الصراع على الطاقة

في 16\10\1973 أعلنت منظمة أوبك 1 رفع أسعار النفط لنسبة تصل إلى 17%، في ما اعتُبر إحدى أهم الخطوات العربية في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي، وذلك بعد 10 أيام من بدء الهجوم المفاجئ الذي شنّته قوات الجيش المصري والسوري على إسرائيل فيما يعرف بحرب تشرين أو حرب أكتوبر. تلا ذلك، في 19\10 أن طلب رئيس الولايات المتحدة ريتشارد نيكسون من الكونغرس تقديم مساعدة عاجلة بقيمة 2.2$ مليون لإسرائيل (بدون افتراض ذلك كردّ فعل على قرار رفع الأسعار من قبل أوبك) والتي كانت تخوض حرباً ضد دول عربية إحداها على الأقل يدعمها الاتحاد السوفيتي. وكان طلب نيكسون هذا هو المبرّر الذي جعل كلاً من ليبيا والسعودية ودول أخرى مصدّرة للبترول في اليوم التالي تقوم بإصدار قرار ينصّ على فرض قيود على تصدير النفط لبعض الدول وحظر كامل لتصدير النفط للولايات المتحدة الأميركية باعتبارها «دولة معادية». وسرعان ما تمدّد هذا الحظر لعدّة دول أخرى. كان لحظر النفط هذا صداه الاقتصادي القوي، بدءاً من تسريع وتيرة البحث عن مخرج للحرب الدائرة من قبل الدول الصناعية الكبرى والولايات المتحدة، دون الظهور بموقف أقل مساندةً لإسرائيل وأكثر خضوعاً لما بدا ابتزازاً من دول لطالما كانت خاضعة لهيمنة القوى الصناعية، وصولاً إلى التسبّب في ما يُعرف بـ«أزمة النفط» في الـ70ـات والتي أثرت بقوّة في اقتصاديات الدول الكبرى ذوات الطلب المتزايد على النفط. زاد سعر النفط أربعة أضعاف خلال هذه الأزمة، وارتفع سعر البرميل من 3$ إلى 12$، وفي الولايات المتحدة، إحدى أكبر الدول المتضرّرة تضاعف سعر لتر البنزين في الأسابيع الأولى مرة ونصفاً، من 38.5₵ إلى 55.2₵ (سنت)، وتراكمت السيارات والدراجات بالمئات عند محطات البنزين. خسرت الأسواق المالية الأوروبية والأميركية مئات المليارات وتعطلت حركة الانتاج الصناعي ووصلت معدلات التضخم والبطالة لمستويات مرتفعة، وظهر سخط عام على ارتفاع أسعار المواد الغذائية في دول مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة. في بريطانيا مثلاً قامت النقابات بالمطالبة برفع الأجور لمواكبة ارتفاع الأسعار، مما أدى لكثير من الاحتجاجات والإضرابات، ومما أدى في نهاية المطاف لسقوط حزب المحافظين في الانتخابات العامة سنة 1974 2.

الذهب الأسود كان عامل واسع التأثير أيضاً على حرب الخليج 1990، إن لم يكن السبب الرئيسي. بعد عامين من نهاية الحرب العراقية-الإيرانية، والتي امتدت 8 سنوات بدءاً من 1980، والتي أنهكت اقتصاد العراق وأغرقته بالديون وألحقت الضرر بجزء كبير من بنيته التحتية، اتهم الزعيم العراقي صدّام حسين دولة الكويت بالتنقيب في الجزء العراقي من نفط حقل الرملة المشترك بين البلدين 3، وكان قد اتهم كلاً من الإمارات والكويت بالتقصّد في خفض أسعار النفط وذلك برفع سقف الإنتاج من قبل منظمة أوبك مما أدى لهبوط سعر البرميل من 18$ (وهو السعر الذي يطالب العراق بالحفاظ عليه) إلى 10$. قدّم صدّام اعتراضاته فيما يخصّ حقل الرملة والديون العراقية وأسعار النفط، واتهم حكام الخليج بتنفيذ توصيات أميركية، وهدّد بتنفيذ عمل عسكري مباشر، مما أدى لنشر الولايات المتحدة قوات بحرية وجوية لها في الخليج العربي. وعلى الرغم من المفاوضات التي جرت في جدّة أواخر تموز 1990 بين العراق من جهة والكويت والسعودية من جهة أخرى فيما يخصّ الديون على العراق، ورغم تقديم مبالغ تصل لـ18$ مليار من قبل الأخيرتين، اجتاح المغامِر صدّام حسين الكويت في 2\8\1990 مسيطراً على الكويت ومهدّداً منطقة الخليج وحقول نفطها... لتأتي لاحقاً قرارات مجلس الأمن القاضية بلزوم انسحاب العراق من أرض الكويت، وليتشكل أحد أكبر التحالفات العسكرية في التاريخ الحديث بقيادة وغَلَبَة أميركية منطلقة من أراضي السعوديّة، وهي الحرب التي لم تبدأ حتى مطلع 1991 وأسفرت عن تحرير الكويت وزيادة عُزلة ومشكلات العراق لسنوات طويلة.

هذه بضعة لقطات تاريخية تدخّل فيها سوق النفط ليكون فاعلاً رئيسياً بل وحاسماً في السياسات المحلية والدولية للدول المَعنيّة.

في السابق، كانت المصالح الأميركية والخليجية أكثر تلازماً، فالمملكة السعودية أكبر مصدّر للنفط في العالم وأحد أكبر الفاعلين في المنطقة، والولايات المتحدة أكبر مستورد لعنصر الطاقة الهام جداً في الصناعة ووسائل المواصلات والكهرباء، وهي أكبر الفاعلين في المنطقة أيضاً. وعدا الأزمة التي حدثت في عهد الملك فيصل عام 1973 إثر قطع النفط عن الأسواق العالمية احتجاجاً على الدعم الغربي لإسرائيل خلال حرب تشرين\أكتوبر، شكّلت السعودية وأميركا حلفاً في معظم الفترات (ضد الجمهورية المصرية والناصرية، مثلاً، أو ضد الاتحاد السوڤييتي والشيوعية...). وحتى وقت قريب، قبل صعود الصين إلى المرتبة الأولى 4 بقيت الولايات المتحدة من أكبر مستوردي النفط السعودي. ونشأ عن هذه العلاقة الكثير من التقاربات في وجهات النظر السياسية والاقتصادية، وإن بدت على شكل تبعية سياسية من دول الخليج للقوة العظمى. واستفادت الولايات المتحدة من جوانب أخرى لهذه العلاقة، كالبيع المهول للأسلحة وكالمشاريع الهندسية العملاقة التي نفّذتها الشركات الأميركية في منذ الثمانينات والتسعينات في المدن السعودية الناشئة؛ وعلى الجانب الآخر، استفادت المملكة من هذه العلاقة بزيادة الاستقرار الاقتصادي والسياسي في أراضيها، وهو ما كانت الطفرة النفطية منذ البداية أهم أسبابه.

الكثير من ذلك تغيّر في السنوات الأخيرة. بفضل التقدم التكنولوجي في الولايات المتحدة، حيث منذ أزمة السبعينات بدأ العمل والبحث لتحقيق استقلال الطاقة، شرعت أميركا بإنتاج النفط الصخري المكتشف بوفرة 5. ثم بوصول الرئيس باراك أوباما للبيت الأبيض عن ’الحزب الديمقراطي‘، المهتم جداً بتقوية الاقتصاد الأميركي المتهالِك على يد سلفه، والذي قدّم تعهّداً واضحاً للناخبين بأنه يسعى لأن تصبح الولايات المتحدة أكبر مصدّر للطاقة في العالم، وبأن ذلك سيُتيح لأميركا حرية أكبر في التعامل مع قضايا العالم وخاصة منطقة الشرق الأوسط (أطلق على تطوير قطاع الطاقة استراتيجية أولوية الأولويات، all-of-the-above strategy)، ارتفع إنتاج النفط المحلي الأميركي عاماً بعد عام، مقلّصاً بطبيعة الحال حجم مشتريات أميركا من أوبك والتي تملك المملكة السعودية نصيب الأسد فيها، ومهدّداً العصب الرئيس لاقتصاد دول الخليج وحصص هذه الدول في سوق النفط العالمي. وبالفعل زاد اعتماد الأميركيين على إنتاجهم النفطي المحلي وزاد اعتمادهم على الجارة كندا، مما زاد من حرية الدولة العظمى في اتخاذ مساراتها السياسية في المنطقة دون الحاجة للأخذ بعين الإعتبار توجهات الحلفاء بالجدية المطلوبة من قبلهم. كان هذا جليّاً منذ بداية صعود أوباما وانفتاحه على إيران وبحثه عن حلول للمشكلات العالقة، وقابل ذلك عدم جدية الولايات المتحدة ولعدّة مرّات في التقارب مع وجهة النظر الخليجية (سواء السعودية أو القطرية) فيما يخص قضايا هامّة متل «الثورة السورية» أو «الاستقرار المصري» أو «الأفعى الإيرانية»، وأثار ذلك حفيظة الحلفاء الخليجيين بشكل ظاهر عدة مرات خصوصاً مع السعودية. وكانت ذروة ظهور تلك الحفيظة وذاك الخلل في العلاقات الأميركية-السعودية تخلّي الولايات المتحدة عن توجيه ضربة عسكرية ضد نظام الأسد بعد حماسة سعودية جليّة، ثم تخلّي السعودية عن مقعدها في مجلس الأمن وبعثها رسالة عن طريق الأمير بندر بن سلطان (أحد أعضاء الأسرة الحاكمة وسفير سابق في واشنطن ورئيس ’مجلس الأمن الوطني السعودي‘ حالياً) إلى الأوربيين عن احتمال تغيّر كبير في العلاقات الخليجية-الأميركية. كان ذلك التوتّر أحد أهم الأسباب التي دفعت السعودية لفرض كل ثِقَلها لتمكين وزير الدفاع المصري السابق عبد الفتاح السيسي من استلام الحكم وسحق ’الإخوان المسلمين‘ في مصر بهدف التمكن من امتلاك بطاقة قوّة جديدة في المنطقة، وقد كان واضحاً قلة التقبّل الأميركي للانقلاب الذي حدث في مصر.

وفرة الإنتاج النفطي الأميركي عبر السنوات الأخيرة، وتحسّن الإنتاج النفطي مؤخراً لبعض البلدان مثل ليبيا والعراق، ساهما في انخفاض الأسعار وتهديد حصص السوق. ذلك الانخفاض كان محور اجتماع منظمة أوبك أواخر شهر تشرين الثاني الماضي، والذي اختُتم بقرار المنظمة عدم المساهمة في رفع أسعار النفط والإبقاء على سقف الإنتاج ذاته، ولو كان الطلب أقل من الإنتاج العالمي، ولو كان ذلك على حساب بعض أعضاء المنظمة نفسها 6، وبدا كل ذلك بضغط خليجي واضح. ولكن لماذا؟

لا يحتاج الأمر الكثير من التفكير. يمكن تحديد عدّة أهداف يتداخل فيها السياسي والاقتصادي: أول الأهداف يتمثل بالحفاظ على سقف الإنتاج وبالتالي خفض الأسعار، فانخفاض الأسعار هذا لا يهدّد اقتصادات الدول الخليجية بشكل كبير إذا ما قِيسَ باقتصادات دول أخرى مثل إيران أو روسيا، خصوصاً مع وجود فوائض واحتياطات نقدية كبيرة تمتلكها دول الخليج تقاوم فيها انخفاض الأسعار، ولكنها تبحث عن مكاسب أكبر في السياسة والاقتصاد على المدى المتوسط تجاه الولايات المتحدة من جهة وتجاه روسيا وإيران من جهة ثانية. فبالنسبة للولايات المتحدة يمكن الضغط على شركات النفط الصخري، إذا تقارب تكلفة إنتاج برميل النفط الصخري ثلاثة أضعاف تكلفة النفط التقليدي، ويجب أن يكون سعر النفط عند مستوى يقارب 100$ ليحقق برميل النفط الصخري أرباحه المرجوّة، وإلّا اتجهت شركات النفط الأميركية نحو الإفلاس لعدم قدرتها على منافسة النفط التقليدي، كما أنّ خسارة هذه الشركات يعني ضمان حصص السوق العالمية لمنتجي النفط التلقيدي مثل الصين 7. يمثّل هذا الاتجاه من أوبك أيضاً المزيد من الضغط الاقتصادي على عواصم نفطية، كطهران التي يرتكز اقتصادها المتآكل والمنهَك على النفط، ما سيضرب بتأثيره أيضاً على قضايا المحادثات النووية والنفوذ الإيراني الكبير في سوريا وفي اليمن، كذلك على موسكو التي اعتمدت موازنتها لعام 2015 على اعتبار سعر برميل النفط 100$ 8، لكن انخفاضات النفط هذه ستجبر موسكو على السحب من احتياطاتها وعلى تعريض عملتها (الروبل) لتهاويْ غير مسبوق، هذا بالإضافة للعقوبات الدولية التي فرضها الغرب على الروس فيما يخصّ قطاع الطاقة والأزمة الأوكرانية. كل هذا قد ينجح، كما يأمل سياسيّو الخليج، في المساهمة في إعادة ربط سياسات الولايات المتحدة لتكون أكثر توازناً مع مصالحهم الاستراتيجية، وفي الدفع نحو المزيد من الضغط السياسي والاقتصادي على الإيرانيين والروس.

كل ما سبق من معطيات يؤكد على تغيّر جديد في الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، تغيّر قد يكون جذرياً على كافة الأصعدة. ولا يبدو واضحاً أي الرهانات سينجح ويطوّع الرهانات الأخرى.

الرهان على المدى القصير والمتوسط قد يكسبه من لديه مصدر الطاقة الأقل كلفةً والاحتياطات النقدية الهائلة، ومن لا يعتريه قلق من أحزاب وتيارات محلية منافسة تضغط عليه عند أية عثرة... لكن ماذا عن المدى البعيد؟! هنا قد يكسب الرهان من يبحث عن مصادر طاقة بديلة ويسعى للتنمية الاقتصادية والصناعية المستدامة بالإضافة للتكنولوجيا المتطورة لخفض تكاليف انتاج الطاقة. ما الذي سيفعله عندئذ صاحب الذهب إن لم تعد للذهب القيمة ذاتها؟ ما مدى تأثير الصراع على الطاقة على المنطقة وعلى سوريا بشكل مخصوص؟ وما تأثيره على العلاقة بين إيران والغرب؟ وبين روسيا والغرب؟! وبين الدول ذات مصادر الدخل المتعدّدة والدول ذات مصدر الدخل الرئيسي أو الوحيد؟!!

لكن المؤكد أنّ من كان يُغفل أهمية النفط وأثره الاقتصادي والسياسي في الصراعات الدائرة، الصراعات التي من شأنها تأزيم الوضع السوري لأكثر من 3 سنوات، عليه ألا يفعل ذلك بعد الآن.

  • 1. OPEC أوبك (Organization of the Petroleum Exporting Countries) أي ’منظمة الدول المصدرة للبترول‘ تملك 60% من احتياطات النفط العالمي، أعضاءها الحاليون: السعودية وقطر والإمارات والكويت وليبيا وإيران والعراق والجزائر وفنزويلا وأنغولا ونيجيريا والإكوادور
  • 2. للنظر في تأثير حظر النفط على الممكلة المتحدة، يمكن العودة إلى تيري مكالستر، «الجذور: ما الذي سبّب صدمة أسعار النفط في السبعينات؟»، الغارديان، 3\3\2011.
  • 3. تعود بدايات الأزمة إلى شعور صدّام بأنه مدين للعرب عموماً ولدول الخليج خصوصاً، إضافة إلى المشكلة العالقة بين دولتَي العراق والكويت فيما يتعلق ترسيم الحدود
  • 4. «الصين أكبر مستورد للنفط في العالم» بمعدّل 1.1 مليون برميل يومياً حسب جريدة الرياض. فهد محمد بن جمعة، 28\8\2013.
  • 5. النفط الصخري، أو Shale Oil أو النفط غير التقليدي، يتم استخراجه من صخور تحوي الكيروجين ثم ضمن ظروف حرارية مناسبة يتم تحويله إلى سائل زيتي أو غاز. يعتبر بديلاً صناعياً عن النفط الخام التقليدي المستخرج من باطن الأرض.
  • 6. لا تمتلك كل دول منظمة أوبك الأهداف السياسية والاقتصادية ذاتها لأصحاب الحصص الكبيرة من دول الخليج، كما أنها لا تمتلك احتياطيات نقدية كبيرة تحميها من انخفاض طويل في الأسعار.
  • 7. يمكن العودة لـ تيري مكالستر أيضاً: «انخفاض سعر النفض يعني المزيد من القلق لأوبك حيث تتقاوى الولايات المتحدة»، الغارديان، 19\10\2014.
  • 8. أشرف رشيد، «روسيا في مواجهة انخفاض أسعار النفط»، الجزيرة.نت، 12\12\2014.