حقائق التقسيم.. وأساطيره

تحتل فكرة التقسيم ومقاومته موقعاً مركزياً في سردية الدولة الوطنية السورية، إذ تقول أبرز حكايات تأسيس الجمهورية السورية أن سلطات الانتداب الفرنسي كانت تنوي تقسيمها إلى «دويلات»، وأن السوريين جميعاً قاوموا ذلك بشراسة أفضت إلى خضوع الانتداب الفرنسي لمطالبهم بالحفاظ على الدولة المركزية. وجاءت أحداث هذه الحكاية في سياق تقسيم الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى للشام والعراق إلى خمس دول، وعملهم على زرع كيان يهودي على جزء من أرض فلسطين، وهو ما أكسب بطولات السوريين في مواجهة محاولات تقسيم بلدهم مصداقية تاريخيةً، وبعداً أخلاقياً أيضاً.

هكذا تفضي أسطورة تأسيس الوطن السوري إلى القول بأن وجوده على هذه الشاكلة هو نتاج الإرادة المشتركة لأبنائه، الذين اختاروا أن يحملوا جميعاً الجنسية نفسها من القامشلي في أقصى شماله الشرقي إلى شواطئ طبريا في أقصى جنوبه الغربي، واختاروا أن يخضعوا لسلطة مركزية مقرها دمشق، وهم بذلك انتصروا على فرنسا مرتين، مرة بانتزاع الاستقلال، ومرة بانتزاع الوحدة الوطنية.

عن الأساطير والحقائق في قيام الدول:

تلعب الأساطير دوراً مركزياً في تشكيل الأمم والدول الوطنية، وليس مهماً في الحقيقة مدى مطابقتها للواقع بقدر ما هو مهم أن تساهم في الحشد والتأييد لتأسيس السلطة الوطنية، وأن تكون مدعمَّةً بسلوكٍ يفضي إلى تحويلها حقيقةً ماثلةً في وعي عموم السكان، وإلى تموضعها في خطاب عام يخضع له الجميع بما في ذلك أولئك الذين يعتقدون أن تفاصيل الأسطورة محض أكاذيب. وقد لعبت أساطير كثيرةٌ في مراحل معينةٍ دوراً مركزياً في تأسيس دولٍ وصياغة دساتير وتثبيت سلطات، وينطبق هذا على الأساطير المؤسسة لإمبراطوريات وممالك ما قبل الحداثة، كما ينطبق على الأساطير المؤسسة لدول الحداثة الوطنية.

على أن الإصرار على استخدام مصطلح الأٍسطورة هنا، لا يعني الجزم بأن هذه الحكايات مختلقةٌ تماماً، لكنه يعني أن المهم في هذه الحكايات هو الدور الذي تلعبه في تاريخ الشعوب، ويعني أن البحث في مدى مطابقتها للواقع يبدو قليل الأهمية في مراحل صعود مشروع الدولة، لأن الأهم هو أثرها في تكوين الوجدان الجماعي لأبناء الأمة، وجدواها في إخضاع أبناء هذه الأمة للسلطة التي ستسوقهم إلى البناء والعمران والحروب، وربما الفناء أيضاً.

إلا أنه لا بد من الإشارة إلى أن البحث في مدى مطابقة الأسطورة للواقع يغدو أكثر أهمية ومشروعية، وربما يكون بحثاً حتمياً في مراحل التحولات الكبرى التي تتعرض لها الجماعات البشرية جراء الحروب والصراعات الداخلية والخارجية، خاصة تلك التحولات التي تمهد للانتقال من شكل انتظام سياسي ما، إلى شكل انتظام سياسي غيره.

لعل أسطورة كفاح أبناء الولايات المتحدة الأميركية ضد العبودية، ودفاعهم المستميت عن الحرية المطلقة تحت قيادة أبراهام لينكولن تكون مثالاً جيداً على هذا، إذ ليس مهماً مدى التطابق بين الخطاب السائد حول الحرب الأهلية الأمريكية والوقائع التي حدثت فعلاً أثناءها، بل المهم أنه تم التأسيس على حكاية الكفاح تلك، لقيام الولايات المتحدة الأميركية بدستورها ونظامها الذي نعرفه.

وأبعد من ذلك في أعماق التاريخ، يتحدث ميشيل فوكو في واحدة من محاضراته في كتاب «يجب الدفاع عن المجتمع» عن قصة ذاعت في فرنسا في العصر الوسيط، مفادها أن الفرنجة الذين ينحدر منهم الفرنسيون كانوا طرواديين في الأصل، وأنهم «غادروا طروادة وقت حريق المدينة ولجأوا إلى ضفاف نهر الدانوب، ثم إلى ألمانيا على ضفاف نهر الراين، وأسسوا أخيراً وطنهم في فرنسا». ويشرح فوكو في محاضرته تلك أن هذه الحكاية ظلت ذائعة في فرنسا خلال عصور النهضة، ويرجح أنه كان لهذه الأسطورة دورٌ في نشوء الأمة الفرنسية، إذ كانت تعني أن الفرنجة هربوا من طروادة مثل الرومان، و«أنه في اليوم الذي ضاعت فيه الإمبراطورية الرومانية فإن الأخوة الآخرين هم الورثة وفق الحق الطبيعي وحق الإخوة. ومن حق فرنسا، وفقاً للقانون الطبيعي المعترف به من قبل الجميع أن تخلف الإمبراطورية».

على أن الأساطير ينبغي أن تكون متماسكة من جهة، ومفيدةً من جهة أخرى، إذ لا يمكن للأسطورة أن تنجح بالمساهمة في تأسيس الدولة ما لم تكن متماسكة البنيان ومنتجةً في الواقع الراهن. كما أنها يمكن أن تفقد قيمتها  بالتدريج مع انكشافها أمام عموم السكان، هذا الانكشاف الذي قد يحدث جراء فشل النخبة السياسية في تنفيذ المشروع الذي تخدمه الأسطورة، أو جراء تجاوز الواقع للمشروع نفسه، وانتصار حاجات البشر على حرارة الأساطير ومصداقيتها.

في تهافت أسطورة «رفض التقسيم» السورية:

تتهاوى الوطنية السورية اليوم على إيقاع المعارك الضارية التي تعم البلاد، ومنذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة في سوريا كان هاجس التقسيم حاضراً في رؤوس الجميع، ولعل من بين أسباب ذلك الثغرات الخطيرة في بنيان أسطورة رفض التقسيم السورية.

في الوقت الذي لا تكف فيه أدبيات الوطن السوري عن تذكيرنا بأن الاستعمار نجح في تقسيم العراق والشام إلى خمس دول خلافاً لإرادة السكان، فإنه ليس ثمة إجابة واضحة عن سؤال «كيف فشل الاستعمار في تمرير مشروعه داخل سوريا، ونجح في عموم العراق والشام؟». وأعني بالإجابة هنا، العناصر التي تميز سوريا بحدودها التي نعرفها اليوم عن الدول المحيطة بها، وتجعل من وحدة أراضيها واستقلال هذه اللأراضي عما يحيط بها مسألةً وطنية مكتملةً يجب الدفاع عنها.

تتجاهل الأسطورة أيضاً حقيقة أن الانتداب الفرنسي لم يطرح تقسيم سوريا إلى دولٍ مستقلةٍ على أساس طائفي، بل طرح في الحقيقة فدرلتها على أسس متعددة طائفية ومناطقية. وتتجاهل شرح الأسباب «الوطنية» لرفض النخبة السياسية لمشروع الفدرلة آن ذاك، وتكتفي برفع شعارات عن أن الفدرلة شر مطلق يؤدي إلى التفتيت، وهنا تتهافت الأسطورة أكثر وتبدو عاجزة عن وضع أسس راسخة للوحدة الوطنية السورية بتجاوزها لحدود الدولة الوطنية، فالتفتيت المرفوض إياه ليس تفتياً للوطن السوري، بل هو إمعان في تفتيت الأمة العربية، لتتحول أسطورة مقاومة التقسيم إلى جزء من أسطورة أعم وأشمل ذات صلة بالحلم القومي العربي.

ثم من هم الذين قاوموا هذا التفتيت؟ وأين خاضوا جولات صراعهم مع سلطات الانتداب؟ تجيب كتب التاريخ بنتف غير متماسكة عن تظاهرات مناهضة للتقسيم والفدرلة في حلب ودمشق، وعن إصرار الشيخ صالح العلي وسلطان باشا الأطرش على بقاء الدروز والعلويين تحت حكم السلطة المركزية في دمشق. أيضاً تعتبر الأسطورة أن جميع الذين دافعوا عن الفدرلة كانوا عملاء للانتداب وخونة لسوريا (التي لم تكن موجودة أصلاً حتى تتم خيانتها)، ويتم إغماض العين عن محطات مهمة أبرزها الرسائل التي وجهها العشرات من وجهاء ومثقفي الساحل السوري إلى المندوب السامي الفرنسي في ثلاثينيات القرن الماضي، وكان بعضهم يطالبه بدعم تأسيس حكم ذاتي في جبال العلويين والساحل السوري، في حين طالبه آخرون بإبقاء الساحل السوري خاضعاً لحكم الدولة المركزية. كذلك تخلو جميع تلك الأدبيات من أي دليل على كفاح كردي من أجل الوحدة والخضوع للدولة المركزية في دمشق، بل إن وقائع التاريخ تقول العكس، فالأكراد حاولوا كثيراً انتزاع حكم ذاتي، وهو الأمر الذي تمت مواجهته برفض مطلق من قبل سلطات الدول المنتدبة على العراق والشام.

ترمي أسطورة الوحدة الوطنية السورية كل ذلك خلفها، ويمضي المدافعون عنها في طريقهم واثقين من أن وحدة سوريا بالحدود التي نعرفها اليوم هي وليدة إرادة أبنائها وتضحياتهم. على أن هذا ليس في حد ذاته هو المشكلة، فالأساطير المؤسسة للدول هي محض أساطير، والجماعات البشرية كلها ليست إلا جماعات متخيلة، لأن البشر في النهاية هم البشر .. فحسب.

المشكلة في حقيقة الأمر أن الأدبيات السياسية السورية الرافضة لجميع أشكال التقسيم بما فيها طرح الدولة الإتحادية، لم تكن مدعمةً بسياساتٍ توحد السوريين وتمنحهم جميعاً بصرف النظر عن منابتهم وعقائدهم الحقوقَ والواجبات نفسها. كما أنه لم يتم الدفاع عن خيار الدولة الوطنية السورية من خلال طروحات تشرح كيف أن هذه الوحدة يمكن أن تجعل من حياة السوريين أفضل وأكثر استقراراً وقابلية للنمو والتقدم. بل كان الدفاع في الغالب ينطلق من افتراض أن التقسيم يصب في صالح الدول الغربية وإسرائيل، بحيث ينبغي علينا أن نعيش في ظل دولة مركزية عاصمتها دمشق، فقط لأننا نعتقد أن هذا يأتي بالضد مع مصالح الدول الغربية.

يتهم كثير من حراس الوحدة الوطنية السورية أي شخص يطرح التقسيم أو الفدرلة كحل لمآساة السوريين بأنه عميل للغرب، أو في أحسن أحواله خادم للغرب من حيث لا يعلم. وهم في الغالب أنفسهم الحراس الذين يلقون باللائمة على اتفاق سايكس–بيكو عند أي مصيبة تحل بالأوطان التي أنشأها هذا الاتفاق. يبدو الأمر مثيراً للشفقة حقاً، فأعداء اتفاق سايكس-بيكو هم الذين لا يدعون مناسبة تمر بدون تخوين كل شخص يطرح فكرة تغيير الحدود السياسية التي أرساها هذا الاتفاق. أما عن تبريرهم لهذا الرفض المطلق لفكرة التقسيم أو الفدرلة، فهو ينتهي دائماً إلى القول بأنهم لا يريدون المزيد من التفتيت، وهو ما يعني أن الوطن السوري ليس بالنسبة لهم سوى حصيلة عملية تفتيت مرفوضة وشريرة، فعن أية وطنية سورية يمكن لهم أن يدافعوا إذاً؟

لا شك أن ثمة من يدافع عن وحدة التراب السوري لأسباب وطنية ذات صلة بالمكاسب التاريخية والحضارية التي تقدمها سوريا كما نعرفها اليوم، ولا شك أن ثمة من يقدم خطاباً وطنياً ينزع إلى بناء دولةٍ سوريةٍ وطنيةٍ حقيقيةٍ يتساوى أبناؤها في الحقوق والواجبات، إلا أنه يحق لنا أن نقول اليوم أن هذا الخطاب قد فشل نهائياً - أو يكاد – لأسباب شتى أبرزها أنه تمت «خيانته» مراراً وتكراراً من قبل السلطات «الوطنية» التي تعاقبت على حكم سوريا وآخرها سلطة الأسد الإبن التي تمعن في تحطيم كل شيء لصالح الطغمة الحاكمة، وكذلك تمت خيانته من قبل أغلب التيارات السياسية التي تنازعت الحياة السياسية للسوريين طيلة سبعة عقود.

تبدو أسطورة «رفض التقسيم» السورية متهافتة إذ يعوزها الدليل القاطع على مطابقتها لمجريات الأحداث إبان الانتداب الفرنسي، لكن الأهم أنها تبدو متهافتة لأنه يعوزها الدليل الواقعي على الفائدة والجدوى، ولأنه لم تعمل أية سلطة وطنية سورية منذ الاستقلال على تجذيرها والدفاع عنها وتحويلها واقعاً معاشاً يحصد السوريون ثماره في البناء والعمران، والحروب الرابحة. وتبدو أكثر ضعفاً وهشاشةً اليوم فيما ينهار كل شيء في البلاد، وفيما تقدم الدولة الوطنية السورية لأبنائها عطاياها من موت ودمار ولجوء وغرق في أعالي البحار.

عن الذين يريدون التقسيم والذين لا يريدونه:

يرتبط الرفض المطلق للتقسيم أو الفدرلة في سوريا دائماً بفرضية مفادها أنه هدف تسعى إليه الدول الغربية ضماناً لمصالحها، لأنه سيخلق دويلات طائفية بائسة وضعيفة تضمن سيطرة مطلقة للغرب على ثروات المنطقة وخاصة النفط، ولأنه يحقق المصلحة العليا لإسرائيل ويضمن أمنها ومستقبلها.

المذهل أن هذا الخطاب يصدر عن أنصار النظام السوري وعن الثائرين عليه على نحو متطابق تماماً، ولا تفترق الروايتان إلا عند الوصول إلى تحديد الأداة المنفذة للمشروع في الداخل، فهذه الأداة هي المعارضة بالنسبة لأنصار النظام، وهي النظام بالنسبة لخصومه. هكذا يتم اتهام نظام الأسد بأنه يسعى إلى إقامة دويلة علوية في الساحل السوري تنفيذاً لإرادة إسرائيل أو إيران أو كلاهما، في حين يتم اتهام المعارضة على المقلب الآخر بأنها تريد تقسيم سوريا تنفيذاً لإرادة إسرائيل أو السعودية أو كلاهما، وطبعاً يقف الغرب الاستعماري الطامع خلف المشروعين في جميع الأحوال.

ليس مفهوماً في الحقيقة مصدر هذه الافتراضات التي ترقى لتكون الحقيقة المطلقة في الخطاب السياسي السائد في بلادنا، ذلك أن النظام السياسي العربي الراهن هو نظام قائم بالضبط على دولٍ «بائسة وضعيفة تضمن سيطرة مطلقة للغرب على ثروات المنطقة وخاصة النفط»، وهو أيضاً «يحقق المصلحة العليا لإسرائيل ويضمن أمنها ومستقبلها». والحال هذه، فإنه من غير المفهوم لماذا قد تسعى الدول الغربية إلى تفتيت المشرق العربي إلى دويلات طائفية، لكن الأهم أنه لا شيء في السلوك السياسي للدول الغربية يثبت هذا، بل العكس هو الصحيح.

تبدو الدول الغربية مهتمة بالحفاظ على الدولة المركزية في كل من سوريا والعراق ولبنان، حتى أن الغرب كان حتى بدء المعارك الأخيرة مع داعش يرفض تسليح البيشمركة الكردية إلا عبر الحكومة المركزية في بغداد. كذلك كانت ولا تزال دول «أصدقاء الشعب السوري» تقرن كل دعم للمعارضة السورية بضرورة تعهدها بالحفاظ على وحدة سوريا، وبضرورة تمثيلها لجميع الطوائف والمناطق السورية، بل وعلى نحو مبتذل وسخيف يشبه استعراض إعلام النظام السوري لعناق الهلال والصليب تحت حمايته ورعايته.

كذلك تبدو الأمم المتحدة وهي ممثلة النظام العالمي المهيمن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حريصة أشد الحرص على سلامة ووحدة التراب السوري، وينطلق حرصها هذا من ميثاقها الذي يقوم في أحد أهم أركانه على مبدأ سيادة الدولة على أراضيها ورعاياها، وهو المبدأ الذي لا تبدو الدول الكبرى راغبةً في تقويضه لأنه ضمانة هيمنتها على مصائر البشر. وهو ما تجلى في السياق السوري من خلال إصرار أغلب المنظمات الدولية طيلة عامين على عدم إدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا دون التنسيق مع النظام السوري أو استئذانه باعتباره الحكومة المركزية في دمشق، واستلزم إدخال بعض المساعدات بشكل منظم وعلني إلى مناطق خارج سيطرة قوات النظام صدورَ قرار بشق الأنفس عن مجلس الأمن الدولي.

لا يبدو صحيحاً أن أحداً في هذا العالم يعمل على تقسيم سوريا أو فدرلتها على أسس طائفية أو غير طائفية، بل الأقرب للحقيقة أن الكيان الوطني السوري على درجة من الهشاشة بحيث يبدو عرضة للتقسيم والانهيار في كل وقت. وفي حين تتجه النقاشات كلها نحو البحث في مدى توافق التقسيم مع مصالح الدول الإقليمية والدول الكبرى في العالم، فإن أحداً لا يناقش مصالح السوريين ومدى إمكانية عيشهم معاً، كما أن أحداً لا يناقش بشكل جديٍ المنظومة التي يمكن للسوريين من خلالها اقتسام السلطة والثروة بما يحقق لهم الاستقرار والنمو والتقدم.

كان إنشاء الوطن السوري قراراً أممياً لعبت إرادة بعض السوريين فيه أدواراً محدودةً، وكانت هذه الأدوار تنصب في معظمها على الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من وحدةِ الأراضي التي كانت بريطانيا قد وعدت بها «الشريف حسين» في الحرب العالمية الأولى. أما الحقيقة التي لا مجال لتجاوزها فهي أن الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى هم الذين كانت لهم اليد الطولى في جعل أبناء سهل حوران الشمالي مواطنين سوريين، وأبناء سهل حوران الجنوبي مواطنين أردنيين. وفي تقرير أن سهل عكار الجنوبي حتى طرابلس الشام جزء من دولة لبنان الكبير، وأن سهل عكار الشمالي حتى مدينة طرطوس ليس كذلك.

لا يتعلق الأمر هنا بنقاش إمكانية حدوث التقسيم من عدمه، ولا بنقاش إمكانية حدوث الفدرلة أو كيفية تنظيمها، لكنه يتعلق بضرورة الخلاص من الأوهام والأساطير القديمة، وبضرورة إفساح الطريق أمام السوريين الذين يكتبون أساطيرهم الجديدة باحثين عن أفق لحياة أفضل. وإذا كان خيار التقسيم النهائي لا يبدو مفيداً ولا متاحاً، فإن خيار الحفاظ على الدولة المركزية الموحدة التي يعيش في ظل قوانينها جميع السوريين لا يبدو مفيداً ولا متاحاً أيضاً، وهو ما يجعل البحث عن حلول بديلة حتمياً وإلا فإننا سنكون على موعد مع عشرات السنين من الدماء والآلام والقمع والقهر.