إسلاميون في الحكم

بعد أن عانوا ومروا عبر سنين طويلة من المطاردة والتهميش والنفي، وجد الإسلاميون أنفسهم في السلطة فجأة، وأتت ثورات الربيع العربي لتضعهم في مواقع جديدة عليهم، وأمام استحقاقات وتحديات لمشروعهم السياسي بالدرجة الرئيسية. فبعد أن كانوا مرتاحين نسبياً، كونهم في المعارضة ولا شيء يلزمهم بسقف محدّد لمنطقية الخطاب أو مدى واقعيته، باتوا اليوم أمام شعوب ثائرة، تتعلم بهم كيف تسترد حقوقها، ولاتهادن فيها، حتى لو كانوا أقرانهم في ساحات التظاهرات أو في معارك التحرير.

كان الأمر مفاجئاً وسريعاً بقدر ماكان متوقعاً: مفاجئاً أن تتساقط بعض أعتى الأنظمة العربية في أسابيع، ومتوقعاً أن يفوز الإسلاميون في أول انتخابات حرة تجري في البلاد منذ عقود. لكن مع كل هذا التوقع لم يكن هناك تنظير كافٍ لتصورات التيارات الإسلامية حول السياسة والحكم والاقتصاد، لسبب بسيط هو عدم وجود ميدان لاختبار هذه التصورات وتطويرها، ففيما عدا المغرب والكويت، لم يكن هناك إسلاميون بصلاحيات تنفيذية (حتى وإن كانت محدودة) في الحكومة، ولن يكون غريباً القول أن التجربة الإسلامية في هذين البلدين تعتبر أنضج منها في بقية البلدان العربية.

إذن غياب التنظير الكافي لشكل الدولة وطريقة حكمها، لجعلها أقرب للدولة الإسلامية المُتَصورَة بمفهوم الإسلاميين، أدى لوجود مشكلة عند الكثير من الإسلاميين في فهم شكل الدولة الحديثة وفهم آليات عملها وطريقة بنائها. تظهر هذه المشكلة بوضوح عند من يطالبون بإعادة الخلافة مثلاً، فهم لم يدركوا مثلاً أن لقب «خليفة رسول الله» (وهو أهم مافي نظام الخلافة) قد توقف مع بداية الدولة الأموية، عندما أصبح ذلك المسمى بالخليفة، في واقع الأمر خليفة أبيه أو أخيه وليس خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، لاشكلاً ولامضموناً. وهم ما يزالون يتصورون الخليفة أو نظام الخلافة كما تصوره المسلسلات التاريخية، آمراً ناهياً، متحكماً في البلاد بما يحلو له، لا يجوز الخروج عليه (من الملاحظ أن رجال الدين المصريين الذين هللوا للثورة المصرية عادوا ليستعملوا حجة عدم جواز الخروج على الحاكم، ليدعموا الرئيس المصري محمد مرسي)، ويبقى لديهم مشروع الخلافة بدون علائم واضحة أو تعبيرات دقيقة. لا نعيب عليهم هنا مطالبتهم بدولة الخلافة، بل حديثنا مُنصبّ على تصور ماهية هذه الدولة؟ كيف ستحكم؟ وهل ستملك دستوراً وقانوناً مكتوباً أم اجتهادات قضائية وفقهية؟ وغيرها كثير من الأسئلة الشائكة.

غير أن الإشكالية تستمر حتى عند الإسلاميين الأقل تمسكاً بالخلافة، فهم، وإن قبلوا بشكل الدولة الحديثة ومؤسساتها، فإن شعوراً عميقاً بالذنب ينتابهم عندما يرون أن تجربتهم تنحرف عن كونها «تجربة إسلامية» بنتيجة تأثرها بشكل الدولة الحديثة (برلمان ودستور وفصل للسلطات)، فيحاولون إظهار الجانب الإسلامي فيها بزيادة إظهار الدين وطقوسه في الفضاء العام، أي بزيادات شكلية غالباً. لكن الأهم (وربما الأخطر) استعمال المقاربات الدينية التوعوية (بشكل مباشر حيناً، وغير مباشر عبر شيوخ ودعاة أحياناً كثيرة) في حل الإشكاليات الاجتماعية كالفقر والمرض والجوع والأمية، كالطلب من الناس الصبر والتكافل والتصدق، أي التعامل مع شكل المشكلة عوضاً عن معالجة أساسها. من ذلك مثلاً البرامج الاقتصادية الإسلامية، التي هي أقرب للنموذج الرأسمالي من حيث تغول رجال الأعمال والخصخصة، ومن ثم مساعدة الفقراء عبر برامج خيرية، وليس عبر برامج اقتصادية إنمائية.

تجربة الإسلاميين في مصر عامةً والإخوان المسلمين خاصةً جديرة بالملاحظة والدراسة، من حيث كونها أهم التجارب في الحكم للإسلاميين العرب. وإن كان من المبكر جداً الحكم عليها، إلا أنها أظهرت جزءاً من جبل الجليد، فهناك مراكز قوى داخل الجماعة تنافس مراكز الحكم داخل الدولة، وهي، وإن لم تصل لتكون دولة داخل الدولة، لكنها كفيلة بإثارة علامات الاستفهام. إحدى هذه العلامات أن يتبين وجود مجلس (أو أكثر) من المستشارين لرئاسة الدولة، يختلفون عن مستشاري الرئيس المعينيين، ويكون لهم الكلمة العليا في القرارات (يمكن العودة لمقالات حمدي قنديل إبّان الأزمة الدستورية في مصر).

قد يكون السبب في هذا كما أسلفنا هو ضعف التنظير الفكري للدولة لدى الإسلاميين، فأغلب التيارات الإسلامية التي في السلطة اليوم بقيت عقوداً من الزمن تحاول أن تلتقط أنفاسها تحت وطئة ضربات الأنظمة، وفي خضم أسابيع قليلة وجدت نفسها أغلبية برلمانية تمتلك مجلس الشعب في تونس ومصر، وتمتلك رئاسة مصر، والأهم أنها مطالبة بتحويل الشعار إلى واقع، أن تُخرج الحل من هذا الدين والمنهج الذي تنادي به.

بعد كل هذا، هل يجب الخوف؟

في إندونيسيا مثلاً، وبعد الاضطرابات التي شهدتها البلاد في عام 1998، استقال الرئيس سوهارتو الذي حكم البلاد بيد من حديد، وبدأت فترة جديدة من تاريخ إندونيسيا، حيث نظمت انتخابات رئاسية، تنافس الإسلاميون فيها بعد تغييب، واكتسحوا البرلمان ووصل عنهم عبد الرحمن وحيد للسلطة في عام 1999. حينها حصل الجدل نفسه حول الخوف من الإسلاميين إذا وصلوا للسلطة: هل سيضيقون على الحريات العامة؟ هل سيفرضون أفكارهم على الجميع؟ هل لديهم القدرة على الحكم؟ لكنهم خاضوا الانتخابات وفازوا بالدورة الأولى، وخسروا في الدورة التالية. نموذج قابل للتكرار بأريحية في مصر وتونس، وربما تُكسر قاعدته سوريا بألا يفوز الإسلاميون بأغلبية بدءاً من أول انتخابات حرة. لا يعني ذلك ضرورة فوز العلمانيين أو الليبرالين، بل يعني ذلك أن التفاعلات الاجتماعية التي مرت بها سوريا خلال السَنَتَي ثورة أعقد من أن تُحلّ بتبسيط أو فرز لبرامج سياسية على أساس ديني مقابل علماني، وهذا متروك للأيام.

غير أن هذا لايعني بطبيعة الحال عدم وجود جوانب مفيدة من التجربة ومما يحدث بشكل عام، فمثلاً كون السلفيين في مصر خاصة، قرروا الدخول في عالم السياسة، عبر تشكيل أحزاب سياسية، فهذا تطور، فهم لم يكونوا ليقبلوا بمثل هذا من قبل (دأبوا على مهاجمة الإخوان لتشكيلهم أحزاباً سياسية، وللمفارقة هناك من يهاجمهم اليوم على دخولهم معترك السياسة). لكن أهم الأمور الايجابية بنظري هو تحول النظرية السياسية الإسلامية من الافتراض والتخمين والتنظير إلى التطبيق والواقع والتجربة، وأنها أصبحت قابلة لمبدأ الصح والغلط، أي أنها أصبحت أموراً اجتهادية لا قطعيات فيها (لا يشمل الحديث هنا الأوامر الدينية المباشرة والواضحة، بل الحديث عن المسكوت عنه في النظرية السياسية الإسلامية، أو ذلك المحدد بحدود عامة واسعة، تاركاً التفاصيل لاجتهاد المجتهدين). هذا بلا شك سيطورها، وأزعم أنه سيجعلها أكثر قرباً من روح الإسلام ومقاصده، بدلاً من جعلها مترددة حائرة، بل ومرتهنة لنصوص المنظرين الأوائل. هذا الاقتراب مرهون بالدرجة الرئيسية بمدى مرونة الإسلاميين في تطوير هذه النظرية، دون أن تفقد تمايزها عن النظريات السياسية الأخرى. ولأول مرة سنجد محاولات لجلب الشريعة من الأفعال، بدلاً من جلب الأفعال من الشريعة.

أما قضية الخوف من تمسك الإسلاميين بالسلطة أو استبدادهم بها، فالتجربة الراهنة أمامنا في مصر أو في تونس، وسابقاً في بعض البلدان الإسلامية الأخرى كباكستان وتركيا وماليزيا وإندونيسيا، تقول أن هذا مستبعد الحدوث. فعدا أن الافتراض بحد ذاته غير منصف ومنحاز، فإن هناك حدوداً دنيا قبل بها الجميع (تمثل بعض المعارضة المصرية اليوم خروجاً شاذاً عن هذا الاجماع)، وهي الاحتكام لصندوق الاقتراع، وأما من لم يرضَ بهذه الطريقة من الإسلاميين فهو لم يشارك أصلاً فيها، وبقي يهاجم الإسلاميين الآخرين على مشاركتهم. وإن حاولوا الاستبداد بالحكم، فإنه لا شك سيلقون معارضةً عامةً وشاملة، فما كان مقبولاً قبل الربيع العربي من الاستكانة والخوف على لقمة الخبز لم يعد وارداً بعد هذه الثورات، والتي أطاحت تقريباً بكل حصون السلطات العربية لعدة سنوات قادمة على الأقل.