عن بعض جوانب التأريخ الهندي

 نُشرت هذه المقالة في العدد الافتتاحي من دوريّة مجموعة دراسات التابعين عام 1982.
العنوان الأصلي «On Some Aspect of the Historiography of Colonial India» 

المقالة التالية لراناجيت غوها 1 قديمة المنشأ وأكاديمية الطابع، وموضوعها لا بدّ أن يبدو للكثيرين بعيداً كل البعد عن سوريا اليوم. لكن هذه المقالة القصيرة نفسها أطلقت واحدة من أكثر الحركات الفكرية أهمية وإثارةً للجدل في العقود الثلاثة الماضية، أعني ’مجموعة دراسات التابعين‘ الهندية (the Subaltern Studies Collective) التي عُرفت بحمل لواء النظرية «البوست-كولونيالية» (post-colonial، ما بعد الاستعمار) في نقد الحداثة، وتكريسها كمدخل رئيس لفهم الشرط التاريخي للمستعمَرات الأوربية السابقة – أو ما بات يُعرف في أعقاب الحرب العالمية الثانية بالعالم الثالث. وفي الحقيقة، ليس من المبالغة القول اليوم إنه ما من مؤرّخ او أنثربولوجي أو ناقد أدبي متخصّص في العصر الحديث، ممن يتم إعدادهم في الأكاديميات الكبرى في العالم، ولا سيما منها الناطقة باللغة الانكليزية، إلا ويتم تعريفه وبشكل مكثّف أحياناً بـ«المفترق» أو «المنهج» البوست-كولونيالي في التفكير. تلك الحقيقة وحدها كافية لإعطاء مقالة غوها بُعداً يتجاوز منبتها الهندي الأول، ويصلها بسوريا وشرق المتوسط.

لكن، وعلى عكس المزاج الأكاديمي العالمي، لا يبدو الحقل الثقافي العربي معنيّاً حتى اللحظة بنقاش حقيقي وعميق يتناول النظرية البوست-كولونيالية بأبعادها التاريخية والمعرفية الكاملة. الصورة النمطية لتلك النظرية في المنطقة تكاد تختصرها كلياً بأعمال المفكر الأمريكي الفلسطينيّ الأصل إدوارد سعيد، وتحديداً كتابه الشهير الاستشراق، وما يزال الإرث السعيدي حبيس مقاربات سجالية ومجتزئة في العالم العربي ترى فيه نقداً قَبَلياً –لا جدلياً– للغرب، وتقيّمه سلباً أو إيجاباً على هذا الأساس 2. أما بعيداً عن سعيد، فإن بعض أهم الأعمال النظرية والتاريخية الصادرة خلال ربع القرن الماضي، عن القومية والعلمانية والدين والحداثة والعلاقات الطبقية في المستعمرات، أنتجها بوست-كولونياليون من الهند تحديداً، ويكاد العرب لا يعرفون عنها إلا النزر اليسير 3. مقالة راناجيت غوها عن «بعض جوانب التأريخ للهند المستعمرة» العائدة لعام 1982 تُحيلنا إلى المرحلة التأسيسية من هذا الإنتاج الهندي، عندما كان تأثير سعيد وفوكوه ودِرِيدا على غوها وتلاميذه ما يزال خافتاً بالمقارنة مع تأثير الماركسية الغربية من جهة، تحديداً كتابات المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، والسياق السياسي الهندي من جهة أخرى، حيث الانتفاضات الفلاحية الماويّة المنطلِقة منذ نهاية الستينات وحالة الطوارئ التي أعلنتها أنديرا غاندي في منتصف السبعينات 4. راناجيت غوها، الذي بدأ حياته كشيوعيٍ ماويٍ، أدرك في بداية الثمانينات أن أدوات المعرفة المتاحة للنخبة الهندية حينها كانت تُعيق الفهم الحقيقي لانتفاضات الفقراء في الهند، وفي هذا أيضاً تحمل كتاباته معنىً خاصّاً للسوريين من أبناء جيلنا، ألم تكن الثورة السورية انتفاضةً للفقراء وأبناء الريف أولاً وأخيراً؟

يهاجم غوها في مقالته التأريخ النخبوي للقومية الهندية، والذي يتجاهل وجود مجال سياسي مستقل لعموم الهنديين أو لمن يدعوهم –حسب غرامشي– الطبقات التابعة (the subsaltern classes). غوها لا يستخدم كلمة قومية بالمعنى الفكري الضيّق هنا (أي الإيمان المثالي بالأمم والهوية القومية) وإنما بالمعنى المادي العريض، الذي يعرّف القومية كحركة سياسية متفاعلة جدلياً مع الحداثة الاستعمارية ومعبّرة عن الوجود الهندي السياسي الحديث. تاريخ هذه القومية هو التاريخ السياسي الهندي بمعنىً آخر، وضمن هذا التاريخ، لم تكن المؤسسات الاستعمارية والنخب المحلية صاحبة الفاعلية الوحيدة، حسب كوها، بل كان للعموم دور سياسيٌ هامّ أيضاً، عبّر عن نفسه من خلال انتفاضات عديدة، اختلفت في طابعها وأجندتها لكنها بقيت في كل الأحوال ذات جذر خاصّ ومستقلّ عن سياسات النُخَب. اهتمام غوها بالطبقات الدنيا من المجتمع ذو جذر ماركسي واضح، خصومه هم النخبويون من استعماريين وقوميين محليين، ومصطلحاته تستوحي غرامشي وبعض المؤرخين اليساريين في بريطانيا من أمثال إدوارد تومبسون. لكن في مقالة غوها، أيضاً، بوادر تستبق التمايز اللاحق والواضح للبوست-كولونيالية عن الماركسية، تظهر بشكل رئيسي في تأكيده أن ما لدى العموم، وبغضّ النظر عن نسبة الطبقة العاملة فيهم، أو وعيهم الطبقي، أو تفاصيل مشروعهم الثقافي، هو سياسة (لا حراك «ما قبل سياسي») وسياسة «حديثة» أيضاً. لا نفي لفقراء المستعمرات خارج الزمن إذن، إلى أرض «الغيب والسحر والوهم والتخلف» حسب السرديات التاريخانية الحداثوية، ولا انشغال ثقافوي بمدى تطابق رؤية الفقراء الفكرية مع مُثُل التنوير العقلاني. بهذا المعنى، غوها يتقدم في اتجاه معاكس تماماً لاتجاه الفكر العربي بعد عام 1967.

وقبل أن أترككم مع النصّ المترجم، أودّ الإشارة فقط إلى أن ترجمات لنصوص بوست-كولونيالية محورية أُخرى ستٌنشر في الجمهورية بالتتالي.

كرم نشار

*****

1- بقي تأريخ القومية الهندية محكوماً لزمن طويل بالنُخبوية: نخبوية استعمارية وأُخرى برجوازية-قومية. الاثنان من منتجات الحكم البريطاني في الهند، لكنهما صمدا خلال انتقال السلطة وتم استيعابهما ضمن خطاب استعماري-جديد وقومي-جديد في كل من بريطانيا والهند. التأريخ النخبوي من النوع الاستعماري والاستعماري-الجديد يضمّ الكثير من الكتّاب والمؤسّسات البريطانية، لكن لديه أيضاً مقلّدون في الهند وبلدان أُخرى. التأريخ النخبوي من النوع القومي والقومي-الجديد تتم ممارسته بشكل أساسي في الهند، لكنه يحظى أيضاً بمقلّدين في صفوف المؤرّخين الليبراليين في بريطانيا ومناطق أخرى.

2- كلا هذين النوعين من النخبوية يتشارك في انحياز واحد، وهو فهم تشكّل الأمة الهندية وتطوّر الوعي القومي الذي ساهم في ذلك التشكل كإنجاز من إنجازات «النخبة» حصراً أو غالباً. في التأريخ الاستعماري والاستعماري-الجديد يُنسب هذا الإنجاز إلى الحكّام، والإداريين، والسياسات، والمؤسّسات، والثقافة البريطانية، أما في الكتابات القومية والقومية-الجديدة فيُنسب الى النُخب الهندية، شخصياتٍ ومؤسّساتٍ ونشاطاتٍ وأفكاراً.

3- الأول من هذين التقليدَين في التأريخ يعرّف القومية الهندية بشكل أساسي وفق نموذج الحافز وردّة الفعل. فمن خلال مقاربة سلوكية ضيقة، تبدو القومية في هذا النموذج كمجموع الأنشطة والأفكار التي تجاوبت النخب الهندية من خلالها مع المؤسّسات والفرص والموارد التي أتاحها الاستعمار. توجد عدة أشكال من تقليد التأريخ هذا، لكنهم جميعاً يصفون القومية الهندية كشيء يشبه «عملية التعلم» التي من خلالها انخرطت النخب المحلية في السياسة، فحاولت التأقلم مع المؤسسات –التي كانت السلطات الاستعمارية قد أدخلتها بغرض حكم البلاد– وما رافق تلك المؤسّسات من تعقيدات ثقافية. وتبعاً لهذا التقليد، فإن ما جعل النخب الهندية تمرّ بعملية التعلم تلك لم يكن أيّ نوع من أنواع المثالية النبيلة الساعية لمصلحة وخير الأمة، بل ببساطة رغبتها في الحصول على نصيبها من الثروة والسلطة والجاه الذين أوجدهم الحكم الاستعماري. السعي وراء هذه «العوائد»، وما صاحبه من مزيج من التنافس والتعاون بين السلطات الاستعمارية والنخبة المحلية وبين عناصر مختلفة من هذه النخبة، هو ما شكّل، حسب هذا التقليد، «القومية الهندية».

4- التوجّه العام للتقليد الثاني في التأريخ النخبوي هو تمثيل القومية الهندية كمسعىً مثالي قادت فيه النخب الهندية المحلية الشعبَ من الخضوع إلى الحرية. هنا أيضاً لدينا أشكال عديدة من هذا التقليد، تختلف فيما بينها حسب درجة تركيزها على دور القادة الأفراد أو المنظمات والمؤسّسات كمحرّك أساسي في هذا المسعى. لكنهم جميعاً يعتبرون أن القومية الهندية كانت تعبيراً عن خير النخب المحلية، ويركّزون على جعل عدائها للنظام الاستعماري يبدو أكبر من تعاونها معه، وعلى دورها كمدافع عن قضايا الشعب لا كمستغلّ وقامعٍ له، وعلى عطاءاتها وتضحياتها الذاتية لا على سعي أفرادها وراء السلطة والامتيازات الممنوحة من قبل المستعمِرين. بهذه الطريقة يتحول تاريخ القومية الهندية إلى سيرة ذاتية روحية للنخب الهندي.

5- ومما لا شكّ فيه أن التأريخ النخبوي لا يخلو من المنافع. فهو يساعدنا على معرفة بنية الدولة الهندية خلال عصر الاستعمار، وكيفية عمل أجهزتها المختلفة في ظروف تاريخية معينة، وطبيعة التحالفات الطبقية التي أمّنت لها الاستمرار، وهو يساعدنا أيضاً على معرفة بعض جوانب أيديولوجيا النخب بوصفها الأيديولوجيا المهيمنة خلال تلك الفترة، وطبيعة التناقضات بين النخبتين الاستعمارية والمحلية، وتعقيدات عداواتهم وتحالفاتهم، ودور بعض الشخصيات البريطانية والهندية الهامّة، ودور بعض المنظمات النخبوية أيضاً... وفوق كل شيء آخر، فإن قراءة التأريخ النخبوي يساعدنا على كشف الطابع الأيديولوجي لهذا التأريخ.

6- لكن ما لا يستطيع هذا النوع من التأريخ فعله هو شرح القومية الهندية لنا! وذلك لأنه يعجز حتى عن رؤية –فما بالنا بتفسير– المساهمة التي قدّمها عموم الناس، بمفردهم وبمعزل عن النخب، نحو صنع وتطور هذه القومية. يظهر فقر التأريخ هذا على وجه الخصوص في عجزه عن فهم وتقييم التعبيرات الجماهيرية لهذه القومية خارج منظارَين ثابتين: الأول سلبي، يرى فيها انفلاتات أمنية ضد القانون؛ والثاني إيجابي، يرى فيها محض تجاوب مع كاريزما بعض القادة، أو –حسب المصطلحات الرائجة هذه الأيام– نتيجة تجييش عامودي من قبل الفئات المتصارعة. انخراط عموم الناس بأرقام هائلة، وصلت في بعض الأحيان إلى مئات الآلاف وحتى الملايين، في النشاطات والأفكار القومية يجري تمثيله إذن –حسب هذه النظرة– كشيء منفصل عن العملية السياسية «الحقيقية»، أي دوران عجلة أجهزة الدولة ومؤسّسات النخبة الملتصقة بها، أو يجرى نَسبُه ببساطة للتأثير الأيديولوجي للنخب ومبادرتها. إفلاس هذا النوع من التأريخ ينكشف تماماً عندما يجري استحضاره لشرح ظاهرة مثل الانتفاضة المعادية لقرارات لجنة رولات عام 1919، أو حركة «اتركوا الهند» عام 1942 – وهذان مثالان فقط للعديد من حالات نهوض المبادرة الشعبية، من داخل الحملات القومية لكن بمعزلٍ عن سيطرة النخب أو في تحدٍّ لها 5. كيف يمكن لتأريخ إحادي النظرة وضيّق الأفق أن يساعدنا على فهم التحولات العميقة والبعيدة عن سياسات النخب التي جعلت من حادثة الشوري-شورا عام 1922 ممكنة، ومثلها المظاهرات الصاخبة المؤيدة لعصيان الجنود الهنود في البحرية الملكية عام 1946 6؟

7- عدم قدرة التأريخ النخبوي على شرح حوادث كتلك تنبع بالأساس من النظرة الضيّقة والجزئية للسياسة التي ترافق نظرته الطبقية. في كل الكتابات من هذا النوع، نجد أن حدود السياسة الهندية يتم تعريفها أو ربطها بشكل حصري بالمؤسسات التي أوجدها البريطانيون في البلاد، وبما رافقها من قوانين وسياسات ومواقف، وغيرها من عناصر البُنىً الفوقية. تأريخ مشلول بتعريف كهذا لا يستطيع إلا أن يساوي السياسة بمجموع نشاطات وأفكار من يُدير تلك المؤسسات، أي الحكام المستعمِرين وتلاميذهم من الفئات الحاكمة في المجتمع المحلي. ولأن مضمون القومية الهندية تم اختصاره بتفاعل تلك المجموعتين، بات فَهمُنا لمجال القومية متطابقاً مع فهمنا لمجال السياسة.

8- ما يتم تجاهله في هذا التأريخ اللاتاريخي هو «سياسة العموم». فبالتوازي مع مجال سياسة النخب، لطالما وُجد في الزمن الاستعماري مجال آخر للسياسة الهندية لم يكن الفاعلون الأساسيون فيه من الفئات الحاكمة محلياً أو من السلطات الاستعمارية، بل من الطبقات والمجموعات «التابعة» من الجماهير العاملة من السكان، بالإضافة الى الفئات المتوسطة في البلدات والأرياف – أي من العامّة. ذلك كان مجالاً مستقلاً، لأنه لم يتفرّع من مجال السياسة النخبوي ولم يعتمد عليه وجودياً. كان مجالاً تقليدياً فقط من حيث أن أصوله تعود الى الفترة السابقة للاستعمار، لكنه لم يكن «أحفورياً» أو «مفوّتاً». وعلى خلاف سياسة النخب التقليدية، التي تم القضاء عليها كلياً مع قدوم الاستعمار، فإن حقل سياسة العموم استمرّ في التفاعل الحيوي بالرغم من الاستعمار، وتأقلم مع الظروف الطاغية في زمن الراج وتطور أيضاً في اتجاهات جديدة من حيث الشكل والمضمون. لقد كان حديثاً تماماً كما سياسة النخب، لكنه تميّز عنها بالعمق الزمني والبُنيوي.

9- أحد أكثر مظاهر هذه السياسة أهميةً كانت تماماً تلك الجوانب المتعلقة بالتجييش والحراك، والتي عجز التأريخ النخبوي عن شرحها. فالتجييش في مجال النخب كان يتم عمودياً، في حين أنه كان يتحقق أفقياً لدى العموم. تنظيم النخب كان يعتمد أكثر على المؤسّسات البرلمانية المنسوخة عن بريطانيا، أو على بعض المؤسسات شبه الإقطاعية الباقية من زمن ما قبل الاستعمار، أما تنظيم العموم فاعتمد على شبكات العائلات والمناطق التقليدية، وفي بعض الأحيان –حسب وعي الناس– على المنظمات الطبقية. الحراك النخبوي كان ذا توجه مُقَونَن ودستوري، أما حراك العموم فكان أكثر عنفاً نسبياً. النخب على الأغلب كانت أكثر حذراً وانضباطاً، أما العموم فكانوا أكثر عفوية. الحراك الشعبي خلال فترة الاستعمار تجلّى في صورته الأكمل من خلال انتفاضات الفلاحين، وفي مناسبات تاريخية أخرى ضمّت حشوداً كبيرة من العمّال والبرجوازية الصغيرة في المدن، كان شكل الحراك نابعاً بشكل أساسي من نموذج أو «بردايم» (paradigm) التمرّد الفلّاحي.

10- الأيديولوجيا العاملة في هذا المجال الشعبي، إذا نُظر إليها ككلّ، تعكس تنوّع تركيبات المجال الاجتماعية ونظرة العناصر القيادية المهيمنة فيه في وقت معين أو ضمن حدث معين. مع ذلك، وبالرغم من هذا التنوع، فإن إحدى ثوابت هذا المجال هي فكرة مقاومة سيطرة النخب. هذا المفهوم ينبع من «تبعية» كل المجموعات الاجتماعية المشكِّلة للمجال الشعبي والتي تميّزه بشكل حادّ وواضح عن المجال السياسي النخبوي. بالطبع، العنصر الأيديولوجي لم يكن ثابت الحضور والشكل في كل الأوقات. ففي بعض الحالات الجيدة، ساهم هذا العنصر في إضفاء مزيد من التراصّ والتركيز والشدّة على العمل السياسي للفئات التابعة. أما في حالات أخرى فإن التركيز الأيديولوجي للبعض على مصالحهم الفئوية أدّى إلى إخلال توازن الحراك الشعبي وإحداث انقسامات اقتصادوية وفئوية وإضعاف التحالفات الأفقية بشكل عام.

11- سمة أُخرى من السمات المميّزة لهذا النوع من السياسة تنبع من ظروف الاستغلال التي خضعت لها الطبقات التابعة بدرجات متفاوتة، ومن العمل المنتج الذي امتهنه ممارِسوها من عمال وفلاحين، ومن الأنواع المتعددة للعمل اليدوي والعقلي الذي قام به فقراء المدن من الطبقات الدنيا للبرجوازية الصغيرة والعمال غير الصناعيين. تجربتا الاستغلال والعمل أضفتا على سياسة العموم الكثير من القيم والعادات والتعابير التي وضعتها أيضاً في خانة مختلفة تماماً عن سياسة النخب.

12- كل تلك الظواهر المتميزة لسياسة العموم وغيرها لم تتجلّ بشكل واضح ومجرّد كما قد يبدو من المقاطع الثلاث الأخيرة. التناقضات المَعيشة حوّرت وعدّلت تلك الظواهر أثناء تحقّقها تاريخياً. مع ذلك، وبالرغم من كل التناقضات، بقي هناك مجال لسياسة العامّة واضح الحدود ومتمايز عن سياسة النخب. تواجد هذين المجالين في نفس الوقت، مما قد يُعرَف بالحدس ويُثبَّت بالأمثلة والبراهين، كان مؤشّراً على حقيقة تاريخية هامة، ألا وهي: فشل البرجوازية الهندية في التحدث باسم الأمة! بقيت مساحات واسعة في حياة ووعي عموم الهنديين لم تستطع البرجوازية الهندية أن تهيمن عليها. «التفرع البنيوي» الذي نشأ من تلك الحقيقة هو واحد من حقائق التاريخ الهندي في مرحلة الاستعمار البريطاني، والتي لا يمكن للمهتمين بذلك التاريخ إهمالها دون الوقوع في الخطأ.

13- مع ذلك، لم يكن هذا التفرع يعني أن حقلي النخب والتابعين كانا مغلقين تماماً أمام بعضهم دون أي تواصل. على العكس، لقد كان هناك درجة كبيرة من التقاطع الناشئ عن محاولات بعض العناصر المتقدمة من النخب المحلية، سيما البرجوازية، توحيد هذين المجالين. عندما كانت المحاولات تلك مرتبطة بصراعات ذات أهداف واضحة ضد الاستعمار وذات وتيرة منتظمة، النتائج كانت باهرة. أما في حالات أخرى حيث لم تكن هناك من أهداف معادية للاستعمار من الأصل أو تم فقدان أو حرف تلك الأهداف الى تسويات قانونية أو دستورية أو غيرها من التسويات مع الحكومة الاستعمارية، أنتجت محاولات دمج المجالين أسوء حالات التراجع والاصطدام الفئوي. وفي كلا الحالتين، فإن تضافر المجالين أدى دائماً إلى أوضاع منفجرة نجحت فيها الحشود المجيشة من قبل النخب في كسر سيطرة تلك الأخيرة عليها ووضع بصمة السياسة الشعبية الخاصة على الحملات التي كانت النخب قد بدأتها.

14- لكن المبادرات التي بدأت في حقل سياسة التابِعين لم تكن لوحدها قوية لدرجة قادرة أن تجعل من الحركة القومية حركة تحرّر وطني. الطبقة العاملة لم تكن قد نضجت من حيث الظروف الموضوعية لتشكّلها الاجتماعي ولا من حيث وعيها كطبقة-من-أجل-ذاتها، ولم تكن قد تحالفت بقوة بعد مع الفلاحين. لذلك لم تتمكن من استلام زمام المبادرة وإكمال المهمة التي فشلت البرجوازية في القيام بها. نتيجةُ هذا كانت أن انتفاضات الفلاحين العديدة، وبعضها بلغ حجماً هائلاً ووعياً تحررياً غنياً، انتظرت بلا جدوى قيادةً ترفعها فوق المناطقية وتعمّمها كحملة معادية للاستعمار والإمبريالية على الصعيد الوطني. وخلال الانتظار هذا، فإن النضال الفئوي للعمال أو للفلاحين أو للبرجوازية المدينية الصغيرة إما بات عالقاً في سراديب اقتصادوية ضيقة أو سُيّس لكن بقي مجزّأً وعاجزاً عن التحول إلى حركة تحرر وطني.

15- إنها دراسة لهذا الفشل التاريخي للأمة في التعبير عن ذاتها، فشل مردّه عدم أهلية البرجوازية والطبقة العاملة لقيادة البلاد نحو نصر حاسم ضد الاستعمار وتحقيق ثورة برجوازية-ديمقراطية على النمط الكلاسيكي للقرن التاسع عشر تحت هيمنة البرجوازية أو على النمط الأحدث تحت هيمنة العمّال والفلاحين، أي «الديمقراطية الجديدة» - إن دراسة هذا الفشل هي الإشكالية الرئيسية للتأريخ الهندي خلال مرحلة الاستعمار البريطاني. ليس من طريقة واحدة للبحث في هذه الإشكالية. فلتُزهر مئة زهرة ولن نمانع الحشائش حتى. في الحقيقة نحن نؤمن أن كتابة التاريخ، حتى النخبوي منه، تستطيع أن تلعب دوراً ما، أقله عندما تعلّمنا ما لا يجب أن نفعل. لكننا أيضاً مقتنعون أن التأريخ النخبوي تجب محاربته بصرامة من خلال تطوير خطاب مغاير قائم على رفض الأحادية الفارغة واللاتاريخية التي تطبع نظرة التأريخ النخبوي للقومية الهندية وعلى الاعتراف بوجود وتفاعل مجالَين سياسيَّين، نخبوي وعمومي (أو تابع).

16- وبالتأكيد لسنا وحيدين في اهتمامنا بالوضع الحالي للتأريخ السياسي للهند المستعمَرة وفي سعينا نحو مخرج. إن نخبوية التأريخ الهندي الحديث حقيقة مُحبِطة ومكروهة من قبل الكثيرين من طلاب ومعلّمين وكتاب من أمثالنا. قد لا يوافقون جميعهم على ما قيل عن هذا الموضوع بالطريقة التي قيل بها، لكننا مع ذلك مقتنعون أن آراءً وممارسات تأريخية كثيرة تلتقي في نقطة قريبة من موقفنا. هدفنا من جعل موقفنا معروفاً هو تشجيع تلاقٍ كهذا. في أي محادثة لاحقة نتطلّع لما سنتعلمه، ليس فقط ممن يوافقوننا الرأي، ولكن أيضاً من نقد هؤلاء الذين لا يوافقوننا 7.

  • 1. ولد رانجيت كوها عام 1922 في شرق البنغال، وانتظم في ’الحزب الشيوعي الهندي‘ خلال دراسته في الكلية الرئاسية في كلكوتا، وبعد فترة نشاط شيوعي في كل من الهند وأوربا ترك راناجيت الحزب عقب الاجتياح السوفييتي لهنغاريا عام 1956. تحول إلى الماوية خلال الستينات، وعارض الحكم القمعي لأنديرا غاندي. على الصعيد الفكري أعاد اكتشاف هيغل خلال تلك الفترة، وبالرغم من نقده الأوربّوية (Eurocentrism، التمركز حول أوربّا) عند هيغل فيما بعد، بقي على تأثره ببعض جوانب النظام الهيغلي. تنقل غوها في مواقع أكاديمية كثيرة في بريطانيا والهند وأستراليا، لكن إقامته الأطول كانت في جامعة ساسيكس الإنكليزية. استمر بترؤّس ’مجموعة دراسات التابعين‘ طوال عقد الثمانينات. وهو الآن يقيم مع زوجته في ضواحي العاصمة النمساوية فيينّا.
  • 2. بقي كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد رهين ترجمة كمال أبو ديب العربية الصادرة عام 1986 عن مؤسسة الأبحاث العربية، والتي اشتُهرت بصعوبتها الفائقة. في عام 2006 صدرت ترجمة جديدة للكتاب لمحمد العناني عن دار رؤية في مصر.
  • 3. بالإضافة إلى كتاب غوها الكلاسيكي عن الانتفاضات الفلاحية في الهند، اشتُهرت أعمال بارثا شاترجي عن القومية الهندية، وأعمال ديبش شاكرابرتي عن الحداثة والتاريخ، وأعمال غيان براكاش عن الحرية والعبودية والعلوم في الهند، وأعمال غاياتري سيبفاك عن الفكر النسوي من منظار بوست-كولونيالي.
  • 4. لمزيد من المعلومات عن السياق السياسي والفكري لظهور ’مجموعة دراسات التابعين‘ في الهند، يستطيع القراء العودة الى كتاب فينياك شاتوردي خريطة دراسات التابعية والبوست-كولونيالية. Vinyak Chaturdi ed, Mapping Subaltern Studies and the Post-Colonial, London: Verso, 2000.
  • 5. أصدرت الحكومة الاستعمارية في الهند قانون رولات عام 1919 لتمديد حكم الطوارئ المفروض منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى وبهدف قمع حالة التململ الشعبي المتزايدة. الانتفاضة الشعبية تمركزت بشكل أساسي في إقليم البنجاب، وتعارضت بشكل سافر مع سياسة غاندي في الالتزام بعدم العنف. أطلق الجيش البريطاني النار على المظاهرات السلمية في أمريتسار مما أدّى لمقتل أكثر من 370 شخصاً وجرح مايقارب 1200. أما «حركة اتركوا الهند» (أو Quit India Movement) فكانت حركة عصيان مدني ضد الاستعمار البريطاني استمرت طيلة شهر آب من عام 1942.
  • 6. بعد تجاوب أهل شوري-شورا مع غاندي ومشاركتهم في حركة عدم التعاون عام 1922، أطلق الجيش البريطاني الرصاص الحيّ على بعض المتظاهرين هناك مما أدى لسلسلة من المظاهرات العنيفة ولحرق مراكز للشرطة مما أدّى لمقتل ما يقارب من 22 عنصراً من عناصر الشرطة. أما إضراب البحّارة الهنود في المملكة البريطانية فبدأ في 18 شباط 1946 في بومباي وسرعان ما انتشر في كافّة أنحاء البلاد. وقف ’حزب المؤتمر‘ و’الرابطة الإسلامية‘ ضد العصيان في حينها، لكن الجماهير أيّدته بشكل كامل.
  • 7. ملاحظة عن كلمات «نخبة» و«العموم» و«التابعين» كما استخدمت في النص:
    المصطلح «نخبة» تم استخدامه في النص كإشارة إلى المجموعات المهيمنة، أجنبية كانت أم غربية. المجوعة الغربية المهيمنة شملت كل غير الهنديين، أي بشكل رئيسي المسؤولين البريطانيين في الدولة الاستعمارية والصناعيين والتجار والماليين والمزارعين وأصحاب الأراضي والمبشرين من أجانب. الفئة المهيمنة المحلية شملت كل الطبقات وأصحاب المصالح العاملين على مستويين: المستوى الوطني، الإقطاعيين الكبار في البلاد والممثّلين الأهم للبرجوازية الصناعية والتجارية والموظفين المحليين في الفئات العليا من الجهاز البيرقراطي؛ وعلى المستوى المحلي كانت هذه المجموعة تشمل إما أفراداً من المهيمنين وطنياً أو هؤلاء المنحدرين من فئات أدنى لكن العاملين في مصلحة الفئة المهيمنة وليس في مصلحة طبقتهم الاجتماعية الحقيقية. إذا نظرنا إليها ككلّ، فإن هذه الفئة الأخيرة كانت شديدة التنوّع في تشكيلها، وبسبب التفاوت الجغرافي في التطور الاقتصادي والاجتماعي حيث اختلف هذا بين منطقة وأخرى. الطبقة أو الفئة نفسها التي قد تكون مهيمنة في منطقة ما قد تكون من قبل المهيمن عليهم في منطقة أخرى. هذه الحقيقة خلقت الكثير من الغموض والتناقضات في المواقف والتحالفات، تحديداً ضمن الطبقات الدنيا من الملّاكين الريفيين والإقطاعيين المُفقَرين وأغنياء ومتوسّطي الدخل من الفلاحين، المنتمين «نموذجياً» إلى فئة العموم أو التابعين كما سنعرفها الآن. يبقى على الباحثين أن يتبيّنوا الطبيعة والدرجة المحدّدة لانحراف تلك العناصر في مناطق معينة عن تعريفهم النموذجي ووضعهم ضمن سياقهم التاريخي الحقيقي.
    مصصلحات «العموم» والـ«الطبقات التابعة» استُخدمت هنا كمرادفات. المجموعات والعناصر الاجتماعية المشمولة بهذا التعريف تضمّ «الفرق الديموغرافي» بين كامل الشعب الهندي وهؤلاء الموصوفين كأعضاء في «النخبة». بعض تلك الطبقات، من الملّاكيين الريفيين الأقل شأناً والإقطاعيين المفقرين وأغنياء ومتوسطي الدخل من الفلاحيين ينتمون «طبيعياً» إلى هذه الفئة لكنهم في بعض الظروف تصرفوا كجزء من «النخبة». لذلك يمكن تصنيفهم كنخب في بعض السياقات المحلية المحددة – هذا غموض على المؤرّخ توضيحه عن طريق قراءة متأنية وقريبة لمصادره ودلائله.
    وقد اخترت أن أترجم كلمة «subaltern» إلى كلمة «العموم» أو «العامّة» لسببين مختلفين: الأول ان كلمة التابع أو التابعين تبدو لي غامضة وغير مألوفة في السياق العربي، والثاني لأنها تركز على «تبعية» الطبقات الفقيرة أو المهمشة في المجتمع في حين أن غوها وتلامذته بشكل عام يريدون التأكيد أن «التابعين» ليسو كاملي التبعية بل لديهم سياق سياسي خاص بهم.