في نقد الإسلاميين والشرّ المبتذل

منذ بدايات الثورة، توفرت الساحة السورية على تيار يُبدي تخوّفه من الإسلاميين. الإسلاميون في تلك المرحلة تمثلوا بـ’الإخوان المسلمين‘، والتخوّف كان من الانتهازية السياسية وغياب روح المسؤولية التي وسمت السلوك السياسي لتلك الجماعة في عدد من المحطات التاريخية التي عرفتها سوريا، وقد كان الحامل الاجتماعي لهذا التخوف جمهور الأقليات وبعض شرائح الطبقة الوسطى، وبخاصة المدينية المرتبطة ببنيان الدولة التسلطية. وكانت العلمانية الطليعية، التي تعظّم دور الدولة التنويري، ونظرية أن «لا ديموقراطية دون ديموقراطيين» المرجعية الفكرية والتعبير الأيديولوجي لهذا التخوّف. وكانت الأحزاب السياسية الوارثة لخطاب حركات التحرّر الوطني لسان هذا التخوف في ميادين السياسة والإعلام.

تظهر اليوم موجة جديدة من موجات انتقاد الإسلاميين، جديدة من حيث الحامل الاجتماعي؛ فهذه الموجة تشتمل على شرائح واسعة من الطبقة الوسطى وعلى الطيف الأوسع من النخب الثقافية والسياسية ومن النخب الشبابية التي شكّلت الثورةُ المحطة الأهم لتشكيل وعيهم. بل وفي ظل هلامية مفردة «الإسلاميين»، وفي حال اشتملت على داعش فإن التخوّف الكامن وراء هذه الموجة يمتدّ إلى أوسع الشرائح الشعبية.

ليس الإسلاميون الذين تنتقدهم هذه الموجة امتداداً لإسلاميي الموجة الأولى، فالموجة الأولى انتقدت الإسلام السياسي المتمثل بـ’الإخوان‘ الذين يحلمون بلعب دور قيادي في مشروع بناء الدولة المدنية الديموقراطية، مع إكسابها مرجعية دستورية إسلامية تمكّنهم من التسلّط الناعم على الحريات الشخصية وعلى المناهج التعليمية والمدونات القانونية وغيرها؛ في حين تنتقد الموجة الثانية الإسلام العسكري، الذي يُطبق اليوم على مساحات واسعة من سوريا، والذي يحلم ببناء دولة الطوبى الإسلامية، دولة الخلافة التي يمكنه فيها الاتساق مع فهمه العنيف للإسلام، بحيث تتحول الحدود الشرعية من قطع للأيادي وجدع للأنوف إلى مدونة قضائية، ويتحول المواطنون إلى رعايا للخليفة أو الأمير، وأبناء الأقليات الدينية إلى ذميين يدفعون الجزية.

جديد هذه الموجة الثانية، الناقدة للإسلاميين، هو أيضاً انطلاقها من مواقع ديموقراطية شعبية، عوضاً عن طليعيةِ وفوقيةِ التنوير الذي يسم فكر الموجة الأولى؛ فهذا التيار الجديد ساهم بفعالية في محاربة طغيان الأسد، ولا يحاسب الإسلاميين على نواياهم وإنما يحارب تسلطهم الذي تحول إلى واقع.

ولأن هذه الموجة قد عجزت خلال سنوات الثورة وما قبلها عن تنظيم نفسها، وعن التحول إلى قوة سياسية قادرة على قيادة التحول الديموقراطي، فقد انحسرت كفعالية سياسية ووجدت نفسها في مواقع أخلاقية تلعب من خلالها دور الضمير، وتحولت بؤرة اهتماماتها إلى الأخلاق والثقافة، عوضاً عن السياسة والتاريخ.

يتجلى هذا النكوص في محاولة أبناء هذه الموجة الحفاظ على مسافة من الموجة الأولى، فيؤكدون قبل أي حكم يُصدرونه على ضرورة الاتساق الأخلاقي، فمن لم ينتقد تسلط الأسد لا يحق له انتقاد تسلط الإسلاميين، ومن لم يحارب فاشية الأسد لن تكتسب محاربته للعدمية الإسلامية أي بعد أخلاقي. الموجة الثانية بالنتيجة تؤسّس لتمايزها عن الأولى في ميدان الأخلاق عبر الطهرانية والاتساق، وتعاود إنتاج أطروحات الثانية في ميدان الثقافة لتشاركها تجاهل السياسة والتاريخ.

المشكلة الأساسية في طرح كلا الموجتين هو توجيه النقد للإسلاميين كمشروع، بدل مقاربة الأسلمة كعملية ونقدها؛ فمشروع نقد الإسلاميين يفترض وجودهم كذات فاعلة، وبالتالي يفترض وجود «مشروع إسلامي» بالمعنى المتكامل للكلمة، ويفترض وجود هوية إسلامية ناضجة تعبّر عن ذاتها في كافة ميادين الحياة، في حين أن الواقع يشير إلى أن الفكر الإسلامي يعيش أسوأ أيامه، وأن الإسلاميين، سواءً عبر تعبيراتهم السياسية أو العسكرية، لم يتمكنوا من الانتقال من كونهم محاولة أخرى للتسلط إلى إنتاج مشروع ذو معنى، قادر على المضي بأوطانهم إلى أدنى أشكال الاستقرار والتنمية والحرية.

البديل الذي يطرحه الإسلاميون اليوم يرتكز على تشكيل كتائب عسكرية وهيئات شرعية ونشاطات إغاثية، كل تشكيلة من هذه التعبيرات تحكم قطعة من أرض سوريا بعقلية الإقطاع والإمارة، ولم يتمكنوا حتى اليوم من تقديم جنين معقول يُرضي جمهورهم المفترض قبل غيره، فالتوحيد والاندماج هو أحد أهم ما يمكن أن يضفي المعقولية على مشروع الإسلاميين المزعوم اليوم في سوريا، وهو ما يبدو مستحيلاً.

الإسلاميون اليوم هم نتاج عملية أكثر منهم ذوات فاعلة، ولذلك نشاهدهم يمضون إلى نهاياتهم المنطقية بثبات وكأنها قدرهم المحتوم، وكأنهم يعيشون في عالم تحكمه القوانين الرياضية لا الديناميات التاريخية والممارسات الإنسانية المتجددة؛ وكم يتقارب في ذلك نموذج ’الإخوان‘ المصري مع نموذج داعش، وكم يبدو هذا النموذج كامناً في ’جبهة النصرة‘ و’الجبهة الإسلامية‘ و’جيش المجاهدين‘ و... الذين لا يختلفون عن بعضهم إلا في الكمّ.

الأسلمة كعملية نشأت منذ عقود، ضمن مركب من الظروف المحلية والعربية والعالمية ، نشأت في فضاء الردة الدينية والفراغ الأيديولوجي الذي خلفه انهيار الاتحاد السوفييتي وتآكل جاذبية الفكرة القومية، وكرد فعل على انحلال الدولة العربية الحديثة ونكوص الدولة الشمولية إلى دولة تسلطية؛ تلك الدولة التي تحولت جامعاتها إلى معسكرات لتخريج العاطلين عن العمل، والتي تخلى اقتصادها عن كل واجباته التنموية القادرة على إطلاق دينامية اندماج اجتماعي، فاتكل على الريع والمحسوبيات، وعلى علاقات قربى حولت المواطنين إلى أزلام ورعايا؛ تلك الدولة التي ريّفت المدينة وحولتها إلى مجمّع للمجتمعات المتضادّة والمتوازية والغريبة عن بعضها، والتي تحوّل إعلامها وتحوّلت مراكزها الثقافية إلى منابر لتكرار  ملخصات كاريكاتورية لمقولات حداثية، اشتراكية كانت أم ليبرالية، بدل الاحتفاء بالإبداع الشعبي الجوّاني لأبناء شعبها؛ الدولة التي أتبعت المسجد والكنيسة بها على اعتبارهما بعض أهم عوامل الضبط الاجتماعي، ففرّغتهم من محتواهم الروحي.

ففي العشوائيات المقيمة خارج الدولة، حيث يقيم مئات الألوف من العاطلين عن العمل، رغم تأهيلهم العلمي، تنشأ شبكات البطالة المقنعة التي تعتمد على علاقات القرابة، وغيرها من العلاقات الهويّاتية، وتعود البنى البطريركية إلى ممارسة دور الدولة كسلطة عامة، وتحاول هذه البنى أن تبني مشروعيتها على أسس دينية ليتعانق التراث الاجتماعي مع التراث الثقافي وليتحول التراث إلى منظومة للمقاومة والوجود.

الأسلمة بهذا المعنى هي التراث كمنظومة، ثورية سياسياً، ومحافظة اجتماعياً، وهي الشكل الأكثر صلابةً لمقاومة دولة التسلط «الحداثي» المحافظ سياسياً و«الحديث» اجتماعياً، وهي النفي السلبي لهذه الدولة والحدّ الثاني من النفي حسب ثلاثي النفي الهيجلي الشهير، الذي حاولت انتفاضات الربيع العربي أن تكون حدّه الثالث، والذي يبدو أنه لن يكتمل دون هدم الدولة التسلطية وإعادة البناء.

في مقاربتها لقضية أيخمان، خرجت الفيلسوفة الألمانية حنّا أردنت بمفهومها عن «الشرّ المبتذل»، فأيخمان، وهو الضابط الألماني النازي الذي نفّذ أوامر القيادة النازية بتوزيع اليهود الألمان على معسكرات، كان في نظر حنّا أردنت، التي حضرت محاكمته، شخصية هزيلة لا تفهم سوى لغة الأوامر الإدارية، وجريمته ليست شرور أفعاله وإنما تخلّيه عن شرطه الإنساني كذات عاقلة ومفكرة وقَبوله بالتحوّل إلى مجرد منتَج من منتجات المنظومة الفاشية، هذه المنظومة التي تبدو مرادفةً لمنظومات الدولة التسلطية والأسلمة، اللتين حولتا سوريا إلى جمهورية الشرّ المبتذل، جمهورية جعلت من مواطنيها حواضن شعبية لأفعال أبو هادي عباس وأبو صقّار.