مرور أكثر من ألف يوم على الصراع السوري، لا يزال القول إنه لا يوجد سوى طرفين سيئين على حد سواء خطأً كبيراً من الناحية السياسية والأخلاقية. النظام إجرامي في الجوهر، ولا يمتلك أية حلول لمشكلات سوريا الكثيرة. وأعتقد أن من يقولون إن جميع الأطراف في سوريا سيئة بالقدر نفسه هم أنفسهم الذين يؤمنون بشعار السياسة الواقعية الدنيء: الشيطان الذي تعرفه أفضل من الشيطان الذي لا تعرفه! أي الشيطان الذي تعرفه ليس شيطاناً في نهاية المطاف، بينما يمثل الشيطان الذي لا تعرفه الشخص السيء. هذه سياسة سيئة مجردة من المعرفة والقيم الإنسانية.

» كتب الفيلسوف اليساري السلوفيني سلافوي جيجيك في الغارديان مقالاً يصف الأحداث في سوريا بأنها «صراع زائف» يفتقر إلى صوت تحرّري جذري، ما رأيك بهذا الانتقاد؟

أولاً، جيجيك يتجاهل كيف يمكن للعقيدة الإسلامية أن تكون أداةً تحررية، أو بالضبط أداة لامتلاك السياسة. هذه أمر متناقض بالتأكيد ولكنه حقيقي. يمكن للدين والتدين أن يغذّي تعبئة احتجاجية ضد الطغيان، وبخاصة في بلد تعرض لإفقار سياسي جائر، وشَغَل الدين فيه طوال عقود موقع حد للفقر السياسي. ذكرت في عملي مراراً أن هناك «تجمعاً» لا يستطيع فضه النظام الذي يفض كل التجمعات المستقلة عنه، هو تجمع المصلين في المساجد، وأن هناك «رأياً» لا يستطيع قمعه النظام الذي يقمع كل الآراء المستقلة، أعني القرآن والنصوص الدينية المقدسة عموماً. وهذا مهم في مجتمع يطمح حاكموه إلى تنظيفه من كل تجمع وصوت مستقل. خرجت مظاهرات باكرة من المساجد (ليس كل المظاهرات) لأن النظام لا يستطيع إلغاء شرعية صلاة الجماعة فيها، أيام الجُمع بخاصة.

ثانياً، لم يذكر جيجيك أي شيء عن أصول الحالة الراهنة من البلد، الفقر السياسي المدقع على وجه الخصوص. ولم يقل شيئاً عن أن النظام الأسدي يكمّ البلد منذ 43 عاماً وقت كتب مقالته، وأن الطاغية الأب ورّث «الجمهورية» لابنه في ثاني حادثة من نوعها في العالم بعد كوريا الشمالية. من هذا البلد الشهير بحرياته بالمناسبة كان حافظ الأسد استورد عام 1974 فكرة منظمة طلائع البعث، وهي منظمة لتلاميذ المدارس الابتدائية جميعاً، يجري تدريبهم فيها على عبادة الطاغية.

ثالثاً، وهو الأهم، موقف جيجيك وأمثاله لا يساعد السوريين العلمانيين الذين يناضلون ضد النظام. وفي الحقيقة، هذه المواقف تضعفنا وتقوي كلاً من النظام والإسلاميين المتشديين. عملياً ما يقوله جيجيك وأضرابه هو أن الناس الراغبين بالتحرر الكامل لا علاقة لهم بهذا «الصراع الزائف»، وينبغي عليهم البقاء بعيداً عنه.

هذا موقف غير مسؤول وغير حساس تجاه معاناة البشر، وأفترض أن هذا هو المعيار الحقيقي لتقييم تحليلات اليساريين، أليس كذلك؟ لا تتمثل توصية أصحاب هذا الموقف بوجوب ابتعاد العلمانيين من أمثالنا عن الصراع، بل أسوأ من ذلك: الاصطفاف عملياً بشكل أقرب إلى النظام.

ضد ذلك أرى أن النظام ليس مسؤولاً عن آلام السوريين خلال العقود القليلة الماضية فحسب، بل هو أيضاً مسؤول عن صعود المجموعات الجهادية التي يتذمر جيجيك بشأنها. والمشكلة ليس أن مثل هؤلاء الكتاب يتجاهلون شيئاً مهماً عن سوريا، المشكلة أنهم يجهلون كل شيء تقريباً عن هذا البلد البائس. جيجك ببساطة لا يعرف شيئا عن سوريا.

» أطلعْنا على سيرتك السياسية. ولدت في الرقة عام 1961. ما هي العوامل السياسية والثقافية التي أثرت بك عندما كنت شاباً؟ أعتقلت عام 1980 على خلفية نشاطك السياسي وقضيت 16 عاماً خلف القضبان. ما التهمة التي أعتقلت على إثرها؟ ما كان نشاط مجموعتك في تلك الفترة؟ كيف كانت الحياة السياسية السورية في ذلك الوقت؟

كنت عضواً في الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي، واحد من حزبين شيوعيين في سوريا عندما كنت طالباً في جامعة حلب. عارضنا نظام حافظ الأسد وشاركنا في النضال من أجل الديمقراطية. تأثرت شخصيا بمفكرين سوريين مثل الراحلين ياسين الحافظ والياس مرقص، بالإضافة إلى المؤرخ والمنظر السياسي المغربي عبد الله العروي. شكل هؤلاء نمطاً ماركسياً غير دوغمائي، موجه نحو مشكلاتنا الاجتماعية والثقافية، وكان هذا شيئاً مهماً بالنسبة للباحثين عن فهم أفضل لوضعنا الاجتماعي والتاريخي. وبفعل تأثري بهم قررت أن أصبح كاتباً.

وجدنا أنفسنا وقتها متحمسين للشيوعية الأوروبية في سبعينيات القرن الماضي وناقدين للاتحاد السوفييتي. لكن هويتنا السياسية بُنيت بشكل أساسي بناءً على تجربتنا النضالية ضد الحكم الاستبدادي للأسد الأب. جمعت التجربة انتماءً يسارياً تقليدياً مع التزام عميق بقضايا الناس، ومع الطموح إلى الحرية.

بالكاد يستطيع المرء الحديث عن حياة سياسية في سوريا قبل عام 1980. كان هناك تحالف يضم سبعة أحزاب منها الحزب الشيوعي الرسمي (الذي اعتمد بشكل كبير على السوفييت). يسمى التحالف: الجبهة الوطنية التقدمية، بقيادة حزب البعث، وكان يفترض أنها تشكل إطاراً للحياة السياسية في سوريا. في الحقيقة، كانت إطاراً للموت السياسي. كان السجن مصير المجموعات الأخرى الثابتة في معارضة النظام. وبذلك شكلت السجون والجبهة الوطنية التقدمية المؤسسات السياسية في البلد على مدى 41 عاماً حتى الآن.

على الصعيد السياسي، أدنّا النظام بشدة واعتبرناه مسؤولاً عن «الأزمة الاجتماعية والوطنية» التي اندلعت في البلاد بين 1979 و1982. أظهر نظام حافظ الأسد في ذلك الوقت توجهات فاشية على نحو متزايد – عنف ممنهج ضد أي نشاطات سياسية أو اجتماعية مستقلة، وبناء «المنظمات الشعبية» لاحتواء المجتمع بدءاً من أطفال المدارس إلى الجامعات والهيئات النسائية ونقابات العمال، وفضلاً عن ذلك عمل النظام على تعزيز وترسيخ المحسوبية على نطاق واسع مع اعتماد عنصر طائفي سافر في ذلك، وخلق طائفة الموالين للأسد من خلال وسائل الإعلام والجيش والمؤسسات التعليمية والأماكن العامة (تماثيل، لافتات، صور، أغاني، مسيرات عفوية). تفجر ذلك بعد بضع سنوات في أزمة سياسية واجتماعية كبيرة كان طرفاها البارزان هما النظام والإخوان المسلمين. وعندما انتصر النظام في هذه المعركة عبر الوسائل الدموية التي تم تجاهلها على الصعيد الدولي، كان قد بدأ طريقه لسحق ما تبقى من الحياة السياسية والثقافية.

ندّد الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي بـ«اندلاع الفاشية» حينها، ودعا إلى «التغيير الديمقراطي» من أجل تمكين سوريا من تفادي العنف وفتح النظام السياسي أمام التنظيمات والمبادرات الشعبية. شاركنا بفعالية في الاحتجاجات في العديد من المدن السورية عام 1980. شاركت بنفسي في الاحتجاجات التي شهدتها جامعة حلب. بعد ذلك، اضطررت للعيش متخفياً لمدة شهرين إلى حين اعتقالي بتاريخ 7 كانون الاول عام 1980. كنت واحداً من مئات الأعضاء الذين تعرضوا للاعتقال. لم أكن قد بلغت العشرين من عمري حينها وقضيت 16 عاماً في السجن. أمضى زعيم الحزب رياض الترك حوالي 18 عاماً في السجن الانفرادي.

بعد السجن، أصبحت كاتباً وشاركت في العديد من نشاطات المعارضة. 16 عام في السجن فترة طويلة، ولكنها كانت تجربةً تكوينيةً بالنسبة لي كمثقف عام، فضلاً عن كونها عاملاً أخلاقياً في النضال من أجل التغيير. وفي الوقت نفسه كانت تجربةً تحررية، ساعدتني على الانعتاق من بعض سجوني الداخلية من خلال المعاناة والتعلم والصراع: أعني سجن الانتماء السياسي الضيق، وسجن الإيديولوجية المتصلبة، وسجن الأنا.

وربما تشكل الثورة التي بدأت في آذار 2011 والصراع المفتوح ومتعدد المستويات في البلد ثاني أهم عامل في تشكيل هويتي السياسية. بقيت متخفياً في دمشق لمدة سنتين، بالإضافة إلى ستة أشهر أخرى في أجزاء مختلفة من البلد. كان دوري هو دور المثقف والكاتب، وليس السياسي أو الناشط السياسي. أنوي العمل خلال السنوات القادمة على البعد الثقافي للثورة السورية لأنني أؤمن أن الثقافة تشكل مجالاً استراتيجياً في نضالنا من أجل الحرية وضد الفاشية، سواء الأسدية منها أو الإسلامية.

» بالحديث عن النضال من أجل الحرية وضد الفاشية سواء الأسدية أو الإسلامية منها، وصفت العناصر الجهادية في سوريا في مقالة نشرتها آيريش تايمز أواخر أيلول بأنهم «أعداء الثورة السورية»، وقلت إنهم في الحقيقة أكثر رثاثةً وأقل تماسكاً على خلاف الانطباع المأخوذ عنهم عن بعد. ودحضت أيضاً مقولة أن «ما هو جيد للجهاديين سيء للنظام». أنت تقول «الصحيح هو أن ما هو جيد للثورة، الجيش السوري الحر والنشاطات الديمقراطية داخل وخارج البلد، هو سيء للنظام وللجهاديين».

هل تستطيع توضيح هذه النقطة قليلاً لأولئك الذين قد يجدونها محيرة؟ إلى أي مدى تخوض القوى الديمقراطية في سوريا الحرب على جبهتين – واحدة ضد النظام وأخرى ضد الجهاديين؟ إذا انهار نظام الأسد خلال الأشهر القادمة، ألن تقع حرب أخرى بين القوى الديمقراطية داخل الثورة والعناصر الجهادية؟ إلى أي مدى بدأت هذه الحرب بالفعل؟ ألا يستدعي هذا المأزق المزدوج للقوى الديمقراطية السورية إلى مزيد من التضامن من قبل الأطراف الدولية في الخارج، عوضاً عن الابتعاد الانهزامي عن الصراع السوري الذي أصبح أكثر انتشاراً مؤخراً؟

لم تبدأ الجماعات الجهادية بالظهور في سوريا سوى بعد انقضاء أشهر طويلة من الثورة. وكلما ساء الوضع بالنسبة لغالبية الناس أصبحت الظروف أفضل للجهاديين المتشددين. عندما تتعرض البيئة الاجتماعية للتدمير، ويُقتل عشرات الناس يومياً في كل أرجاء البلد، بينما يكتفي العالم بالمشاهدة، يشكل ذلك البيئة المثالية للجماعات العدمية. ترتكز معتقدات هذه الجماعات على فرضية أن العالم شرير ويتآمر ضدنا، نحن العرب أو المسلمين. وبالمناسبة يتشارك النظام الأسدي والجماعات الجهادية بهذه النظرة البارانوئية للعالم.

ينبغي أن يكون من الواضح الآن أن النظام سعيد بظهور هذه الجماعات لأنها تمكنه من ترويج رواية «الحرب ضد الإرهاب» للأطراف الجاهزة لتصديقها في الغرب وأماكن أخرى. الآن، تدعو بعض الشخصيات المرموقة في الاستخبارات الغربية والدوائر الدبلوماسية للتنسيق مع نظام الأسد ضد الإرهاب. وجود سلعة قابلة للتسويق مثل «الحرب على الإرهاب» يُمكِّن النظام من التواصل مع قوى دولية مؤثرة، وهو لطالما اعتمد على ذلك من أجل إنعاش شرعيته دولياً، وتجديد تفويضه لحكم البلد. كان البقاء في السلطة «إلى الأبد» هو الهدف الأسمى لعائلة الأسد دوماً.

ولذلك، من المتوقع أن يبذل النظام قصارى جهده لإنتاج سلعة الإرهاب على نطاق واسع. لا يحتاج المرء للجوء إلى التكهنات أو نظريات المؤامرة للحديث عن العلاقات السرية المحتملة بين النظام وبعض هذه المجموعات. بتاريخ 21 كانون الثاني نشرت صحيفة التلغراف بناءً على معلومات استخباراتية مقالاً يتناول التعاون السري بين النظام والقاعدة، ولا سيما فيما يتعلق بالنفط في القسم الشرقي من البلد.

كنت موجوداً في الرقة حتى خريف عام 2013. تضم المدينة المقر الرسمي لداعش، «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، وهي جماعة منشقة عن تنظيم القاعدة، وذلك في المبنى الضخم الخاص بالمحافظة. استهدفت مقاتلات النظام الحربية هدفاً استراتيجياً حيويا،ً مدرسة، خلال الأيام الأولى من تشرين الأول 2013، ما أسفر عن مقتل نحو 20 طالباً، وألقت المروحيات البراميل المتفجرة على الأحياء المدنية مراراً، بينما لم تستهدف مقر «داعش» على الإطلاق.

أفضل وسيلة لمكافحة الجماعات الجهادية الفاشية هي في رأيي إحداث تغيير جذري في سوريا عبر التخلص من النظام الذي حكم البلاد لأربعة وأربعين عاماً. إن إزالة النظام بكامل أجهزته الوحشية المتخصصة بالإذلال سوف يتيح المجال للسوريين الوطنيين والديمقراطيين والإسلاميين المعتدلين الذين يمتلكون آليات مواجهة المنظمات المتطرفة والتوسعية مثل داعش. يمكن لذلك أن يحفز عمليةً من التسامح والمصالحة بين مختلف الأطراف السورية، ويُعلي صوت العقل والمسامحة – هذه الأشياء تبدو مستحيلةً الآن.

مرة، عندما كنت في الغوطة الشرقية بين نيسان وتموز 2013، نظر في عيني أحد عناصر الدفاع المدني، المسؤول عن غسل وتكفين الضحايا، وكان يحمل بين يديه جثةً طفل مشوهةً بشكل رهيب، وقال: «أستاذ، كيف سنتعامل مع الذين فعلوا هذا بالطفل؟ كيف نستطيع العيش معهم؟». لم أجد أية كلمات لأقولها له في ذلك الوقت. يستحيل على «أستاذ» مثلي أن يقوم بأي شيء مفيد بينما لا يزال القاتل العام في منصبه، يتابع عمله في التعذيب والتجويع والقصف والقتل يومياً.

لم يستفد النظام من المجموعات الفاشية الرجعية التي تجاهر بعدائها للثورة فحسب، بل إن القوى الملتزمة بالثورة هي وحدها التي تعرضت للمواجهة من قبل هذه الجماعات العدمية. ربما تعرفون أن بداية هذا العام شهدت العديد من المعارك ضد «الدولة الإسلامية في العراق والشام» بمشاركة العديد من المجموعات المعتدلة، وكانت النتيجة طرد الدولة الإسلامية من كامل محافظة إدلب وأجزاء من حلب. حدث ذلك على الرغم من الحرب التي يشنها النظام ضد هذه المناطق نفسها. هذا يعني أنه سيكون أسهل على السوريين محاربة جهات مثل داعش في حال كونها العدو الوحيد.

تمثل مقولة «التطرف يغذي التطرف» القانون الاجتماعي العام خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، بل في الحقيقة طوال العقود الكابوسية لحكم عائلة الأسد. إن تجفيف منبع الإرهاب أمر حيوي بالنسبة للبلد: يمارس النظام الفاشي عمليات قتل ممنهجة ضد الشعب، والعالم بأسره يعرف ذلك الآن بعد تسريب صور 55 ألف معتقل قتلوا تحت التعذيب الوحشي. إرسال هذه الطغمة من السفاحين إلى مزابل التاريخ هو الخطوة الأولى لتعافي البلد. فقط عندئذ يمكن أن تتواجد ديناميكية للاعتدال تتسع للجميع وتؤدي إلى عزل الجماعات المتطرفة. لا مكان للاعتدال في سوريا بدون تحقيق العدالة للشعب السوري. العلاقة بين مصطلحي «الاعتدال» و«العدالة» واضحة باللغة العربية: كلمة اعتدال مشتقة من «عدل»، والظلم بالمقابل يعزز التطرف.

ينبغي على الأطراف الدولية في كافة أرجاء العالم أن تعرف أن النظام السوري لا يمتّ للتقدمية أو العلمانية أو مناهضة الإمبريالية بشيء. إنه نظام فاشي، طغمة طائفية وفاسدة إلى درجة كبيرة، ومستعدة لارتكاب أية جريمة من أجل البقاء في السلطة. يوم انطلقت اجتماعات جنيف2، سأل مذيع قناة سكاي نيوز مستشارة الأسد بثينة شعبان حول مقتل 11 ألف معتقل في سجون النظام. كانت إجابتها: وماذا بشأن مصير المسيحيين؟ ألا تهتمون في الغرب بمصير المسيحيين؟ هل تعلمون أن إحدى عشرة راهبة ما زلن مختطفات؟ بثينة شعبان ليست أيا كان، إنها مستشارة بشار الأسد، وكلامها هذا مثال على عقلية مراتب النظام العليا. شعبان كانت في معرض تعليقها على مجزرة الأسلحة الكيميائية بتاريخ 21 آب في الغوطة الشرقية قالت إن القتلى هم أطفال من قرى الساحل (تعني علويين) تم اختطافهم وقتلهم باستخدام الغازات السامة! حتى الاستعمار الفرنسي الذي احتل سوريا ما بين الحربين العالميتين لم ينجح بتطبيق سياسة «فرق تسد» مثل النظام السوري.

من الواضح أيضاً أن القوى الاستعمارية المفترضة لم توفر جهداً لمنع سقوط النظام، أو حتى إضعافه. في الحقيقة فعلت هذه القوى عكس ذلك تماماً: لم تساعد الجيش السوري الحر، أو المجلس الوطني السوري، على فرض مناطق حظر طيران ومناطق آمنة طالبت بها كلتا المجموعتين منذ خريف عام 2011. لم يحصل «الجيش السوري الحر» على صاروخ ستنغر واحد، ولو من السوق السوداء، على الرغم من أن النظام يستخدم طائراته المقاتلة منذ أكثر من 18 شهر.

» هل توافق على أن الوضع الذي تصفه يذكر بالحرب الأهلية الإسبانية عندما كانت القوى الديمقراطية ضمن الثورة (حزب العمال الماركسي الموحد، النقابيين الأناركيين، الاشتراكيين المستقلين) تقاتل الفاشيين التابعين لفرانكو، وسرعان ما وجدوا أنفسهم بعد فترة يقاتلون الستالينيين أيضاً، الذين بذلوا في مهاجمة قوى الثورة المستقلة والديمقراطية جهداً كبيراً يعادل أو يتجاوز ما قاموا به لمحاربة فرانكو؟ هل تجد القوى الديمقراطية نفسها اليوم في موقف مشابه؟

الأمور في سوريا اليوم أكثر تعقيداً مما كانت عليه في إسبانيا قبل ثلاثة أرباع قرن من الزمن. لا يشكل الجهاديون «الستالينيون» لدينا عبئاً على الثورة فحسب (هم أعداء الثورة في الحقيقة)، بل يُشتبه بأن بعضهم يتعاون مع النظام بشكل سري. كما أن النظام يبذل قصارى جهده لتعزيز قضية أولئك الجهاديين الذين يفترض أنهم أعداؤه. فضلاً عن ذلك، لا أحد يمتلك متطوعين أجانب سوى «الستالينيين» (المقصود هنا: الجهاديين) المحسوبين على طرفنا، بالإضافة إلى النظام الفاشي بالطبع. ليس لدينا متطوعون ديمقراطيون أو جمهوريون كما كانت الحالة في إسبانيا. ربما يشكل الضعف العسكري للقوى الديمقراطية في سوريا نقطة الاختلاف الأساسية. لم يلجأ الديمقراطيون في البلد إلى السلاح للدفاع عن الناس، على الرغم من دعم العديد منهم للنضال الشعبي ضد الفاشيين الأسديين. يعتبر هذا أحد الأسباب، أو بالأحرى أهم أسباب احتلال مختلف أصناف الإسلاميين لأهم المناصب القيادية في المقاومة المسلحة. السبب الآخر هو أن النظام اعتقل أو قتل أو تسبب في نفي الأشخاص الذين كانوا يحتلون مناصب قيادية في الانتفاضة. هذا جيد للإسلاميين، ولكنه يكشف الكثير عن النظام «العلماني» ومعارضته المزعومة للأصوليين. هذا يشبه قيام فرانكو برعاية الحزب الشيوعي الإسباني لابتزاز الأوروبيين والأمريكيين من أجل العمل والتعاون مع نظامه!

في النهاية، كان فرانكو ديكتاتوراً وحشياً لكنه حمل رؤيةً مستقاةً لإسبانيا وعظمتها من مفردات اليمين الأوروبي ومُثُله العليا في ذلك الوقت. بالمقارنة مع فرانكو، بشار الأسد ليس وطنياً بأي معنىً من المعاني، إنه قاتل جماعي لا يمتلك مع عصابته أية رؤية أو مثلاً عليا لسوريا أو الوطنية السورية. المبدأ الوحيد المقدس لديه هو السلطة والبقاء في السلطة حتى وفاته، بعد ذلك لن يترك منصبه لأي شخص شاب شبيه بخوان كارلوس كما حصل في إسبانيا، بل لابنه الذي ‒ليس عم عبث‒ اسمه حافظ.

ومع ذلك، هناك تشابه كبير بين مسار الثورة السورية والحرب مقارنةً بما حصل في إسبانيا من ناحية دور القوى الغربية الديمقراطية تجاه المسألتين: قصيرة النظر، مترددة، تفتقر إلى الرؤية والشجاعة، سلبية وأنانية جداً. هذا مؤذٍ لنا كسوريين كما كان بالنسبة للإسبانيين في ذلك الوقت، وستثبت الأيام أنه مؤذٍ للعالم بأسره.

» مايكل إيجناتييف عزا عدم التدخل في سوريا إلى فشل المعارضة السورية. أجرى مقارنةً بين البوسنة وسورية على النحو التالي: «لا يحدث تدخل قبل أن تتأكد الأطراف المتدخلة أن جمهور الناخبين الديمقراطيين في الدول الغربية يوافق عملياً على التدخل لنفس الأسباب. في يوغوسلافيا السابقة، فهم البوسنيون في سراييفو هذا الأمر بوضوح وساعدوا على حشد الغضب في الدول الغربية، الأمر الذي جعل التدخل ممكناً في نهاية المطاف. دافعوا دائماً عن مدنيتهم التي يريدونها أن تكون معتدلة ومتعددة الطوائف، وبنظرة إلى الماضي قاموا بعمل بطولي بتحويل قضيتهم إلى قضية أوروبا قاطبةً. حصل التدخل أخيراً عام 1995، على الأقل إلى حد معين، لأن الرأي العام العالمي اعتبر البوسنيين ضحايا جديرين بالتدخل ويمكن مساعدتهم باسم الدفاع عن «القيم الأوروبية». حفزت مجزرة سريبرينيتشا وتفجير سوق سراييفو التدخل، ولكن مواطني سراييفو الذين يعانون تحت الحصار جهزوا الأرضية الإيديولوجية للتدخل في الغرب. في الوقت الراهن، فشلت المعارضة السورية في تحويل قضيتها إلى مطلب عالمي».

هل يمكنك التعليق على هذه الرؤية؟ هل توافق على فشل المعارضة السورية في هذا الصدد؟

حسناً، لقد فشلت المعارضة السورية في ترجمة المعاناة المروعة في سوريا إلى قضية إنسانية عامة. لاحظت ذلك بنفسي عندما أتيت إلى تركيا. لا يتعامل السياسيون والنشطاء السوريون هنا إلا مع الجهات التركية الرسمية، أو هم يعيشون في مجتمعاتهم الخاصة المنعزلة. ينظمون اعتصامات في مختلف المدن التركية، ولكنهم لا يحملون سوى لافتات مكتوبةً بالعربية، وبالتالي يفشلون بإيصال رسالتهم إلى المجتمع التركي. ويبدو أن الصورة مشابهة في فرنسا حيث توجد جالية سوريا كبيرة ويعيش عدد كبير من المثقفين السوريين.

أعتقد أن غلبة مناجاة الذات (مونولوغ) على الحوار (ديالوغ) في تفاعلهم مع غيرهم يعود إلى نمط التفاعل بين السوريين أنفسهم: عشنا حقاً خمسين عاما من العزلة. ربما 90% من السوريين لم يعرفوا أبداً أي تشكيل سياسي باستثناء النظام البعثي، وربما لم يعرف أكثر من 80% من السوريين سوى حافظ الأسد الهمجي وابنه المريع بشار. فضلاً عن ذلك، هنالك استياء عميق في سوريا والعالم العربي عموماً تجاه الغرب بسبب التجارب المعاصرة المؤلمة مع القوى الغربية العظمى: تشكل القضية الفلسطينية رمزاً كبيراً للفجوة بين العالمين ومصدراً ديناميكياً للعداء العربي للغرب. تعتبر أيضاً مصدراً إضافياً للتردد في طلب المساعدة من الغرب. وعلى الرغم من ذلك، كان السوريون واقعيين بالقدر الكافي لطلب المساعدة الغربية منذ صيف 2011، حتى قبل أن يحملوا السلاح للدفاع عن أنفسهم، وحتى قبل اللجوء إلى الله بوصفه العمق الاستراتيجي الوحيد الذين يطلبون دعمه.

أود أن أضيف أنه مؤخراً، ربما خلال الأشهر القليلة الماضية، بدأ عدد متزايد من السوريين يفكرون بقضيتهم، أي القضية السورية، بوصفها قضيةً عالمية تتطلب منهم التفكير بأفق عالمي، بحيث تدرج قضيتهم وتُفسر في سياق النضالات التحررية لشعوب أوروبا الشرقية وجنوب إفريقيا وأميركا اللاتينية. أعتقد أن الأمور تتغير على هذا الصعيد، وربما نشهد مزيداً من السوريين يكافحون من أجل قضيتهم على المستوى العالمي.

بالعودة إلى ملاحظة إيجناتييف، أعتقد أن النضال السوري يعبر عن الكثير، ليس فقط فشل المعارضة السورية، بل أيضاً فشل السياسة المتمركزة حول الغرب. تتوقع هذه السياسة من الطرف المقموع والضعيف أن يرى القوى الغربية بوصفها ضمير العالم أو الحكم العادل الذي ينبغي أن تقنعه بصلاح قضيتك. فإذا كنت صبوراً بما يكفي، ونجحت باستمالته إلى طرفك في نهاية المطاف، فإنه سيعمل وفق مبادئ العدالة وحقوق الإنسان. أخشى أن هذا السيناريو مجرد خرافة. أنا أتحدث عن القضية الفلسطينية هنا. العالم يعرف محنة الفلسطينيين حق المعرفة، كما يعرف أيضاً القوة الاستعمارية التي تصادر الأراضي والموارد الفلسطينية. بالنسبة لفلسطين لدينا «عملية سلام» عمرها 23 عاماً، إحدى أسخف علميات السلام في التاريخ!

ما الخيار الذي نمتلكه عندما يقتل النظام شعبه بالأسلحة الكيميائية بينما تكتفي القوة العظمى الأكبر بمصادرة بعض أسلحة المجرم بدون أي عقاب؟ ماذا سيستنتج مجرم الحرب غير أنه يستطيع الاستمرار بالقتل باستخدام أسلحة أخرى؟ هل يمكن تفسير الموقف الأمريكي بأنه موافقة على القتل طالما المقتولون هم الناس الخطأ، وليس «نحن»؟ وربما يسأل الأميركيون أنفسهم: لماذا نتكبد عناء التدخل من أجل هؤلاء الناس الخطأ؟ لكن، بالمناسبة، التدخل العسكري الخارجي لم يكن خياراً لا مفرّ منه، وقلة فقط من السوريين طالبت به أصلاً. السوريون أمِلوا بنوع من الدعم العسكري يمكنهم من تحقيق المهمة بأنفسهم. وأعتقد أن هذا هو ما لم ترغب القوى المؤثرة برؤيته بالضبط: لا يريدون أن يحقق السوريون المهمة بأنفسهم، يسقطون النظام بقواهم الذاتية أساساً. من المهم القول أيضاً إن الولايات المتحدة لم تتردد بالتدخل في سوريا فحسب، بل ضغطت على أطراف أخرى مثل فرنسا وتركيا وبعض دول الخليج لعدم تقديم أسلحة فعالة للثوار السوريين. الجمود الحالي ليس سمةً ملازمةً للصراعات الشرق أوسطية، بل حالة صمّمتها القوة العظمى، «صديقتنا» المفترضة أمريكا. هذا ما لم يدركه إيجناتييف.

باختصار، مهما كانت جوانب القصور التي تعاني منها المعارضة السورية، وهي كبيرة، كان من المستحيل علينا أن نقنع «المجتمع الدولي» أننا ضحايا نستحق المساعدة باسم الدفاع العام عن «القيم الأوروبية». أخشى أنه عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، يكون «الأوروبيون» أول من يتخلى عن قيمهم المعلنة. ينبغي تغيير ذلك لأن الجماعات العدمية كالقاعدة وحدها من تزدهر في مثل هذه الظروف.