العلمانية في المجتمعات الأهلية، آل البني في سقبا نموذجاً

ضمن التيار الثوري المنحاز إلى العلمانية في انشغاله بالسياسة السورية –رغم إنكار كتلة وازنة فيه انشغالَها بها– توجد فكرة تقول «إن العلمانية لا يمكن تحقيقها في سوريا إلا من باب المجتمع المدني». أي إن المستهدَف هو «المجتمع الأهلي» لتغييرِ سماتِه وتشكيلِه كـ«كيان مدني». ولا يقصدون بالمدنية هنا الانتماء إلى المدينة، بل أسلوب تفكير يُفضي إلى نَسَقِ سلوك يهمّنا منه هنا: رفضه لما يسمّونه بانتماءات ما قبل الدولة.

لكننا سنتناول هنا نموذجاً أهلياً يتداول العلمانية ومصطلحات مرتبطة بها في انشغاله بالسياسة، ولم يكن انحياز هذا النموذج للعلمانية وليدَ تأثير وجود أي مجتمع مدني (بالمعنى الخاص المذكور سابقاً)، بل عبر استثماره لسمات مجتمعه الأهلي، ثم سنتناول بالتحليل هذه العلمانية ذاتها.

آل البني في سقبا، ريف دمشق

يسكن آل البني مدينة سقبا في غوطة دمشق الشرقية منذ حوالي 250-300 سنة، ويُروى أن جدّهم الذي هاجر إليها كان يعيش في المغرب بعد نفي جدوده من الأندلس لكونهم يهوداً آنذاك، لكنهم دخلوا الإسلام قبل هجرتهم إلى سقبا، وهناك شبه إجماع من كبار العائلة على هذه الرواية.

[quotes]يُعدّ آل البني من متّبعي المذهب الشافعي الصوفي، لكن بدرجة تديّن متدنّية بالمقارنة مع باقي عائلات المدينة[/quotes]

بلغ عدد آل البني في سقبا عام 2011 بين 900 إلى 1200 نسمة، وبلغت نسبتهم حوالي 3.5% من سكانها الذين كانوا يبلغون نحو 35,000 نسمة، ويعمل رجال المدينة بغالبيتهم الساحقة في النجارة وتصنيع المفروشات التي تُشتهر بها مدينتهم، لكن نسبة المشتغلين بها بين آل البني تبدو منخفضة مقارنةً بباقي العائلات.

يظهر على المجتمع في سقبا تمايز عائلي، لا انقسام، فتبدو أمور مثل رفض الزواج من خارج العائلة أو رفض الشراكة المادية والتعامل التجاري مع عائلات أخرى أو رفض السكن ضمن أحياء متنوعة العائلات، أموراً متجاوَزة من الجميع. إلا أن التمايز العائلي يظهر في تقارب مستوى الدخل ضمن العائلة الواحدة، ونسبة التعليم ودرجة التديّن ودرجة المحافظة الاجتماعية، وحتى في وجود أو عدم وجود جنوح للجريمة.

من بُعد آخر، لم يكن التمذهب الديني يلعب دوراً في أيّ انقسام أو تباعد بين العائلات قبل عام 2011، فسقبا التي تتشكل من تيارين مذهبيين (هما الشافعية الصوفية، التي نسبتها 85% من المدينة، والحنبلية السلفية) لم تعرف حضوراً للتمايز المذهبي بأكثر من كونه تابعاً غير كلّي للتمايز العائلي، وأقول تابعاً غير كلي بمعنى أنّ كون بعض العائلات تتبع بأكملها للمذهب الشافعي الصوفي، على سبيل المثال، لا يمنع من وجود سلفيين وصوفيين ضمن عائلة واحدة، وإن كانت الحالة الثانية أقل حضوراً من الأولى.

وجدير بالذكر أن هذا البعد المذهبي أخذ يصبح فاعلاً بعد تحوّل سقبا إلى منطقة محرّرة من قوات الأسد خلال الثورة، ودخل هذا البعد ضمن التمايزات الظاهرة، وأخذ منحىً انقسامياً.

يُعدّ آل البني من متّبعي المذهب الشافعي الصوفي، لكن بدرجة تديّن متدنّية بالمقارنة مع باقي عائلات المدينة، وبدرجة محافظة اجتماعية تتراوح بين المتوسطة والمنخفضة، ومستوى دخل يتدرج بين التوسّط والغنى، ولم يُذكَر أن أحداً منهم تمّت إدانته بجُنَح أو جرائم منذ الأربعينات إلى بداية الثورة، كما أن نسبة التعليم مرتفعة بينهم، حيث تبلغ نسبة الحاصلين على شهادة جامعية حوالي 20%، ونسبة الحاصلين على شهادة الثانوية العامة أكثر من 50%، وقد تكون نسبة الإناث إلى الذكور متساوية فيما يخصّ التعليم، إن لم نقل إن نسبة الإناث قد تكون أكثر قليلاً. ويبلغ عدد الأطباء من آل البني 18 طبيباً من مجموع 36 طبيباً من المدينة، مع التذكير بأن آل البني لا يزيدون عن 3.5% من عدد سكانها.

كان آل البني يعملون في زراعة القنّب والفواكه وصناعة قمر الدين، قبل بدء موجة صناعة المفروشات في بداية السبعينات، وكانوا يتراوحون حينها بين الفقراء ومتوسطي الدخل، ومنهم من اتجه إلى صناعة المفروشات مع من اتجه إليها من أهل البلدة آنذاك من أجل إيجاد مصدر رزق يُدرّ أرباحاً أكثر من الزراعة، إلا أنّ تشكيل «جمعية بيت البني» في نهاية السبعينات كان حدثاً مفصلياً ضمن العائلة، أدّى إلى الحدّ من اتجاه شبابها إلى صناعة المفروشات وجعلها تأخذ منحى مختلفاً في تفكيرها لتلبية احتياجاتها المعيشية.

جمعية بيت البني

تأسست «جمعية بيت البني» عام 1979م تحديداً، وزاد زخم عملها تدريجياً، فأصبحت في الثمانينات تعقد اجتماعاً شهرياً فيه اشتراك لكل أسرة، يتفاوت حسب إمكانات كل منها، علاوة على مدفوعات الأغنياء التي توضع في صندوق الجمعية.

وكان يتم في الاجتماعات تداول شؤون العائلة ومناقشتها، وجمع المساعدات للفقراء منهم، والمساعدة في تزويج الشباب لدرجة قد تصل إلى التكفّل بكافة متطلبات الزواج، كما التكفّل بأيتام العائلة ومساعدة المتزوجات من غير آل البني، وكان يُقام تكريم نهايةَ كل عام للمتفوقين في الدراسة على اختلاف مراحلهم.

كان كبير العائلة، الذي له الفضل في تأسيس الجمعية، هو سعيد البني، الذي كان مختاراً للبلدة حينها، ويحمل شهادة «السرتفيكا» (الصف السادس الابتدائي) منذ أربعينات القرن الماضي، ويُذكر أنه أيضاً صاحب الفضل في توجيه كبار العائلة إلى نشر أهمية التعلم بين فتيان العائلة وفتياتها، إلى أن أصبح الحثّ على إكمال التعلم موضوعاً رئيساً في كل اجتماعات الجمعية، حتى بعد وفاة سعيد البني، وكانت تتمّ مساعدة الأسر الفقيرة للتقليل من إخراج الآباء لأطفالهم من المدارس ومن الاستعانة بهم في تأمين موارد المعيشة، وما زال كبار العائلة حتى اليوم يذكرون فضل سعيد البني في ما آلت إليه الأحوال العامة لآل البني.

ومع ازدياد نسبة التعليم وتحسّن المستوى العام للدخل بين أسر آل البني، وتأثير خبرة تناول قضايا الشأن العام (وإن على نطاق محدود في شؤون آل البني وحسب) بدأ شباب البني يأخذون مناحي جديدة في تفكيرهم، كعلاقاتهم الاجتماعية مع باقي عائلات المدينة وفيما بينهم، وكتوجهاتهم السياسية وخياراتهم الأيديولوجية.

أصبح شبه معدوم وجود أحد من آل البني يسكن الأحياء الفقيرة في سقبا، كما انخفض بشكل شديد الزواج من فقراء، مع شبه انقطاع عن التشارك التجاري أو التعامل مع العائلات التي تعلو فيها نسبة الجنوح إلى الجرائم، كما زادت نسبة المهاجرين إلى الغرب.

ورغم وجود أفراد من آل البني تميزوا في صناعة المفروشات وتجارتها، إلا أن انتشار التعلّم بينهم ظل السمة الأساسية التي تميز آل البني بين باقي عائلات سقبا، إلى درجة تأثير نساء آل البني اللواتي تزوّجن من خارج العائلة على تحسين المستوى التعليمي لأبنائهن، وإلى درجة انخفاض مستوى الإنجاب أكثر من باقي العائلات.

من ناحية أخرى، غلبت على أفراد العائلة الذين اتخذوا انتماءات سياسية في فترة حكم الأسد الأب الاتجاهات القومية العربية الاشتراكية، البعثية والناصرية، مع أفراد شيوعيين قلة، ونال ناصريون وشيوعيون منهم نصيباً من السجن لسنوات. ورغم انكشاف التيار الإسلامي الغالب في سقبا بعد بدء الثورة وتمدّده، إلا أن الاتجاه القومي العربي ما زال موجوداً بين أربعينيي العائلة ومن يزيدونهم عمراً، وانتشار أكبر للاتجاه الوطني الديمقراطي بين شباب العائلة وبعض كهولها. ورغم تناول أفكار ومبادئ العلمانية في خطاباتهم، إلا أن غياباً ملحوظاً للتلفظ بكلمة «علمانية» يشيع بينهم، لما تناله هذه الكلمة من شيطنة لدى إسلاميين حولهم، باعتبارها لديهم أهم سمات نظام الأسد الظالم، أي تحديداً ربط أسباب ظلمه بـ«علمانيته».

خرجت غالبية آل البني من سقبا بعد دخولها الحرب ضد نظام الأسد، وبقي فيها قلة شاركوا في الثورة، ومن أهمهم الدكتور عبد الكريم البني رئيس المجلس المحلي في المدينة وصاحب الشعبية الواسعة بين سكانها لإنسانيته. ولقي عدد من شبابها حتفهم على جبهات القتال ضد النظام، منهم الشهداء رأفت ومهند ونادر البني.

كما أن بعض الذين خرجوا من المدينة ساهموا في العمل الثوري من مناطق سيطرة النظام أو من خارج سوريا. ووُجد أفراد معدودون مؤيدون للأسد بين من خرجوا، أهمّهم صفوح البني، الأستاذ في كلية طب الأسنان في جامعة دمشق ونقيب أطباء الأسنان في سوريا سابقاً.

ومما يعزُّ تجاهله أن محروس البني، ابن الثمانين عاماً وأقدم مدرّس في المدينة، والذي سُجِن في فترة حكم الأسد الأب سنين لكونه ناصرياً، وخرج من السجن مشلول اليد ويعاني من مشاكل في النطق، رفض الخروج من المدينة رغم عدم وجود أي أحد من أسرته ليُعينه على ظروف الحياة الصعبة التي تعيشها المدينة، من حصار وتجويع وقصف وانقطاع في الكهرباء والماء وكافة خدمات المعيشة الأساسية، وتمّت تسمية أحد جادات المدينة باسمه تكريماً له وهو ما زال حياً.

يوجد بين آل البني أفراد ينتمون إلى التيار الإسلامي في الثورة، منهم أحمد البني، الذي كان تلميذاً للشيخ الصوفي محمد سعيد رمضان البوطي (الأشعريّ العقيدة الشافعيّ المذهب)، وأصبح الآن قيادياً في ’جيش الإسلام‘ ذي التوجه السلفي، ومنهم الشيخ أبو عماد البني الذي لم ينتمِ إلى أي تيار إسلامي رغم توجهاته الإسلامية القريبة من أفكار ’الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام‘، والشيخ أبو خالد البني الذي يميل في خُطَبه إلى استخدام تعابير مثل «نظام الطغيان والاستبداد» بدل «النظام النصيري»، و«كرامة الناس والعدل» بدل «إقامة دولة الخلافة».

خاتمة

نستطيع القول إن تاريخ تأسيس جمعية بيت البني متأخر قليلاً عن تأسيس أوائل جمعيات العائلات السورية بعد تشكيل الدولة السورية، كجمعيات آل العظم وآل الكزبري وغيرها في دمشق وباقي أنحاء سوريا. وقد لعبت هذه الجمعيات دوراً هاماً في التأثير على الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في محيطها وضمن مؤسسات الدولة السورية حديثة التشكيل حينها، وكانت إحدى أدوات انفتاح المجتمع على شأنه العام لتطوير نفسه، وأدّت إلى انتهاج علمانية ليبرالية كانت سماتها واضحة في أربعينات القرن الماضي وخمسيناته، في مقابل العلمانية الإرادوية ذات العنوان الاشتراكي والتي بدأت تأخذ حيّزها الأوسع من التأثير منذ بدء الانقلابات العسكرية في الخمسينات والستينات، وأصبحت أكثر ترسّخاً مع الحكم الطغياني الذي انتهجه ’حزب البعث‘ ونزعته التحديثية الرعناء والاستئثارية التي أدّت إلى خلل كبير في المجتمع السوري ما زالت آثاره حتى اليوم. لكن جمعيات العائلات وروابطها ظلت قائمة وإن انحسرت اهتماماتها وأعمالها ضمن شؤون العائلة وبعض النشاطات الثقافية وحسب، وحافظت على وجودها ضمن هذا النطاق. وجمعية بيت البني التي بدأت عملها في فترة حكم الأسد الأب لم يكن لها سوى أن تعمل ضمن النطاق المنحسر الذي وصلت إليه باقي الجمعيات والرابطات العائلية العريقة، وحتى أقل من ذلك حين بدأت.

من منحى آخر، نستخلص مما جرى عرضه من معطيات حول الحياة الاجتماعية في سقبا وآل البني تحديداً أن مبادئ الحرية والعدالة والمساواة ضمن المجتمعات الأهلية يمكن تعزيز انتشارها عبر استثمار السمات الخاصة بتلك المجتمعات ذاتها، لكنّ سطوة القيم الغيبية على الحياة العامة في الحرب (وهو ما يحتاج بحثاً منفصلاً) جعل من القيم الدنيوية العريضة محلّ استهجان ممن يبحث عن تعزيز إرضاء الله للدخول إلى الجنة، والحديث عن قيم دنيوية ضرباً من الزندقة إن لم يكن كفراً، وهذا حال كثير من المنخرطين في الحرب ضد نظام الأسد، مما يجعل من تجنّب التلفظ بالعلمانية وصعوبة عقلنة أي نقاش أمراً مفروضاً.

وأياً تكن مرحليةُ تلك المزاودات الأخلاقية ومدى إمكانية تراجع مستوياتها، فإن هذه المقالة، برغم تخصيص تناولها لنموذج مجتمع أهلي ينحاز إلى الثورة ويميل إلى تبني مبادئ الحرية والعدالة والمساواة فيها، وبرغم عدم تعرّضها إلى الفروق السوسيولوجية مناطقياً وطائفياً، وما قد تطرحه من اختلاف النتائج مع نفس المعطيات الظاهرة، إلا أن أهم ما نودّ قوله هو: أن تحقيق الاحتياجات الاجتماعية لمجتمع معين –وتحديداً في مجتمعات تعاني خللاً اجتماعياً بسبب عقود الحكم الطغياني الطويلة التي منعت التفاعلات الاجتماعية الطبيعية– يمكن ألا يتم عبر تحديد الأهداف ووسائل تحقيقها من خارج خصائص المجتمع ومكوناته، وألا يتم عبر «بدائل» بعيداً عن العوامل المحددة لخياراته الخاصة التي تكون عادة أقل ديناميةً في مجتمعات يشكّل الغيب والموروث فيها أساساً في تفسير واقعها وتكوين معارفها الاجتماعية والثقافية.

ومع أن هذه المقالة لا تسعى إلى تقديم العلمانية على أنها الحل السحري، أو على أنها غاية في ذاتها، لكنها سعت إلى تقريب إمكانية كون العلمانية نتاج تحسّن في ظروف الحياة العامة لمجتمع ما (وهو ما يتّضح لنا في أمثلة البرجوازيات الدمشقية والحلبية والحمصية وسواها في فترة أربعينات القرن الماضي وخمسيناته، قبيل وخلال السنوات الأولى من زمن الانقلابات). إن هذه المجتمعات الأهلية، التي ينمو فيها حديثاً تفاعُل اجتماعي بين مكوّناتها واحتياجاتها وسلوكها، بحاجة إلى سيرورة زمنية تُمكّنها من إدارةَ شؤونها وتحمّل مسؤولياتها، لتدخل أخيراً في زمانها بعد عقود الجمود التي فرضها نظام الاستبداد. وإن نموذج آل البني يعرض جلياً أن ذلك لا يتم بأفضل من فسح المجال أمام التطور الطبيعي للمجتمعات من خلال استثمار مكوّناتها.