الحرب على المأساة

لا عنوان يغلب «داعش» في اهتمام الرّأي العامّ الغربيّ بشؤون الشّرق الأوسط. إنّها ذاك الكيان الغامض بقدر ما هو قاتل، القادر على مزج استخدامات مرنة لأحدث وسائل النّشر الإلكتروني وتسويق الصّورة مع جرعات متخَمة من العنف الساديّ والدّمويّة المتوحّشة. داعش هي خنجر يلمع على تلّة من الرؤوس المقطوعة، وقطع رأس داعش أصبح هاجساً يدور حوله بازار سياسي، إقليمي ودولي، بكلّ ما لكلمة «بازار» من معاني، ولا سيّما السّلبيّة منها.

رغم أن اسم داعش ظهر في تعابير القلق الدّوليّ من البوّابة السّوريّة، إلا أن التمدّد العراقيّ لتنظيم البغداديّ كان الفارق النّوعيّ الهائل في مقاربة مسألة الصّعود الجهاديّ الدّاعشيّ غربيّاً، بدءاً من سيطرته السّريعة والمُريبة على مساحات شاسعة من العراق، من ضمنها مدينة الموصل، مقابل انهيار مجلجل لـ«دولة» نوري المالكي وجيشها، مروراً بالجرائم الكبرى التي ارتكبتها ’الدّولة الإسلاميّة‘ في المناطق التي وقعت تحت سيطرتها، ولا سيّما ضدّ مسيحيّي الموصل ويزيديّي سنجار، وانتهاءً بنحر جيمس فولي، الصّحفيّ الأميركيّ الذي اختفى في سوريا قبل نحو عامين ليظهر بعدها لدقائق معدودة في فيديو هوليوودي-داعشيّ قبل فصل رأسه عن جسده. الإدارة الأميركيّة، وهي مهجوسة بعدم الانزلاق عسكريّاً في مستنقع الشّرق الأوسط بعد تجارب جورج بوش الكارثيّة في العراق ومن قبلها أفغانستان، اضطرّت لتوجيه ضربات جوّيّة على مواقع لداعش في العراق، كما نقلت الصّحف الأميركية قبل يومين نبأ موافقة باراك أوباما على إطلاق رحلات استطلاع جوّيّ فوق الأراضي السّوريّة لجمع المعلومات الاستخباراتيّة والعسكريّة اللازمة في حال تقرّر تمديد العمليّة العسكريّة المحدودة ضدّ داعش لتشمل معاقل التنظيم في سوريا، وهو الخيار الذي تفضّله الدوائر الاستخباراتيّة والعسكريّة الأميركيّة، حسبما تنقل الصحف.

تجلّى القلق الدّوليّ الشديد من تمدّد داعش وتمكّنها، عراقيّاً وسوريّاً، في قرار مجلس الأمن رقم ٢١٧٠، الذي، على عكس كلّ محاولات إخراج قرار يدين نظام بشار الأسد، نال موافقة بالإجماع أواسط شهر آب الحاليّ، وهو إجماع اعتبره النّظام السّوريّ انتصاراً، ولو متأخراً، لسرديّاته حول تعرّضه لهجمة إرهابيّة متطرّفة، وقد استغلّه الرّوس للتّشديد على ضرورة فتح قنوات ما بين الدّول الكبرى والنّظام السّوريّ للتّعاون في مجال «مكافحة الإرهاب». لم يكتفِ النّظام بما صرّحه سفيره في الأمم المتّحدة بشّار الجعفريّ بُعيد التّصويت على قرار مجلس الأمن هذا، بل أتبعه، قبل يومين تحديداً، بمؤتمر صحفيّ لوزير الخارجيّة وليد المعلّم، عبّر فيه عن جاهزيّة النّظام السّوريّ «للتّعاون والتّنسيق مع الدّول الإقليميّة والمجتمع الدّوليّ من أجل مكافحة الإرهاب»، بما في ذلك الموافقة على عمليّات عسكريّة ضدّ تنظيم البغداديّ داخل الأراضي السّوريّة، شرط تنسيق تلك العمليّات مع النّظام السّوريّ «من خلال ائتلاف دوليّ أو إقليميّ، أو من خلال تعاون ثنائيّ».

ميدانيّاً، تغيّر واقع العلاقة بين تنظيم ’الدّولة الإسلاميّة‘ والنظام السوري في الأشهر الثّلاثة الماضية، إذ كان هجوم داعش على حقل الشاعر للغاز، شرقيّ حمص، قد أنهى وتيرة غياب مواجهات جدّيّة بين داعش والنّظام السّوريّ. كثّف طيران النّظام السّوريّ غاراته على مدينة الرّقّة بعد التّصويت على قرار مجلس الأمن ٢١٧٠، في الوقت ذاته الذي خسر النّظام فيه، وبسرعة مُريبة، معاقله الثّلاثة الأخيرة في محافظة الرّقّة: الفرقة ١٧ شمال المدينة، اللواء ٩٣ في عين عيسى، وأخيراً مطار الطّبقة العسكريّ القريب من سدّ الفرات.

يرى النّظام في «الحرب على الإرهاب» فرصة كبيرة لإعادة تأهيل نفسه على المستوى الدوليّ والإقليميّ، إذ يعتبر أن المشاهد والصّور التي تقدّمها داعش تعزّز موقفه وتبرّر سلوكه، ويرى أنّ العالم، عاجلاً أم آجلاً، سيكون بحاجة لمساعدته، عسكريّاً ومخابراتيّاً، حالما يضطرّ لمواجهة داعش فعليّاً، وهي حاجة يمكن أن تُصرف سياسيّاً على مستوى عودة النّظام إلى دوائر السّياسة الإقليميّة والدّوليّة، أي، بمعنى آخر، عودة «شرعيّته».

أمام مناورات النّظام للاستفادة من الرّعب الذي تولّده داعش، تحاول المواقف السّياسيّة الغربيّة، ومن بينها تصريحات أوباما نفسه، قطع الطّريق أمام آمال النّظام السّوريّ بإعادة تأهيل نفسه تحت مظلّة «محاربة الإرهاب». الواقع يرجّح استحالة تعويم بشّار الأسد كشخصيّة يمكن الحديث معها في أيّ شأن من الشؤون، رغم استحالة تأكيد أيّ شيء في هذا المجال نظراً للسّوابق المُخجِلة للسّياسة «الواقعيّة» للقوى الكبرى. إقصاء نوري المالكي بسلاسة دليل على توافق أميركيّ-إيرانيّ على مستويات قد يبدو فيها بشّار الأسد، رغم أهميّة موقعه، تفصيلاً ضمن تفصيلات عديدة.

يتّجه العالم اليوم نحو مواجهة الخطر المتنامي لداعش، ورغم أن العراق سيكون المحطّة الأولى والكبرى للجهود السّياسيّة والعسكريّة للمواجهة، إلا أن التوجّه نحو سوريا لاستكمال هذه المعركة يبدو حتمياً. لا شكّ أن تحرّك العالم ضدّ تنظيمٍ يعادي كافة أشكال الحياة الطبيعية خبر جيّد، لكنّ شكل هذا التحرّك ومضمونه قد يحمل من الكوارث أضعاف أيّ إيجابيّات محتملة له إن اقتصر على منطق «الحرب على الإرهاب». ليس خطر إعادة تأهيل نظام بشّار الأسد من بوّابة التعاون ضدّ «داعش» هو الخطر الوحيد، رغم كونه احتمالاً مخيفاً، بل إن في التّعامي عن عمق المسألة، سوريّاً وعراقيّاً، كارثيّة لا حدود لها: أساس وجود وتمدّد داعش في البلدين هو طبيعة الأنظمة الحاكمة فيهما، والتي أسّست لكلّ الظّروف المواتية لظهور تنظيمات وحركات من طراز داعش. في سوريا ثورة شعبيّة ضدّ نظام جائر وإفقاري استنزف البلد طوال ٤٤ عاماً، ثورة تُركت وحيدة تواجه حرباً مطلقة شنّها النّظام لتحطيم كافّة أشكال الحياة راهناً، واحتمالات إعادة الإحياء مستقبلاً، تاركةً أكواماً من الرّكام في مساحات واسعة من سوريا، وملايين اللّاجئين داخل البلاد وفي دول المحيط. داعش هي نتيجة تفاعل ظروف مواتية لنشوئها وتمدّدها، مع مناورات شبكات «الجهاد» العالميّ وألاعيب أجهزة المخابرات. تالياً، لا منطق لأي خطّة لمواجهة هذا التنظيم الخطير دون مواجهة ظروف ظهورها وتمكّنها.

على العالم أن يتحمّل قدره من المسؤوليّة عن الرّاهن السّوريّ المأساويّ، وأن يثبّت قطيعة لا عودة عنها مع النّظام السّوريّ، ويدعم، بالسّياسة وبالسّلاح، الخيارات الباحثة عن مستقبل أفضل للسّوريّين. هذا، وليس غيره، هو الطّريق الأوحد لمجابهة داعش. دون ذلك، إن اقتصرت المقاربة الدّوليّة على المنطق الصِّرف لـ«الحرب على الإرهاب»، لن يكون أمامنا إلا مصدر جديد لمعاناة المدنيّين، دون أيّة انتصارات فعليّة على الجهة الإرهابيّة المحارَبة، بل على العكس تماماً. لنا في أفغانستان وباكستان واليمن أمثلة مأساويّة عمّا نتحدّث، والمأساة السّوريّة كبيرة بما يكفي لرفض مساهمات إضافيّة في إنمائها.