هوّة الأهلي: يجب الدفاع عن الدولة

منفذو جريمة أسبوعية شارلي هم من حَمَلَة الجنسية الفرنسية. هذه المفارقة مزمنة وليست وليدة اللحظة (التاريخية) الحالية. مزمنة، وقد تعاملت معها الثقافات الغربية بوصفها من طبائع المجتمعات الحديثة. حقيقة الأمر أنها عيب فادح في الحداثة نفسها وتؤشر إلى خلل عميق في بنية المجتمعات الحديثة.

أن يكون منفّذو جريمة أسبوعية شارلي فرنسيين، فهذا يفترض بهم، وبالسلطات، والاجتماع، وكل بُنى الدولة، التصرف كما لو أن فعلتهم الشنيعة هي فردية بكل المقاييس، وفي أسوأ الأحوال قد تكون ذات صلة باجتماع ما، محدود ومحلّي ويتغذى أصلاً على أحداث محلية. مؤدى هذا الافتراض ألا يفترض منفذو الجريمة أنهم يناضلون من أجل قضية عامة، تهمّ وتعني مئات ملايين البشر. ومؤداه أيضاً ألا يفترض الاجتماع الفرنسي خاصة والأوروبي عامة أن هذه الجريمة لها أبعاد تتجاوز الحدود. وإلا ما الذي يعنيه الانتماء إلى الوطن وحمل هذه الجنسية أو تلك؟

الدولة الجامعة الحديثة تفترض أن مواطنيها سواءٌ في الولاء لها والخضوع لقوانينها. كل خروج على القانون يفترض أن يكون فردياً أو شديد المحلية على الأكثر. والحال، لم تنجح المجتمعات الحديثة (الغربية) في جعل كل المقيمين فيها مواطنين. بل على الأرجح، يبدو أن الفلسفات السياحية (البَعد-حداثية) التي كانت لزمن قريب مضى تحتفي بهذا الانشطار الأهلي في المدن الكوزموبوليتية وتعتبره إنجازاً حضارياً، باستسهالها النظري يبدو أنها قد مهّدت لهذا الخراب. كل مدينة كبيرة من المدن الحديثة تنطوي على كانتونات دينية وطائفية وإتنية وعرقية. في بعض أوقات اللهو الفكري بدا لطيفاً أن يكون ثمة «كوريا تاون» في نيويورك، وبدت «ليتل تشاينا» في لندن مكاناً مناسباً لأخذ الصور التذكارية. لكننا جميعا غفلنا عن السؤال المقلق: لماذا لم تذرّر المدن الحديثة الجماعات وتردهم أفراداً عاجزين عن الخروج على القانون؟

الأغلب في الظن أن بعض أيقونات الحداثة الكبرى، كالمواطنة والفردية، استمرت قيد الإمكان التاريخي طالما كانت الحدود بين الدول والأمم صلبة وعصية على الاختراق السهل.

تكنولوجيات كثيرة ظهرت منذ زمن الهجرات الأولى. وفي الأثناء، بدت الدول-الأمم كما لو أنها تفضّل غضّ الطرف عن القيمة الأساسية التي بنيت على أساسها الدولة-الأمة، ألا وهي الانسجام الاجتماعي. ليس أمراً مستغرباً أن نتذكر أن الدول-الأمم في أوروبا أنشأت حدودها على قواعد وحدود متينة من الانسجام الاجتماعي، دينياً وعرقياً وإتنياً. الوحدة الأوروبية في أصلها وفحواها بدت، بعد مضيّ زمن على ولادة الاتحاد الأوروبي، نوعاً من إعادة الانقسامات القَبل-تاريخية إلى متن المشهد الاجتماعي الأوروبي. أوروبا اليوم هي رومان وجرمانيون وغولواز وكاتالونيون وسلت وسلافيون. وأوروبا اليوم أيضاً هي أتراك وأكراد وعرب وتتار وصينيون ويابانيون.

هل بذلنا جهداً في محاولة رأب الصدع الذي كان يشقّ المجتمعات الحديثة ويهدّدها بالانفجار؟ أحسب أننا لم نفعل ولم نحاول. شارلي إيبدو حدثٌ له ما بعده. ليس بسبب كمية الدماء التي سالت؛ في اليوم نفسه الذي قَتل فيه الأخوان كواشي 13 نفساً في باريس، كان ثمة انفجار في العاصمة اليمنية صنعاء يحصد أكثر من مئة ضحية بين قتيل وجريح. اليمنيون ماتوا كما لو أنهم ما عاشوا أصلاً. ذلك أن الدم الفرنسي سال في مكان من أكثر أمكنة العالم تعرضاً للضوء، في حين أن الدم اليمني سال في العتم والخلسة. الإشارة إلى هذه المفارقة لا يهدف إلى إعادة الاعتبار للدم اليمني على حساب الفرنسي، ومحاولة النظر إلى المسألة نظرة مساواة ماوية. الإشارة إلى هذه المفارقة يتصل بواقع أن المقتلة في باريس لم تقتل فقط بضعة أشخاص بينهم بعض من مشاهير رسامي الكاريكاتير. المقتلة في باريس تكاد تدمر العالم برمته. وهي، من دون أدنى شك، إنذار بأن سفينة العالم على وشك الغرق. اليمنيون الذين ماتوا في يوم مقتلة شارلي إيبدو أكثر عدداً من الفرنسيين الذين قتلوا في الواقعة. لكن اليمنيين كانوا يجدفون بأذرعتهم في بحر متلاطم، فيما كان يفترض أن تكون سفينة فرنسا آمنة وقادرة على إنقاذ اليمنيين أنفسهم الذين تلاطمهم الأمواج في كل جانب.

مقتلة شارلي إيبدو أشد هولاً من مقتلة 11 أيلول. مرة أخرى ليس عدد الضحايا هو المهم. وليس واقع أن الذين قتلوا في 11 أيلول لم يكونوا في الجانب المضاء من العالم. قبل ثلاثة عشر عاماً كان ثمة قوى متصلة بالحداثة في المجتمعات المسلمة والعربية ويمكن المراهنة على صمودها وتطورها. وكان يمكن للإنتلجنسيا في الغرب أن تسمح لنفسها برمي الثقل كله على عاتق الإنتلجنسيا العربية والمسلمة لتعيد تصريف الأمور على نحو حديث. اليوم لا شك أن آلة الحداثة معطلة تماماً في المجتمعات العربية والمسلمة. ولا مفر من تنكّب الإنتلجنسيا الغربية مهمة إنقاذ العالم من الغرق، هذا إذا كان أمر الإنقاذ ما زال ممكنا أصلاً. على الأقل يقع على عاتق الإنتلجنسيا الغربية اليوم، وبصورة ملحّة، مهمة إنقاذ البلاد التي ما زالت تقيم وزناً لمباني الدولة الحديثة وما زالت تعترف بسلطة القانون. وفي استطراد سريع ولافت، يفترض بهذه الإنتلجنسيا أن ترفع الصوت عالياً ضد الخطط المعتمدة لمحاربة الإرهاب من قبل الحكومات الغربية. في استطراد سريع: لا يستطيع أي متصل بالحداثة أن يفهم كيف تكون عشائر العراق وسوريا سلاحاً ماضياً في محاربة الإرهاب الذي تمثله داعش والتنظيمات المرتبطة بـ’القاعدة‘. أو كيف تكون الميليشيات الشيعية «مأمونة الجانب» في مواجهة الميليشيات السنية «الخطيرة»؟ خطة الجنرال بترايوس نجحت في تحويل العنف من جهة إلى جهة في العراق. لكنها لم تنجح في استئصاله، لأنها اعتمدت أصلاً وأساساً على بنى أكثر تخلفاً من بنيى التنظيمات الإرهابية نفسها – على المستويات جميعها. هذه الإشارة إلى السياسات المتبعة في محاربة الإرهاب والعنف الذي يشيعه في كل مكان يحل فيه تهدف إلى تصويب البوصلة لا إلى التخلي عن الكفاح. قد تكون خطة بترايوس ناجحة عسكرياً، بمعنى أنها تقطع دابر الخطر الراهن والماثل، لكنها قطعاً لن تنجح في منعه من الولادة في مكان آخر وعلى نحو أعنف وأقسى. مع ذلك ليس ثمة وصفة سحرية نستطيع باتباعها أن نخرج من هذا النفق الذي نقود العالم إليه.

لا أمل في أن تخرج من منطقة الشرق الأوسط إدانات حقيقية وذات معنى لما جرى في باريس في مطلع العام 2015. لهذا السبب، ليس في وسعنا أن نتساهل مع انزلاق المجتمعات الحديثة في كل البلاد الغربية من دون استثناء إلى نفق المجتمعات الأهلية. على شاشة فوكس نيوز وفي برنامج عدالة (Justice) تدعو القاضية جانين بيرو «إلى قتلهم». الغضب مفهوم والحماقة أيضاً يمكن تفهّمها. إنما السؤال الذي لم تسأله بيرو لنفسها هو التالي: من هم هؤلاء الذين تدعوهم إلى القتل انتقاماً؟ هل باتت القاضية بيرو مقتنعة أن المجتمع الأميركي هو مجتمع أهلي، وأن البيض، أو المسيحيين، أو البروتستانت، أو أهل حزام التوراة، هم جميعا غاضبون وحمقى وداعشيون؟ ولا يملكون رداً على ما يجري غير التماثل مع داعش وإشهار القتل (من دون تمييز) بوصفه العقوبة الوحيدة والواجبة على الآخر المختلف عنهم؟ حتى تنظيم داعش ينوّع في نظام العقوبات، فأحياناً يقيم حد قطع اليد وفي أحيان أخرى يقيم حد الجلد. ما هي الهوة التي ينزلق الرأي العام في الغرب إليها؟

واحدة من الخلاصات المهمة التي يخلص إليها آلان تورين (Alain Touraine) في كتابة الأخير نهاية المجتمعات (للأسف لم يترجم إلى الإنكليزية بعد) تفيد أن الدولة (الغربية حصراً) ما زالت تملك من القوة والسلطة ما يعصم المجتمعات الميتة من الانتحار الجماعي. الدولة ما زالت تملك أن تحول العنف الاجتماعي من صعيد الاحتكاك الجسماني المباشر إلى الصعيد الشفهي تحت طائلة العقوبة القانونية المباشرة. والدولة كذلك ما زالت تملك أن تفسر الاجتماع على الانتظام (ورقياً) في مساواة قاطعة على مستوى الوثائق الرسمية والمؤسساتية. لكن دولة المواطن، وأمام الأخطار الماثلة والمتكررة، تنحو يوماً بعد يوم إلى معارضة سلطتها هذه. في كندا ثمة آلاف الأشخاص ممن نُزعت عنهم جنسياتهم لأسباب تتعلق بمخالفتهم قانون الحصول عليها. وفي الولايات المتحدة ثمة أكثر من 500 مواطن أميركي على صلة مباشرة بمنظمات إرهابية تنزع عنهم الحكومة الأميركية الحماية ولا تدافع عن حقهم في الحياة أو تسائل من قتلهم إذا قُتلوا. في فرنسا قررت الحكومة الفرنسية بعد مقتلة شارلي إيبدو أن تتشدد في التعبير الشفهي عن العنف، ليصبح التصريح بتبرير العنف جريمة يعاقب عليها القانون. هذا التخلي عن مبدأ المساواة بين المواطنين، رغم محدوديته، ينذر بما هو أخطر على بنية الدولة نفسها، والتي باتت، على نحو ما، ترى في المجتمع المنتظم تحت سلطتها مصدر خطر عظيم. وهي حولت جزءاً أساسياً من المواطنين إلى مشتبه بهم، وباتت تدفعهم دفعاً إلى التصريح ببراءتهم. لم تكن المساواة في الدولة الحديثة يوما متحققة، دائما كان ثمة مناطق ينتظم فيها الأمن أكثر من أخرى، ودائما كان ثمة في المدن الكبرى مناطق لا يرغب القانون في رعايتها وشملها تحت سلطته على ما يلاحظ جان كاربونييه (Jean Carbonnier) في كتابه القانون المطواع (Flexible Droit). والحق أن المسألة المغربية في فرنسا أو المسألة التركية في ألمانيا أو الأفريقية-الأميركية في الولايات المتحدة هي مسائل مزمنة. لكن المجتمعات والقوانين وسلطة الدولة كانت على الدوام تتشدد في معاقبة الانزلاق نحو التمييز الصارخ على أساس اللون أو الجنس أو المنشأ. لكن الدولة اليوم، وأمام حجم التهديد الذي تواجهه من مجتمعاتها، تتخلى عن بعض مكوناتها طوعاً في محاولة لتأجيل الانفجار أو حصر أضراره ما أمكن. رغم ذلك، ورغم كل هذه الوقائع الموحية، يجب الدفاع عن الدولة، لأن ضعفها أو هشاشتها أو انتصار الاجتماع الميّت عليها لن يؤدي إلى أقل من حروب أهلية باردة وساخنة في المجتمعات والدول التي حسبت أنها تجاوزت هذا المنزلق وباتت حديثة وتقع تحت سلطة التاريخ.