غارات التحالف وعَدَميّتنا السياسية

كما طالبت شرائح واسعة من الثوار السوريين بتدخّل دولي ضد نظام الأسد، كذلك فإن شرائح واسعة منهم كانت بانتظار تدخّل دولي ضد تنظيم ’الدولة الإسلامية‘ الذي يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي السورية، ويسوم كثيراً من السوريين سوء العذاب. على أن ثمانية وأربعين ساعة من بدء غارات التحالف (صباح 23 أيلول 2014) كانت كفيلةً بإظهار صورة جديدة يبدو فيها الثوار السوريون خصوماً لهذا التحالف وغاراته.

خلال أيام قليلة أخذت الأمور منحىً تصاعدياً سريعاً انتهى إلى خروج مظاهرات مناهضة للتحالف في مناطق سورية عِدّة. وإذا كانت شعاراتها تراوحت بين متضامن مع المجموعات المسلّحة التي تعرضت للغارات، ومن بينها ’جبهة النصرة‘، وبين رافض لهذه الضربات لأنها أودت بحياة مدنيين ولم تشمل مواقع وقوات نظام الأسد، فإن الأمر بات خلال بضعة أيام كما لو أن الثورة السورية برمّتها يمكن أن تصير في خندق واحد مع قوى السلفية الجهادية في مواجهة الطائرات الأممية.

في الوقت نفسه كان النظام السوري منشغلاً بإثبات شراكته للحلف الدولي أمام جمهوره وحلفائه وشعوب العالم، حتى وصل الأمر بجريدة الوطن السورية إلى القول بأن قوات التحالف في خندق واحد مع الجيش السوري ضد الإرهاب. ولم ينفع النفي المتكرّر من قبل ناطقين باسم التحالف في دحض شبهة التعاون مع نظام الأسد، فالأسد يبدو الآن المستفيد الأول من غارات التحالف في سوريا، خاصّةً بعد الجمعة التي رُفعت فيها شعارات من قبيل «لا للتدخل الصليبي في سوريا»، وبعد استمرار طائرات الأسد بقصف مواقع مختلفة شمال سوريا جنباً إلى جنب مع طائرات التحالف الغربي.

يستمر النظام السوري في تسجيل النقاط على حساب الثورة على الصعيد الدولي، ويساعده في ذلك الخطاب الجهادي الذي يعيش أفضل أيامه في سوريا اليوم دون مقاومة تُذكر من قبل القوى الثورية الأخرى. وإذا كان صحيحاً القول بأن عدم التدخّل الدولي لإيقاف مذابح قوات نظام الأسد هو أبرز أسباب اشتداد عود السلفية الجهادية في سوريا، فإن هذا القول بات فاقداً لكل قيمة على المستوى السياسي، ذلك لأن العالم غير مَعني في الحقيقة بحلّ مشكلاتنا، إلا بقدر ما تشكل مشكلاتنا خطراً عليه.

عن أهداف التحالف وتواطؤ العالم

واقع الحال أن التحالف الغربي لم يتحرّك لحماية شعوب المنطقة من خطر داعش، وهو لم يزعم ذلك أصلاً، بل كان متحدّثوه واضحين بالقول إن الهدف هو منع داعش وغيرها من تهديد المصالح الغربية. وواقع الحال أيضاً أن الغارات الأممية لم تستهدف أي فصيل مسلح لا يحمل مشاريع أممية تهدّد مصالح الغرب، بل اقتصرت هجماته على معاقل داعش و’النصرة‘ و’جيش المهاجرين والأنصار‘ و’حركة شام الإسلام‘. وهي مجموعات تحمل فكر السلفية الجهادية العابر للحدود، وتتوعّد العالم كله بالحرب، وكلّها لها صلات بتنظيم ’القاعدة‘ الذي قتل أميركيين في قلب الولايات المتحدة قبل 13 عاماً وما زال يُعتبر عدوّاً استراتيجياً لواشنطن. وقد ارتكب أقوى هذه التنظيمات الجهادية–وهو تنظيم داعش– فِعلاً أحمق على المستويين السياسي والعسكري بتقدّمه نحو مدينة أربيل في كردستان العراق، والتي تشكّل أهمّ مركز للمصالح الغربية في العراق والشام.

يشكّل المشروع الذي تحمله ’الدولة الإسلامية‘ خطراً جدّيّاً على مجمل المصالح الغربية في المنطقة، وقد يمثّل خطراً وجودياً على المملكة العربية السعودية ومنظومة دول التعاون الخليجي بأكملها، كما أنه مرشّح لأن يكون  العدوّ الأخطر لمجمل منظومة الحداثة الغربية إذا ما قُدّر له أن يواصل العمل على مشروعه. وهو يختلف في ذلك عن الجمهورية الإسلامية في إيران مثلاً، وعن حلفائها الذين يشاكسون ويناورون لانتزاع المزيد من النفوذ والثروة لكنهم قابلون دائماً للانضباط والتفاوض والمساومة.

لهذا يرسل الغرب طائراته لضرب داعش وأخواتها، ولا يرسل طائراته لضرب ميليشيات إيران وحلفائها وعلى رأسهم نظام الأسد، ليبدو الأمر كما لو أن العالم برمّته متواطئ مع نظام الأسد أكثر من أيّ يوم مضى... لكن لهذا أسباب تتجاوز الخلاصات التبسيطية التي تتحدث عن العالم القذر الخالي من الأخلاق، وعن كراهية الغرب «لنا»، ورغبته في أن نخسر كل فرصة للتقدم نحو حياة أفضل.

ليس جديداً أن العالم بلا أخلاق عندما يكون النظام السياسي الدولي هو المقصود بكلمة «العالم»، بل إن تاريخ «العالم»كله ليس في هذا السياق سوى تاريخ صراعات وحروب لا شيء فيها إلا المصالح وتقاطعها أو تضاربها. على هذه القاعدة يُفترض أن تتمّ ممارسة السياسة التي أخفق ويخفق في ممارستها ممثّلو الثورة والمعارضة السورية، حتى وصل بنا الأمر إلى مرحلة قد يكون السوريون فيها على موعد مع العودة إلى الانضباط في«حظيرة النظام الدولي»دون مكاسب تُذكر بعد كل هذه التضحيات الكبيرة.

حقل الثقافة وحقل السياسة

ينبغي الانتباه عند مقاربة العلاقة مع التحالف الدولي، وعند مقاربة كل شأن سياسي،إلى ذلك الخيط الرفيع الفاصل بين العمل في حقل الثقافة وإنتاج الفكر والمعرفة، من جهة، وبين العمل في حقل السياسة من جهة أخرى. فإذا كان صحيحاً أن تخفيف آلام السوريين لا يندرج في قائمة أولويات النظام السياسي الدولي، فإن هذه حقيقة يمكن مناقشتها وتحليلها في حقل الثقافة، وبأدوات التاريخ وفلسفة العلاقات الدولية وموقع مبدأ التدخّل الإنساني فيها، حيث البحث دائماً عن الحقيقة وعن المزيد من الأسئلة والمقاربات، وحيث توجد ضوابط أخلاقية ومناهج أيديولوجية لهذا البحث كي يكون مُنتجاً على الصعيد المعرفي... أما في حقل السياسة فأدوات الشغل تختلف جذرياً، فهناك التكتيك والخطاب السياسي وآليات الضغط على صنّاع القرار، لدى الحلفاء كما الخصوم، وقد يصطدم الأمر بالعديد من الأسئلة الفلسفية والأخلاقية في خضمّ البحث عن المصالح والدفاع عنها. وقد يحتاج كل ذلك إلى إدانة التقصير الأخلاقي العالمي؛ لكن على أن تكون هذه الإدانة أداة سياسية في ممارسة الضغوط وانتزاع المكاسب، لا قاعدة ينطلق منها العمل السياسي بما يشوّش على إمكانية رؤية تشابك المصالح وتداخلها وتعقيداتها.

ليس ثمة سوابق في التاريخ عن دولة واحدة قادها نهجها السياسي إلى التضحية بمصالحها لأسباب أخلاقية، ولا يبدو أن الدفاع عن حقوق الإنسان في الحياة والحرية سيكون الناظم الأساسي للعلاقات الدولية في المدى المنظور. الحقيقة أن الكفاح من أجل الوصول إلى يوم كهذا حقّ وواجب على البشرية أن تنهض به، وهو واجب يفترض أن يتم العمل عليه على المستويين الثقافي والسياسي مع جميع شعوب العالم، ومع مختلف المنظّمات والمؤسّسات الثقافية والمدنية والإنسانية والحقوقية التي لا يزال أغلبها رهينة لمصالح الدول وليس العكس... ولا شك أن ما يجري في سوريا يمكن التأسيس عليه لخوض نضال أممي كهذا، لكن أولوية قوى الثورة والمعارضة يفترض أن تنصرف اليوم لتحقيق مصالح السوريين، والعمل على إنهاء مأساتهم والسير على طريق تحقيق تطلّعاتهم.

بهذا المعنى، فإن المصلحة من وجهة نظر من ينحاز للثورة السورية يفترض أن تكون في العمل على إيقاف الدولاب الدموي، مع تحقيق أكبر قدر ممكن مما خرجت شرائح من السوريين لأجله إلى ساحات الثورة والفضاء العام. ذلك لأنه بات مستحيلاً تحقيق جميع ما خرجت هذه الشرائح لأجله من جهة، ولأن إيقاف هذا الدولاب الدموي مستحيلٌ دون تحقيق مكاسب للثوار وحواضنهم الشعبية من جهة أخرى. ذلك فضلاً عن أن العمل على إيقاف سفك الدماء دون تحقيق مكاسب كهذه، سيعني العمل على عودة جميع السوريين للعيش تحت حكم النظام السياسي القديم نفسه، وهو ما يجعل أصحاب نهجٍ سياسيٍ كهذا غير منحازين للثورة أصلاً.

أما مصلحة الدول الغربية فتتمثل في صعود أنظمة سياسية جديدة أكثر تصالحاً مع الأنظمة السياسية الغربية ورؤيتها لمستقبل العالم، وفي تحقيق استقرار في العراق والشام دون إلحاق ضرر بحلفاء الغرب في المنطقة، ومنهم دول الخليج العربي وإسرائيل، وفي إعادة ضبط الأوضاع بما يتوافق مع التوازن الدولي بين القوى العظمى. ليس للدول الغربية مصلحة في صعود أنظمة سياسية تصارع الغرب وتنافسه على مصالحه، وليس لديها أية مصلحة في وصول قوى غير قادرة على ضبط الأوضاع، وهو بالضبط حال قوى الثورة والمعارضة السورية التي تبدو عاجزة حتى عن عزل نفسها عن قوى السلفية الجهادية المعادية للغرب والنظام السياسي الدولي، والمعادية لكل أشكال الانتظام السياسي التي أنتجتها الحداثة، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية.

والحال هذه، فإن مطالبة الغرب بتدخل حاسم لصالح الثورة السورية اليوم تبدو كما لو أنها مطالبة للغرب بأن يتدخل خلافاً لمصالحه، وأقل ما يقال في مطالبة كهذه أنها تنمّ عن عدمية سياسية، وعن خلط بين ما هو كائن وما يفترض به أن يكون. إذ مما لا شك فيه أن الدفاع عن الإنسان وحقوقه يقتضي إزالة نظام الأسد وماكينته العسكرية والأمنية المرعبة، لكن هذا قد يصبّ في صالح السوريين وحدهم فقط، ولا يصبّ مطلقاً في صالح أي أحد آخر في ظل الظروف الراهنة. دعونا في هذا السياق نتخيل سيطرة قوات مشتركةٍ من ’جبهة النصرة‘ و’الجبهة الإسلامية‘ وكتائب ’الجيش الحر‘ على العاصمة دمشق اليوم: لا شك أن هذا من مصلحة الثوار السوريين وحاضنتهم الشعبية، لكنه ليس من مصلحة أي دولة في العالم بما فيها أكثر الدول عداءً لنظام الأسد، بل إنه ليس من مصلحة جميع السوريين حتى، وإنما قد يضادّ مصالح شرائح واسعة منهم، ولا أعني أنصار النظام فقط، بل عموم السوريين الذين لا تستقبلهم دولة واحدة في العالم (ربما باستثناء تركيا) بدون جوازات سفر صالحةٍ عليها أختام وزارة الخارجية السورية وإدارة الهجرة والجوازات.

سنوات طويلة

ستستمرّ الحرب على الإرهاب لسنوات طويلة كما يقول الناطقون باسم التحالف، وسيستمر تدريب قوات المعارضة السورية «المعتدلة» لسنوات أيضاً كما قال منسّق التحالف الدولي «جون آلن». ويرجع هذا في أبرز أسبابه إلى رغبة الغرب في استخدام الحرب على الإرهاب لإعادة ترتيب المنطقة، وإلى صراع المصالح الشرير الخالي من الأخلاق بين دول العالم، وإلى نفاق العالم وعدم حرصه على دماء السوريين ومستقبلهم، وكذلك إلى سوء الفهم العالمي –الذي يبدو متعمداً–لأسباب الصراع وعمقه، ولأسباب صعود قوى السلفية الجهادية في العراق والشام. إلا أنه يرجع فضلاً عن كل هذا، وربما قبله، إلى فشل قوى المعارضة والثورة السورية في السيطرة على الصراع، وفي إدارة المناطق المحرّرة، وفي تقديم خطاب سياسي واضح يضمن لدول الإقليم والعالم أن سقوط الأسد لن يلحق الضرر بمصالح أحد. دعوناً نتذكر هنا أيضاً أن ’الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة‘ فشل حتى في إدارة عمل فرق الدفاع المدني في حلب المنكوبة، وفشل في تنظيم حملات تلقيح أطفال ناجحة في ريف إدلب...

في ظروف كهذه يبدو الصيد في الماء العكر للعراق والشام نهج الجميع: نهج الغرب وحلفائه الذين تنتهي مواقفهم إلى القول: إما أن نتدخل بشروطنا ووفقاً لمصالحنا أو فلتذهبوا جميعاً إلى الجحيم؛ وأيضاً نهج نظام الأسد وحلفائه الذين يعملون على استغلال كل هذا لاستمرار هيمنتهم على أكبر قدر ممكن من النفوذ والسلطة والثروة؛ لكنه أيضاً نهج قوى الإسلام السياسي «السنّي» وفي مقدمتها قوى السلفية المقاتلة، التي تستغل كل هذا الصراع وتشويش الرؤية لتجذير خطابها، ولتأسيس خطاب ممانعة فارغ يؤمّن لها هيمنة طويلة الأمد على حياة جزء من السوريين والعراقيين ومصائرهم، وثرواتهم أيضاً؛ ذلك فضلاً عن قوى يسارية أو ذات منشأ يساري وجدت في ضربات التحالف الغربي مناسبة لإنعاش خطابها المعادي لإمبريالية ورأسمالية وعدوانية الغرب.

إنها سنوات الصيد في الماء العكر، السنوات التي ستكون حافلة بالصراعات والتحولات والدماء والآلام، والتي ينبغي فيها للقوى السياسية والعسكرية الثورية السورية، وللكتاب والصحفيين وقادة الرأي العام، أن يضعوا نصب أعينهم أولوية خلاص السوريين مما هم فيه من بؤس وتشرّد وإذلال. وهذا يكون من خلال المزيد من العمل الثقافي والسياسي على تفكيك بنى الطغيان والاستبداد، ومن خلال المواجهة الشجاعة والحازمة لكل خطاب يضع في رأس أولوياته شيئاً غير حقوق السوريين وحريتهم. كما يكون بالبحث في السياسة عن طريقة تتقاطع فيها بعض مصالح دول العالم «القوي» –إذا صحّت التسمية– مع بعض مصالح الثورة السورية، وفي مقدّمتها الخلاص بأسرع ما يمكن من نظام الأسد، ومن احتكاره التمثيل الدولي لجميع السوريين الذين لا يزالون بالنسبة للنظام العالمي رعايا للأسد، «مواطنين» في دولته المتهالكة.