كيف يموت الله حقاً؟

يبدو السؤال اليوم أكثر إلحاحاً في عالمنا العربي مما هو عليه الحال في عوالم أخرى، ذلك أن الله أو ذكراه يُبديان حضوراً طاغياً في ثنايا هذي المقتلة التي نغوص فيها أكثر فأكثر، بلا قاع، أو شعور مطمئن بقاع أو بضفّة. ثمّة قتلٌ خارج الله أو ذكراه بطبيعة الحال، ولكن ليس في عالمنا المجبول تكويناً باللغة العربية... ربّما في عوالم أخرى مات الله في لغتها، وأضحى بالتالي كينونة تاريخية فحسب، بدأت وانتهت في الماضي. ذلك وإن حاول البعض الإيحاء بحضور إله مقتول في لغة هؤلاء الآخرين، مقتول كعلّة قطعية لمنظومة القيم التي تحكم نزوعهم إلى الحياة.

كذلك فلنضع الإسلام جانباً، ذلك أن نصّه الأفعل «القرآن» ومهما كان عليه حينها من جِدّة ومهما نُسِب إليه من أثر، فإنه قد أتى من اللغة العربية ولم تأتِ منه، وهي بالتالي خلّقته أو خلّقت وعيه كنصٍّ أفعل فيها، لكنّه لم يبارحها قط، كذلك لم يختزل حيّزها الأرحب في ذاته. المعضلة تكمن هناك في اللغة وليس في سواها، هناك في اللغة تخلَّق الله ونما حتى غدا الحقيقة إن كان من حقيقة، والعلّة إن كان من علّة، وعليه فموت الله كائنٌ قطعاً في اللغة التي يعي الناس من خلالها الحياة.

ما سبق ضروري بقدر ما هو حقيقي، وما سواه يعني أن المعضلة تكمن في الناس، وكذلك يعني أن هذه الاستباحة المتوالية هندسياً لحياة الناس ولحرية الناس ولكرامة الناس إنما تأتي من حقيقة الناس وليست فرضاً عليهم. كذلك إبقاء المعضلة حبيسة للنصّ ينفي الدينامية عن النصّ أو عن وعي النصّ إذ هما يخضعان للتواتر والإجماع المتأتيَين بطبيعة الحال من الناس. في النهاية، يكفي أن يتأمل المرء قليلاً في هذي النصوص التي نحتبس الناس فيها، في تأويلاتها، كيفية أو حيثية وعيها، كي يدرك المرء حينها أنها كيانات تاريخية هشة، ولا عمق لها خارج اللغة في حياة الناس، اللهم إلا إذا أصر المرء على أن يعي الناسَ ككائنات تاريخية لا فكاك لها عن الماضي، أو عما تأسس في اللغة على أنه الماضي، ولا قوة لها بالتالي على الانعتاق نحو صوغ معرفة جديدة تقتل الله في اللغة.

الناس هي الناس، هذه حقيقة الحياة المطلقة، ولعلّها تكون من الحقائق القليلة التي تُقبَل لذاتها بمعزلٍ عن المعرفة. لكن الحياة كانت منذ البدء محكومةً بالمعرفة، باللغة كفضاءٍ معرفيٍ أرحب يوازي حياة الناس وما يتفتق عنها من حاجات. والسؤال هنا ما هي الحقيقة في اللغة؟ الناس أم الله؟ حسناً يبدو أنّ الله لا يزال هو الحقيقة في لغتنا، في معرفتنا، في هذا العالم العارف الذي نعي فيه الحياة، وعليه ينبغي أن نقتل الله في اللغة، كي لا يعود هو الحقيقة. وأن نؤسس لحقيقة جديدة تُعتق الناس من النص، من المعنى القديم، وتحيل المعرفة وواقعها الأرحب الكائن هناك في اللغة إلى عالم نجد فيه الحلول، لا عالم نصطنع فيه المآسي.

ولكن كيف يموت الله حقاً؟ أو لعلّ السؤال بالأحرى كيف تموت سردية الله؟ ذلك أن السرديات المقابلة التي طرحتها النُخب العربية على مهمّشيها لم تكن يوماً لتبحر بالمعرفة إلى ذلك العالم المرتجى حيث نجد الحلول ولا نصطنع المآسي. ربّما لأنّ المسألة لم تكن يوماً «ما هي الحقيقة»، فهذا خطأ المعرفة الأصيل إذ هي تبحر صوب الحقيقة مبتعدةً عن الحياة. المسألة كانت كيف نلبي الحاجة دون أن نسوِّغ الطغيان، القتل، أو حتى الإساءة؟ وبهذا المعنى تغدو الحقائق جمعاء: الوطن، الجماعة وحتى الله كياناتٍ واهية أمام الحياة وما يتمخض عنها من حاجات، كيف نعيش؟ كيف نأكل؟ كيف نزدهر؟ كيف نُفسح الأفق للناس كي تصنع الحياة؟

قبل العقائد القاتلة، كانت ثمّة الحقائق القاتلة، وقبلها كانت اللغة في بحثها المحموم عن الحقيقة أو عن حقيقة يعي الناس من خلالها الحياة. كنّا بهذا المعنى مستَلَبين باللغة، بالمعرفة، بحقائق تصنع أخلاقها وتصبغ عليها سمة الأصالة والحتمية. هنا كانت المعضلة قبل الحداثة في عالمنا العربي، كانت الحقيقة حينها هي الله، وهناك بقيت المعضلة في حمأة الحداثة إذ لم يبارح جلّ نُخبها ذلك البحث المحموم عن حقائق أخرى كالوطن، الجماعة أو حتى الطبقة. في هذي الأثناء، تابعت الحياة اختناقها تحت هذا الفيض من الحقائق والعوز في الحلول. ولأنّ النُخب العربية كانت تبحث عن حقائق، فقد كان السرديات التي اجترحتها مثل سردية الله، منفصمةً عن حياة الناس، عن تعبهم، وعن توقهم إلى الحياة. وكانت لذلك محكومة بالموت أمام سردية الله الأقدم والأكثر تجذراً في اللغة، في المعرفة، في الطريقة التي اعتدنا أن نعي من خلالها الحياة... ماتت هي وبقي الله، ومن ثم ابتلعها الله إذ غدا سرديةً حداثية بامتياز، قديمةً جديدة، لا منجاة لليقين دونها... لا حلول أيضاً في هذي الأثناء، طغيانٌ، قتلٌ وإساءة... لا شيء آخر.

ولعلّ المأساة التي لا فكاك منها تكمن في ديمومة اللغة، إنتاجها للنُخب وإنتاجهم لها، في حلقة عبثية تبدو عصيّة على الخرق رغم هذا الفيض الغامر من الدماء. يتأمل المرء حيناً هذا الخراب، ينفصم عن المعنى، إذ أنه لا معنىً في النهاية لأيما شيءٍ كما أنه لا حقيقة أيضاً ... ما هذا؟ ماذا يحدث هنا؟ لماذا تنغلق المعرفة على الحياة على هذا النحو الفج؟ شيءٌ واحدٌ مؤكد على أي حال: طالما أن ثمّة حقيقةً في اللغة، فالحقيقة هي الله. ربّما حان الوقت كي نعود إلى الحياة؛ أن تُعاش الحياة كما هي بلا معنىً خارج الحاجة؛ وأن تعود اللغة أداةً بلا معنىً لتوصيف الحاجة... هل هذا ممكن؟ حسناً... كل شيءٍ ممكن إلا أن نقبل هذا الذي يجري على أنه الحياة.