الشيوعي وحيداً في برلين

ما الذي يعنيه أن تكون شيوعياً في سوريا؟ بعيداً عن كل الإرهاصات الشكلية المتعلقة بالشعر الأشعث والذقن المغبرة، بعيداً عن الوشاح الأحمر وموسيقى أبو علي لزياد الرحباني وكلاسيكيات الشيخ إمام... أعمق بقليل فقط تبدأ الأمور بالاتضاح أكثر، حوارات تتكرّر بشكل شبه يومي عن الديالكتيك والموقف من المسألة القومية، اقتباسات عبثية من ماركس ولينين إلى حدّ ما، من زياد الرحباني بشكل أكبر بكثير.

كل تلك المتلازمات أصبحت معروفة للجميع، وحتى انتقادها لا يُعفيك من كونك شيوعياً مستحدثاً، فحتى انتقاد تلك المتلازمات أصبح متلازمة جديدة لليسار الأكثر قِدَماً بقليل من لاحقيه. أما في أوساط الشيوعيين القدامى، ممن عاصروا الاتحاد السوفييتي، فالاقتباسات هنا أعمق بقليل، نتحدث هنا عن تواتر أعلى لمقولات ماركس ولينين، نتحدث عن تواجد ملحوظ لاقتباسات من الأدب الروسي، وفي مرحلة ما القليل من أدب أميركا اللاتينية.

في كل الحالات السابقة، يجد الشيوعي نفسه –وخصوصاً قبل الثورة– محاطاً بشيوعيين آخرين، هي الأحاديث نفسها يتبادلها جميعهم يومياً. يمكن القول إنه لم يكن ثمة جديد، تواجدك الدائم بين شيوعيين آخرين يُشعرك بنوع من الراحة النفسية، يمكنك هنا الحديث براحة عن ماركس ولينين دون الخوف من مواجهة الشمس الحارقة، أقصد هنا مجتمعاً بأكمله لم يسمع اسم ماركس من قبل. ولكن هذه العزلة الإجبارية التي يفرضها الشيوعي على نفسه تجعله حبيس مسلمات تصبح –وخصوصاً لدى من نشأ وترعرع كشيوعي– غير قابلة للجدل. يمكن للشيوعي في حالات ما أن يتّهم من يحاول المسّ بهذه المسلمات بأنه حاقد على الماركسية لأسباب مختلفة –طبقية، اجتماعية، أيديولوجية أو دينية- ولكن على أي حال لا يمكن أخذ تلك «المحاولات الإمبريالية» على محمل الجدّ. ولعل أهم تلك المسلمات تظهر لدى الحديث عن الاتحاد السوفييتي أو الجمهوريات الاشتراكية السابقة في شرق أوروبا. هناك حيث اعتقد كل شيوعي في بلادي أنها كانت جنة الفقراء على الأرض، وأي حديث عن فقر أو فساد ضمن حدودها لا يعدو عن كونه «أضاليل إمبريالية» بثّها رأس المال العالمي لتشويه التجربة.

من بيئة خصبة كهذه، وجدت نفسي أنا الشيوعي الحالم وحيداً دون رفاقي في برلين، مدينة كانت، منذ ربع قرن خلا، تجسّد خط التماس الأول في الصراع بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر «الرأسمالي الإمبريالي». هكذا ومرة واحدة أجد نفسي وحيداً دون ديالكتيكي ودون أقوال ماركس ولينين ومقاطع زياد الرحباني الصوتية، وحيداً أمام الحقيقة. أحلّ ضيفاً في جادة «بيرناور» على بعد أمتار قليلة من جدار برلين الشهير، أقطن في ما كان سابقاً برلين الشرقية. هنا حيث كانت جنة الفقراء والعمال، وحيث كانت سلطة الكادحين، أفتح النافذة لأُطلّ على برلين الغربية حيث الاستعمار والامبريالية والرأسمالية ووو... الخ.

برلين التي كانت، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى عام 1990، مقطّعة الأوصال بسور يفصل بين منازل الحيّ الواحد، كان قد تم تقاسم السلطة فيها حتى حينه بين الاتحاد السوفياتي من جهة، وتحالف «أميركا وبريطانيا وفرنسا» من جهة أخرى، بناء على اتفاقية «يالطا» الموقّعة في شباط 1945. كانت الأحوال هكذا لعشرات السنوات، حتى جاءت انتفاضة أهل برلين في 1989 عندما قاموا بتحطيم السور. ثم جاء اجتماع ممثّلي الدول الأربعة عام 1990 حين أعلن الجميع عن تخلّيهم عن مكتسباتهم السياسية في ألمانيا وبرلين.

في المرة الأخيرة التي خضت فيها نقاشاً حول الشيوعية (وهو نقاش لم أحصل على ترف الخوض فيه منذ بدء الثورة السورية التي احتلت كل النقاشات)، في تلك المرة الأخيرة كان تخلي الاتحاد السوفييتي عن مصالحه في ألمانيا يُعدُّ خيانة عظمى لعَرَق العمال، كان يمثّل مهادنة مع الإمبريالية يمكن اعتبارها هزيمة حقيقية. في حينها لو قال لي أحدهم أن العشرات من أهل برلين الشرقية قضَوا على يد قنّاصة سوفييتيين وهم في طريقهم للهرب نحو برلين الغربية، لقلت جازماً إنها محاولات الحاقدين لتشويه «أعظم تجربة إنسانية مرت على البشرية».

ولكن، وحيداً وبعيداً عن تلك العزلة الحمراء، أجد نفسي أقف أمام بقايا الجدار، بمهابة ما بعدها مهابة. هنا في جادة «بيرناور»، أشاهد عشرات الصور في الشوارع لعائلات تقفز من شرفات منازلها في محاولة حثيثة للهرب، أشاهد الطرقات المليئة بنقاط عَلَام وُضعت في أماكن انتهاء الأنفاق التي حفرها أشخاص من برلين الشرقية في محاولتهم للهرب نحو الغربية. صور أولئك الذين لَقُوا حتفهم، وهم يحاولون الهرب، تملأ الجدران، أما سور برلين فقد كان مكوّناً من جدارَين تفصل بينهما مساحة مزروعة بالألغام وأبراج المراقبة، المشهد يملؤه الإحساس بالرعب والقهر... حتى بعد ربع قرن على انهيار السور، لا يزال الإحساس بالقهر عارماً.

في المرة الأولى التي سمعت فيها قصصاً عن بعض الهاربين، وسمعت قصصاً عن تراث القهر والفقر والفساد في ما كان يعرف بـ«جمهورية ألمانيا الديمقراطية» الملقبة بـDDR، كان تساؤلي: كيف يمكن لأحدهم أن يهرب من الجنة؟ لقد عشت عمراً على قصص وحكايات جنّة العمال والفلاحين وكل الكادحين، عشت دهراً أسمع قصصاً عن رغد الحياة في منظومة الدول الاشتراكية، كل تلك الأساطير الجميلة كانت وهماً. في الواقع كان الناس يفرون هاربين من «النعيم وجنان المساواة» نحو «جحيم الرأسمالية» حيث الجشع والطمع، حيث كل شيء يباع ويشترى.

في الذكرى الرابعة والعشرين لإعادة توحيد ألمانيا، يصبح جلياً أن ما تم كسره، فضلاً عن الكتل الإسمنتية، كان جدار القهر والخوف، كان جداراً حاول الوقوف عكس مسار الطبيعة ليحجب نور الشمس. ولكن الحقيقة أن الناس كانت تفرُّ من «الجنة الحمراء» أفواجاً، وأن الصبح مُتمّ نوره ولو كره الكارهون.

[masterslider id="1"]