ثورة أنثى ونسويّة متردّدة

 

اتخذت الثورة السورية مبكراً نسقها الخاص، تسامت عن تصنيف «ثورات الربيع العربي المطالبة بالديمقراطية والإصلاح السياسي» لتدخل تحت بند الثورات الجذرية غير العادية العابرة للتاريخ، غير المستعَدِّ لها بالنظرية، السباقة لمثقفيها ومنظريها والحالمين بها، المفجِّرة للاحتمالات كافةً، خرجت عن الزمن التقليدي لتنكتب في زمنها الخاص وبإيقاعها الخاص.

من السمات اللافتة التي تمنح الثورة السورية تفرُّدَها: جنوحها المثاليّ اللافت، مثالية الثورة السورية تتبدى بأجلى صورها في أيقوناتٍ ثورية لن تُنسى، أفرادٍ سلكوا في لحظةٍ سلوكاً ثورياً غير عادي في وضوحه وجذريته، غياث مطر مثلاً، الشهيد تحت التعذيب، الذي كان يقدِّم زجاجات الماء مصحوبةً بالورد لرجال أمنٍ يعرف جيداً تبلُّد الإنسان فيهم وضراوة قسوتهم ودأبهم على ممارسة قهر الآخرين كأسلوبِ عملٍ وحياة.. أي ملحميّة!

إصرار الثورة في أشهرها الأولى على سلمية الحراك كان سلوكاً مثالياً كذلك «كان مثالياً حد نعته بالمثالوية من قبل دعاة التغيير العنفي الذين عاشوا مجدهم لاحقاً»، وما كان يلحق بأي صوتٍ مطالبٍ بالتسلح واعتماد التغيير العنفي من الإدانات الجامعة والنبذ. هذا كله إذا أُضيف إلى إدراك السوريين العميق لطبيعة نظامهم الذي عايشوه عقوداً مُرةً وطويلة، وبنيته القمعية المجنونة، ولامحدودية عنفه وسلطويته وهمجيته، مضافاً إلى كل هذا إرث طويل من الوعي المدني التاريخي الروح لسكان المنطقة «لا يهملُ هذا المعطى -ولا يتنافى مع- كون الثورة السورية ثورة أرياف، ثورةً لامركزية الطابع ضد مركزية مدينيةٍ استخدمها الشبق السلطوي للعسكر لتجيير الناس وقهرهم ووضعهم في غير تموضعهم السليم اجتماعياً»، هذا كله يمنح للسؤال شرعيَّةً أكبر، ويجعل تداوله أكثر أهمية واكتنازاً بالمعنى: أليس في هذا التوق المثالي، المتفتِّق عن ملحميةٍ يوميةٍ تُعاش وتنكتب في تفاصيل الواقع الميداني للثورة، ملحمية شدت إليها أنظار ثوريين جذريين حول العالم، وحولت الثورة السورية إلى ثورة فوق- محلية، ألا يحدد هذا ثورةً بروحٍ أنثوية؟ ألا يشرِّع هذا توصيفَ الثورة السورية بأنها ثورة أنثى، بما الأنوثة هي الجانب المثالي من الوجود، الجانب القيميّ الروحاني غير المكترث بالواقع غير العابئ بالسياسات والراهن، المجذِّر للتفاصيل، الحالم والموغل في الأخلاقية حدَّ المثالية؟

لا ينكر هذا الكلامُ أن في كل ثورةٍ روحاً أنثى، وأن لكل ثورةٍ فرادتها وملحميتها. ما أحاول قوله أن النسب في الثورة السورية أكبر بكثير من ألا يُلتفَت إليها.

بالمقابل، يبدو أن جسماً نسوياً واضح المعالم والهوية والإيديولوجيا لم يتبلورْ في خضمّ الثورة حتى الآن، مع أن المرأة السورية ضاهت بثوريتها الرجال السوريين، وقامت بدورٍ كبيرٍ في الحشد والعمل والإغاثة، ولم تنقصْها الجذرية ولم ينقصها الوعي الثوري، لكنّ ما ينبغي لحراكٍ نسويٍّ سوريٍّ واضح المعالم أن يعمل عليه: توجيه الوعي الثوري باتجاه القضية النسوية سياسياً واجتماعياً، لأن التحرُّر مسألة واحدة لا مسائل متجانسة، والحرية مناخٌ وهواءٌ يفرض نفسه على كل المعترَكات، ويجعل من طرح كل مظلوميةٍ لإنسان الثورة تمهيداً لحلها واجباً ولازماً...

إن المكاسب التي حصلتها المرأة السورية منذ الاستقلال –غير الكثيرة وغير السباقة مقارنةً بشعوب المنطقة على أي حال- تتهدَّد، وتتهدَّد معها إمكانية تحصيلِ أي مكاسبَ أخرى مستقبلاً، في ظل اتجاه الثورة السورية بحكم تطييفها وتوجُّهها المسلح الراهن وتعقُّد واقعها إلى شيءٍ من «التذكير»، لا إلى الذكورة بل إلى الذكورية، بما الذكورية تراثٌ طويلٌ من القمع والأحادية والهرمية والتسلط والتقليدية والمحافَظة، وفي ظل تنامي الدور الإسلاموي ودخوله بقوة على خط القوى المتشابكة التي تشكِّل محصِّلة القوّة الثورية، ودخوله كذلك على خط التدخل في المزاج الثوري ومحاولة اكتسابه..

إن قضية المرأة السورية، التي هي أولاً قضية نساء المنظقة ومظلوميتهم التاريخية، كجزءٍ من قضية المرأة «الجنوبية»، امرأة العالم الثالث، التي هي قضية المرأة في كل مكان أيضاً، وقضيةٌ إنسانية تخص كل إنسانٍ في هذا العالم، يجب أن تُطرح كمعطىً في الثوة السورية، وأن يتم التمسك بها بدون إيلاءِ كثيرِ اهتمامٍ لمقولات الواقعية السياسية وترتيب الأولويات.

إن العدوَّ الأيديولوجي للطرح التحرري للثورة السورية، وللقضية النسوية للمرأة السورية: يحمل السلاح الآن، ولديه كل شيء، من القوة المسلحة المبيدة إلى ترسانة سياسيِّيه التقليديين إلى تمتعه بـ دوغمائيةٍ إلهيةِ المنبت غيبيةٍ رادعةٍ إلغائية. بالتالي يبدو ذا جدوى أكثر فأكثر، الإصرار على الحفاظ على مواقعنا، الإصرار على الفكرة والجهر بها في منطوق الثورة، في الإعلام وفي الساحات وبين الناس. يصبح التشبث بالمواقع والإصرار على الفكرة أكثر إلحاحاً عندما لا يكون لديك غير هذا، أمام من يملك القوة والسلاح ومهيَّاٌ في أي لحظةٍ يختل فيها ميزان القوة للإمساك بكل شيء وإلغاء خصومه..

ألم يئن الوقت لتكتُّل الحركة النسوية التحررية في سوريا الثورة؟ هل الانتظار إلى حين إسقاط النظام سيكون بلا ثمنٍ لجهةِ خسارةِ إمكانيةِ تحصيل المكتسبات وتحويل القضية التحررية النسوية إلى قضية عامة؟ هل سيضيرُ المقاومةَ الشعبة المسلحةَ ضد النظام توازيها مع قضيةِ التحرر الاجتماعي، وهي ثورة مظلومينَ قامت لرفع الظلم مرةً وإلى الأبد؟ هل ظلم الإنسان السوري على يد زبانية الأمن والعسكر بعيدٌ عن ظلم المرأة السورية الرازحة تحت تقاليدِ الذكورةِ والمحافَظَة والإلغاء تاريخياً؟

أوليست ثورةً للجميع؟