السلطان الحديث: المنابع السياسية والاجتماعية للطائفية في سوريا3

يستأنف هذا القسم الثالث والأخير التفكير في البنية الاجتماعية السلطانية، وينظر في إيديولوجياتها، ويلمح إلى بعض إيديولوجييها، ويختم بنظرة في أسس مقاومتها

«الأعيان الجدد» و«البرجوازية العليا»

بالتوافق مع ازدواج الدولة (ظاهرة وباطنة)، وازدواج الطائفية (درع أمني وشبكة محسوبية)، هناك منشآن مختلفان لبرجوازية النظام، منشأ مرتبط بوظيفة الوساطة، ومنه تتكون طبقة الأعيان الجدد، ومنشأ مرتبط بالاستيلاء على الموارد العامة ومصادرات الأراضي والقطاعات الأكثر ربحية من الاقتصاد، ومنه تتكون البرجوازية العليا. قد يمكن تسمية الشريحة الأولى بالبرجوازية الظاهرة، وهي متكونة أما عبر الحكومة وإداراتها ومنظماتها الحزبية، أو عبر الطوائف كشبكات محسوبية. وهي عموما برجوازية محلية، يقيم مكونها الأهلي في في البيئات الأهلية قريباً من «رعاياه» الجهويين والدينيين والعشائريين، أما المكون الحكومي والحزبي فليس محلياً بالضرورة، ومن ينهبهم ليسوا «رعاياه» الأهليين حتما، وإن يكن آمراً عليهم لبعض الوقت (محافظ، أمين فرع حزب البعث، مدير منطقة، رئيس شعبة تجنيد...). أما الشريحة الأخرى فجديرة بتسمية البرجوازية الباطنة، وهي مركزية عموماً، ليس من حيث الإقامة التي تكاد تنحصر في دمشق ثم حلب، ولكن من حيث القرب من مركز السلطة، ومن مركز مركز السلطة، أي الأسرة الأسدية والأجهزة الأمنية، ومن حيث أنها جنت ثرواتها بالتشارك مع قمة الدولة السلطانية وعبر الاستيلاء على الموارد الوطنية العامة، الأرض بخاصة. وكانت هذه البرجوازية انتظمت في شركتين كبريين هما «الشام القابضة» و«سورية القابضة»، وقد تأسستا في الوقت نفسه تقريباً (الشام القابضة في أواخر 2005 وسورية القابضة في مطلع 2007)، وكان رامي مخلوف، ابن خال بشار، شريكاً أساسياً في الأولى (يبدو أنه يملك وحده 51% من أسهمها، وأنه المبادر إلى تأسيسها، ويشغل فيها منصب نائب رئيس مجلس الإدارة؛ الرئيس هو نبيل الكزبري). واسمه ليس وارداً في قائمة مؤسسي الثانية (شقيقه إيهاب أحد المؤسسين)، لكن الشركتين تشكلان معاً نادي البرجوازية المركزية شبه المغلق، الذي يشغل رامي موقعاً حاكماً فيه. في بضع السنوات السابقة للثورة شاع تعبير «الرمرمة»، الذي يعني تمليك رامي، ومن ورائه الأسرة الأسدية، القطاعات الأنشط في الاقتصاد السوري، ما يجعل منه الرئيس الاقتصادي لسورية، على نحو مكتوب في توريث بشار حكم البلد. وفي تلك الفترة شاعت نكتة تعبر عن الارتباط الوثيق بين قمة السلطة والبرجوازية المركزية، تقول إن الاقتصاد السوري إما مخالف أو مخلوف، أي أن كل من ليس رامي أو شريكاً له يعتبر مخالفاً، فإما يخضع ويستسلم لشراكة جائرة، أو يجري طرده وسرقته. نجيب ساويرس المصري الذي كان رامي شريكاً له في أوراسكوم، شركة الهاتف الخليوي، مثال معروف. بعد ازدهار سوق الخليوي في سورية مطلع القرن صادر رامي أموال شريكه، وتدبّر أن يُعين على الشركة حارسين قضائيين «محايدين»: شقيقه إيهاب مخلوف (سيكون أحد مؤسسي الشركة السورية القابضة)، ونادر قلعي، مدير أعماله. ويبدو أنه حاول فرض نفسه شريكاً أول في قناة أورينت لمالكها غسان غسان عبود، وينسبُ إليه الأخير قولاً كاشفاً: أنت تملك تلفزيون المشرق، وأنا أملك سورية!

تلزم دون ريب دراسات موثقة لتكوين البرجوازية المركزية وعلاقتها بكل من طبقة الأعيان الجدد ومركز السلطة. لكن يبدو لي أن البرجوازية المركزية متعددة الطوائف، مع وزنٍ مهم لشوام ومسيحيين فيها، وإن يكن الرأس فيها بلا ريب هو رامي مخلوف بحكم قربه السياسي، والصفة السياسية الفاجرة لصفقاته، ومنها صفقة الخليوي، واستيلائه على الأراضي في دمشق، وهذه أشياء لا يتاح مثلها لنبيل الكزبري أو محمد حمشو أو صائب النحاس أو ناجي شاوي 1

أما البرجوازية الظاهرة والمحلية فهي طائفية بقدر كبير، أعني أنها عموما تنهب طوائفها، وإن يكن محتملاً أن القطاع العلوي منها تمكن من نهب أوسع بحكم وضع الطائفة السياسية العامة، ووزنه الأكبر ضمن المكون الرسمي أو الحكومي لهذه الطبقة. من جهتها، البرجوازية المركزية تنهب الموارد العامة، والمجتمع ككل. وهي تنفرد عن البرجوازية الظاهرة باستئثارها بعوائد المبادلات الاقتصادية مع العالم الخارجي ووكالات الشركات الأجنبية ومشاريعها وأرصدتها خارج سورية، في أبو ظبي أو البنوك السويسرية، أو في الجزر العذراء. البرجوازية الظاهرة، بالمقابل، داخلية كلياً.

Rami-Makhlouf.jpg

 يفسر رامي مخلوف الموقف المعادي له في سورية بأنه قريب الرئيس. ليس مخطئا. فهذا تفسير ملياراته أيضا.
يفسر رامي مخلوف الموقف المعادي له في سورية بأنه قريب الرئيس. ليس مخطئا. فهذا تفسير ملياراته أيضا.

وقد يمكن القول أن الأعيان الجدد هم الطبقة الوسطى السلطانية بالمعنى الحرفي للتعبير، تربط المركز السلطاني والمراكز السلطانية الفرعية بالسكان بحسب محلاتهم وجماعاتهم الأهلية. وتحصل هذه الطبقة على دخلها دون إكراه مباشر أو بالقليل منه، وإن استندت دوماً إلى علاقة الإكراه الهيكلية التي تقيمها الدولة السلطانية مع عموم المحكومين. لكن نستذكر هنا مجدداً التمييز بين مكونها الأهلي اللاإكراهي، ومكونها الحكومي الذي ترتفع نسبة الإكراه أو القسر السياسي في تحصيل ثرواته. أما البرجوازية الباطنة أو المركزية فهي مكون أساسي للدولة السلطانية، وللإكراه المباشر والمصادرات واحتلال الأراضي دور كبير في ثرواتها، فضلاً عن ما يقارب احتكار المبادلات الاقتصادية الخارجية، بما يسوغ وصفها بالبرجوازية الخارجية أيضاً.

ومثلما يتفوق مكون الطائفية الرسمي، «طبقة الحراس»، على مكونها الاجتماعي، فئة الأعيان الجدد، كذلك يتفوق مكون البرجوازية المركزي أو الباطن على مكونها الظاهر والمحلي. البرجوازية المركزية ليست فئة وسيطة، إنها فئة استيلاء وشريكة في القمة السلطانية.

وبقدر ما إن البرجوازية الظاهرة والداخلية ترتبط بمحلات وجماعات أهلية، وخاصة في مكونها الأهلي، فإن بقاءها غير مرتبط وجودياً بالنظام. أما البرجوازية المركزية فتدين للنظام بكل شيء، ومعركتها إلى جانبه معركة حياة أو موت.

لا ريب في وجود شراكات وتداخلات بين البرجوازيتين، لكن المحددات البنيوية المذكورة تميز بينهما بقدر كاف.

لكن هل من مسوغ لاستخدام مفهوم البرجوازية في تسمية هاتين الشريحتين؟ أي معنى للبرجوازية في إطار سلطاني يقوم على التبعية الشخصية؟ ألا ينبغي الكلام بالأحرى على إقطاعيين، أو على أرستقراطية تابعة، أرستقراطية سلطانية مثلا؟ وبخاصة أن للقسر السياسي، السائل أو الهيكلي، دوراً يفوق في تحصيل ثروتيهما دور الإكراه الاقتصادي المميز للرأسمالية؟

ما يسوغ بقدر ما تفضيل مدرك البرجوازية بخصوص الفئة المركزية هو ارتباطها بالسوق الدولية، الرأسمالية، والصفة التعاقدية المبدئية لمشاريعها التي يغلب عليها الطابع الخدمي (مصارف، اتصالات، وكالات أجنبية، عقارات...). ورغم التقييد السياسي لعموم السوريين إلا أنهم ليسوا أقناناً مشدودين إلى أماكن عملهم. أما فئة الأعيان، وهي الشريحة الدنيا من البرجوازية الجديدة، فهي أقرب في فئتها الفرعية الرسمية (محافظون، أعضاء مجلس شعب، ضباط مخابرات محليون، قادة حزبيون محليون...) إلى إقطاع جديد، وإن دون استقرار الإقطاع المالك للأرض. أما الفئة الفرعية الأهلية: تجار، رجال دين، شيوخ عشائر...، وهي شريحة أدنى ضمن البرجوازية المحلية، وضمن البرجوزية الجديدة ككل، فنصيب القسر في دخلها أقل من غيرها، والمسوغ أقل تالياً لوصفها بالإقطاعية.

ما يسوغ التردد أيضاً في وصف هذه الشرائح بالإقطاعية هو أنها ليست طبقة وراثية مستقرة، ولعل فجور نهبها مرتبط بهذه الصفة بالذات. لكن هناك تطوراً أكيداً نحو الوراثية المميزة للإقطاع منذ وراثة بشار لأبيه.

يبقى ضرورياً في كل حال ربط البرجوازية السورية في ظل السلطانية الأسدية بمدركات تميزها عن البرجوازية الكلاسيكية. أتكلم على برجوازية جديدة ليس فقط لتمييز الطبقة التي شكل الزمن الأسدي إطاراً لظهورها بعد البرجوازية القديمة التي حطمها الحكم البعثي، وإنما كذلك للقول إننا حيال تشكل مميز، يضارع في تميزه التشكيل السياسي الأسدي الذي سميته الدولة السلطانية المحدثة.

وبمجموعها تشكل البرجوازية الجديدة والمركز السلطاني ما يمكن تسميته مجتمع السوريين البيض،  المتفوقين طبقياً وحضارياً على عامة سوداء، متخلفة ومتعصبة وظلامية. هذه الأحكام العنصرية تسوغ للبيض احتقار السود، وتعذيبهم، وقتلهم حين يتمردون. إنه عموماً مصدر خطر، إرهابيون، وغير متحضرين دوماً.

البنية السلطانية: ثنائية أم ثلاثية؟

هل يتمايز المجتمع في «سورية الأسد» إلى برجوازية جديدة، داخلية وخارجية، مدينية عموماً، وإلى «مجتمع عمل» وطبقات دنيا مفقرة، ومهمشة مكانياً في أحياء المدن الطرفية والأرياف؟ الواقع أن توزع المقرات الأمنية في المدن السورية، وبنية منطقتي المزة وكفر سوسة في دمشق مثلاً (قسم أمني، وقسم أبراج سكنية ومولات منظمة، وقسم شعبي مدفوع إلى الخلف وغير مرئي)، يوحي بالأحرى بتقسيم ثلاثي: البرجوازية بجناحيها، ثم العامة المقيدة المدفوعة إلى الهوامش، ثم قوة الحراس، المتمايزة عنهما معاً. القوة الأخيرة، ولها صفة طائفية قوية دون أن تكون حصرية، تحمي النظام الذي يحمي البرجوازية ككل، ويبقي العامة تحت الرقابة. وظيفتها الرقابية، كمصدر للمعلومات عن المجتمع، لا تقل أهمية عن وظيفتها في الحماية. بيد أن قوة الحراس في جسمها الأساسي، وليس في قياداتها، ليست من البرجوازية بجناحيها الداخلي والمركزي، ويشيع أن تتذمر منهما، وتعبر عن انفعالات سلبية حيالهما.

لكنها لا تتمرد عليها، وتبقي في صميم تكوينها على ولاء جوهري للنظام، وعلى عداء لخصومه وعموم السكان. وبسهولة استخدمها النظام دوماً هراوة ضد جميع الخصوم، ولم يمر وقت أبداً عرضت فيه القوى الأمنية والعسكرية ذات الوظيفة الأمنية ومراتب الجيش العليا والشرطة انحيازاً لعموم السكان أو شعوراً خاصاً بالارتباط بهم. وكانت الانشقاقات عن مراتبها نادرة جداً بعد الثورة.

ويعبر هذا المكون الثالث في البنية الاجتماعية السورية، قوة الحراس، عن مساحة استقلال الرابط الطائفي عن الوضع الطبقي، أو عن الفاعلية المستقلة للطائفية في الإطار السلطاني للمجتمع السوري المعاصر.

وتتولى القمة السلطانية، في تصوري، دوزنة هذا الهامش. فهي تحظى بولاء الحراس، وتستخدمهم في كل وقت، دون أن تضطر إلى منح عموم المرتبطين بهذه القوة امتيازات اجتماعية مباشرة. لكن فرصة الحصول على واسطة متاحة بقدر أكبر بين الحراس بحكم الصفة العلوية الغالبة لهذا الجهاز. وعدا هذا «الرأسمال الاجتماعي»، فرص النهب متاحة هنا بقدر أكبر: النهب الصغير للصغار والنهب الكبير للكبار.

قوة الحراس هي أداة المركز السلطاني في الضبط الاجتماعي، بما في ذلك ضبط البرجوازية الجديدة نفسها، بخاصة البرجوازية المحلية.

 

ِAsma-.jpg

 السيدة الجميلة الأنيقة، الوردة في الصحراء، التي تنتقي ثيابها وأحذيتها من محلات الموضة العالمية كانت شابة قريبة من نخبة العالم الأول المصرفية، وانتقلت لتكون "السيدة الأولى" في "العالم الأاول الداخلي" في سورية.
السيدة الجميلة الأنيقة، الوردة في الصحراء، التي تنتقي ثيابها وأحذيتها من محلات الموضة العالمية كانت شابة قريبة من نخبة العالم الأول المصرفية، وانتقلت لتكون "السيدة الأولى" في "العالم الأاول الداخلي" في سورية.

 

المركز السلطاني

ما يجعل من النظام عضوية حية متناسقة هو المركز السلطاني، حافظ الأسد شخصياً طوال 30 عاما من حكمه، ثم الأسرة الأسدية منذ موته. فإذا كان قوة الحراس هي عينه وأذنه وعضلاته، أو الجهاز العصبي والعضلي للنظام، وكان نظام المحسوبية هو جهازه الهضمي ومصدراً مهماً لموارد زبائنه، فقد كان حافظ هو رأس النظام السلطاني وعقله، وأناه. وهو مقر فاعلية التناسق الخاصة بالدولة السلطانية بين الداخل والخارج، أي هو موقع التوجه و«السياسة».

يستأثر المركز السلطاني بالعلاقات مع الخارج، ويتحكم بحركة موارد النظام الخارجية. وهذا بقدر ما إنه يسيطر على الداخل كما يسيطر شخص على جسده. الداخل هو جسد السلطان وركيزة حكمه.

ولا ينفصل موقعه كحاكم مؤسس ورئيس للدولة عن وضعه كزوج وأب وأخ وخال وعم...، فهو عام وخاص في آن معاً، مجرد وملموس في الوقت نفسه، ويمتنع فك قيمتيه التبادلية والاستعمالية عن بعضهما. إنه مثل سلعة ماركس «مفعم بالتعقيدات الميتافيزيقية والمماحكات اللاهوتية».

وأجد مفهوم السلطان مناسباً للتعبير عن هذا الالتحام الفائق، الموجب للتوريث وبناء سلالة. كلمة سلطان العربية تعبر عن القوة والسلطة والسيادة، وعن الشخص الحائز على القوة والسلطة والسيادة. حافظ عظيم بما هو أب، وهو عظيم كأب بما هو رئيس، وعظيم كإبن بما هو أب ورئيس. وهذه العظمة لها مفعول راجع. في جدارية في مساكن الحرس (تسمى المنطقة أيضا «العرين»، وتقع بين قدسيا ومشروع دمر)، نرى حافظ ينحنى مقبلاً يد أمه التي تحيط برأسها هالة نورانية.

هذا سلطان بدم سلطاني. لا تجريد ممكن فيه، ولا فصل بين هذين الوجهين الذين لا يجتمعان، بالمقابل، في غيره. كشاغلي مناصب عامة وكأشخاص، الآخرون أدنى مرتبة بما لا يقاس. بناء سلالة «مكتوب» في هذا الامتياز الجوهري.

وما ناله الرجل من تعظيم خارق طوال سنوات حكمه وبعدها، وقد كان تعظيمه وضمان التبعية له وظيفة أساسية من وظائف دولته، يتصل بكونه مبدأ تماسك النظام ودينه المقدس. الأسدية دين ودولة، دينها هو دولتها. الكلام على «عبادة الشخصية» ربما لا يفي الأسدية حقها. حافظ مؤسس مقدس في عين الموالين له، وأتباعه الأهليين بخاصة، وليس مجرد حاكم فذ أو رئيس عبقري. هو عبقري وفذ لأنه مبارك، وليس العكس. قد يمكن التكلم هنا أيضاً على وجه ظاهر وعقلاني لحافظ هو ما يحيل إلى العبقرية والفرادة، ووجه باطن فوق عقلاني هو البركة أو القداسة. هذا الوجه مرئي من قبل أتباعه من العلويين فقط. ضريح حافظ في القرداحة يُزار كأثر مقدس. وقبل سنوات وقعت بين يدي صفحة ورق مقوى عليها صور مشايخ علويين منذ تأسيس الجماعة (من نوع ما ترسم عليه أشجار العائلة عند بعض الأسر)، وكان آخرهم حافظ الأسد، موصوفا بعبارات دينية تقديسية.

يجد تكريس الإعلام العام لعبادة حافظ الأسد طوال عقود، ولطالما تحدى هذا التكريس السماجة وتجاوزها، وأثار ذهول السوريين واستهجانهم لفرط استهانته بالعقول، يجد معناه في وظيفته: رفع المركز السلطاني فوق السياسة والمداولة الاجتماعية، أي عملياً تقديس النظام وضمان بقائه. القداسة تدر كثيراً من المال والمجد والنفوذ، السلطان.

وعبر القداسة والولاء للسلطان المقدس صار حافظ، الموقع-الشخص، مبدأ لتقويض علاقة المواطنة ولمفهوم الدولة الوطنية، وقوة تعميم علاقات التراتب والتبعية الشخصية.

موت حافظ دشن زمن السلالة. صارت الأسرة الأسدية تشغل موقع الأب، وهذا ليس لمجرد أن بشار أضعف من أبيه أو أدنى منه في المؤهلات، بل لأن منطق التوريث وبناء السلالة يقضي بذلك. أياً يكن من يتلو حافظ فإنه وريث، ابن بين أبناء وثان بين ثانين، ليس مؤسساً ولا أوّلاً. لا يستطيع بشار أن يُحيِّد الأسرة إلا إذا خرج على منطق التوريث، وصار مؤسِّساً آخر يقطع حكم السلالة، أو يؤسس سلالته الخاصة. بشار أصغر من هذا وذاك. السلطنة لأسرته وليست له. والتمسك به من لوزام تماسك الأسرة السلطانية، والسلطنة ككل، وليس لشخصه. ليس لبشار قيمة استعمالية أو خاصة، له قيمة تبادلية أو عامة فقط. عند الاضطرار يمكن استبداله. ومن المستبعد ألا يقع ذلك يوماً.

إيديولوجيات الطائفية

الطائفية مسألة امتيازات سياسية واجتماعية، وليست مسألة هوية وثقافة ودين، بات هذا الآن واضحاً. ولذلك لا تعالج الطائفية بالمؤتمرات الدينية، كأن يجلس رجال دين مسلمون ومسيحيون مثلاً، أو سنيون وعلويون أو شيعة مثلاً، ويدعون أتباع عقائدهم إلى التسامح والمحبة، ويسكتون على منابع التمييز والامتياز. لا تعالج أيضا بذلك الضرب من العلمانية التسلطية العابدة للدولة، التي لا تهتم بأوضاع التمييز والامتياز الاجتماعية والسياسية، ولا بحقوق وأوضاع الشرائح الأكثر حرماناً، وتحملها في الغالب مسؤولية الأوضاع التي تعاني منها، على ما يفعل بعض إيديولوجيي «العالم الأول الداخلي» في سورية وخارجها.

الطائفية لا تُعالج أيضا بالتكتم عنها على ما يفعل إيديولوجيون آخرون، بذرائع وطنية فوقية مرة، ويسارية فوقية أيضا مرة، أو بالسكوت عن موضع تشكلها السياسي كما يفعل مثقفون وسياسيون موالون، أو بنسبة قيم تقدمية وتغييرية لطوائف ورجعية لطوائف، كما يفعل بعض آخر. ليس هناك طوائف جيدة وأخرى سيئة إلا في العين الطائفية. الطوائف كلها سيئة، وكلها رجعية (هذا ليس قولاً في الجماعات الأهلية، ولا ينال من احترام أي منها)، وكلها مصنوعة سياسياً. لكن الأسوأ والأكثر رجعية هو التنظيم السياسي الذي تتشكل فيه الطوائف كوحدات سياسية أو كأحلاف سياسية: السلطانية المحدثة.

وإنما بفعل الطابع المراوغ لخطاب النظام السلطاني وإيديولوجييه المتنوعين، إيديولوجيي الوطنية و«معاداة الامبريالية» مرة، وإيديولوجية الحداثة ومعاداة الأصولية مرة ثانية، وبفعل احتكار سلطة تعريف الوطنية وتسخيرها لحجب الطائفية الجوهرية للحكم الأسدي، وأكثر من الجميع بفعل حراسة التابو الطائفي بقوة القمع، لم تكد تظهر مقاومة علمانية تحررية للطائفية في سورية. كان مجرد تناول الظاهرة في سنوات ما قبل الثورة مصدر اتهامات بالطائفية من الحراس الإيديولوجيين للدولة الباطنة ومثقفي السلطانية العضويين. وفي عهد بشار، هؤلاء ليسوا بعثيين، وإنما هم ممثلو نظام الامتياز وإيديولوجيو«العالم الأول الداخلي» أو مجتمع «السوريين البيض».

مثل ثنائية الظاهر والباطن على مستوى الدولة، وثنائية الطائفية المحاسيبية والأمنية، وثنائية البرجوازية المحلية والمركزية، يمكن تبين ثنائية على المستوى الثقافي، بين مثقفين حكوميين يرفعون راية «الوحدة الوطنية»، ويحرسون التابو الطائفي بالمنع، وعمليا يكملون دور المخابرات في اتهام منتهكي مفهومها الأسدي بالطائفية، وبين مثقفين «حداثيين» و«حضاريين»، هنتنغتونيين في الواقع، يدافعون عن السلطانية كاستبداد مستنير في وجه «طغيان أكثرية العدد» المحتملة حسب تعبيرات متشابهة من عزيز العظمة وجورج طرابيشي وكمال ديب. هؤلاء هم مثقفو «السوريين البيض»، أو مثقفي زمن بشار، تمييزا عن سابقيهم «اليساريين» من مثقفي زمن حافظ.

ومن الطريف أن الكندي اللبناني الأصل، كمال ديب، يقترح في كتابه أزمة في سورية (بيروت، 2013)، تقاسم السلطة مناصفة بين «الأقليات» والمسلمين السنيين الذين يقول هو إنهم يشكلون 75% من السكان، أي عملياً وفق قاعدة لـ«الأقلي» مثل حظوظ ثلاثة من «الأكثريين»! وهذا بالفعل تجاوز لنظام الديمقراطية التوافقية اللبناني الذي يعترض عليه المؤلف «العلماني». فالنظام  اللبناني مبني، حسب أستاذنا أحمد بيضون، على أن للمسيحي مثل حظ المسلميْن، فقط!

كلمتا إسلام ومسلمين لا تردان قط في سياق إيجابي أو متفهم، في 330 صفحة من كتاب مثقف السلطانية العنصري هذا. تستخدم الكلمتان على نحو مرسل وغير إشكالي، وتردان دوماً وحصراً في سياق سلبي، يحيل إلى الخطر والإرهاب وقطع الرؤوس واضطهاد المسيحيين و«الأقليات» والنساء والمثقفين.

michel_smaha-2004.jpg

 كان ميشال سماحة مأمورا من علي مملوك، وربما بثينة شعبان وبشار، بالقيام بتفجيرات إرهابية في لبنان، في إطار صناعة وتوزيع الفتنة إقليميا. الوزير السابق كان محرجا فقبل نقل المتفجرات في سيارته . .قتل الناس لا يحرج ضميره
كان ميشال سماحة مأمورا من علي مملوك، وربما بثينة شعبان وبشار، بالقيام بتفجيرات إرهابية في لبنان، في إطار صناعة وتوزيع الفتنة إقليميا. الوزير السابق كان محرجا فقبل نقل المتفجرات في سيارته . .قتل الناس لا يحرج ضميره

وبينما يفترض المرء أن العلماني يدعو حتماً إلى المساواة في الحقوق بين جميع السكان، ربما مع دعم خاص لـ«حقوق الإقليات» بوصفها الفئة الأكثر هشاشة، فإن حقوق الأقليات في السياق السوري موجهة حصراً ضد حقوق الأكثرية الدينية، وليس بحال ضد النظام السلطاني، ومع المطالبة بتناصف السلطة بين الربع والثلاثة أرباع. هل يبقى أي مضمون تحرري للكلام على «حقوق الأقليات» هنا؟ هل المطلوب هو المساواة أم، بالأحرى، الامتياز؟ وما العنصرية، يا ترى، غير أن يكون 1= 3، و25 = 75؟

هذا الفجور العنصري المديد من جهة، وما سبقت الإشارة إليه من «صعلكة» المستقلين وسحق فرص ظهورمعارضة اجتماعية قاعدية من جهة ثانية، أضعف فرص ظهور مقاومة علمانية أمينة للطائفية، ووفر بالمقابل الشروط المناسبة لمواجهة الطائفية بالطائفية. هذا نراه اليوم مجسدا في سلفيين يتطلعون إلى إشغال موقع النخبة السلطانية الأسدية، على أسس إيديولوجية مغايرة. طائفية السلفيين مبدئية ومقاتلة، ويبدو أنها تخاطب قطاعات مفقرة ومحتقرة من الجمهور السني الريفي.

لكن «الإسلام»، في صيغة إخوانية، يمكنه أن يكون قناعاً أيضاً للطائفية، أو بالضبط للامتياز السني وللتمييز لمصلحة السنيين. وبينما ينبغي في كل وقت التمييز بين معاداة طائفية وغير تحررية للإسلام، شائعة جداً في الواقع (داعية المناصفة المذكور للتو مجرد مثال فج)، والعمل على فضح عنصرية دعاتها وإظهار انحيازاتهم السياسية والطبقية، فإنه لا وجه لإعفاء تطلعات الهيمنة السنية من النقد. صعوبة تطييف السنيين، أي توحيدهم في طائفة، لا ينبغي أن تحجب وجود طائفيين سنيين كثيرين، نشطين وعدوانيين، ولا يقتصرون على السلفيين.

لقد تواطأت ضد السوريين أوضاع أشد قسوة: الدولة السلطانية المحدثة القائمة على التبعية، وقد استندت ضمناً إلى سردية مظلومية علوية بداية، وتسوق نفسها اليوم عالمياً بسردية تفوّق حداثية؛ الجهادية السنية المعولمة، التي انتشرت في البلد على أكتاف ثورة حفزتها جزئياً مظلومية سنية، يوجهها جهاديون متنازعون ينالون دعماً خليجياً في اتجاه سردية تسوغ سلطانهم؛ ثم التحالف الأميركي الإسرائيلي الذي أقدّر أنه كان له من وراء الستار دور هائل في إبقاء النظام الأسدي وتكسّر البلد. وقد يكون الدافع وراء ذلك أن هذا النظام يمثل «العالم الأول الداخلي» في سورية، وأنه أظهر فاعلية مؤكدة في تأديب وضرب تمردات العالم الثالث الدخلي. بنية النظام الأسدي تنسخ نظام سيادة إسرائيل في المنطقة (تقتل وتدمر من يقاوم سيادتها) وأميركا على النطاق العالمي. النظام الأسدي في سورية هو إسرائيل في «الشرق الأوسط». وهو موثوق لصفته هذه، وليس لعواطف خاصة حياله.

ويبدو لي أن إسرائيل بالذات تتعرف في قدرته الواسعة على القتل على شيء يوسع هامش حريتها حيال الفلسطينيين والعرب عموما، وفي نوعيات الموت التي يوزعها بسخاء على محكوميه شيئاً تتعرف فيه على نفسها وعلى ذكريات قريبة وبعيدة لها.

مصير السلطنة الأسدية

في مواجهة الاحتجاجات الشعبية في 2011، عملت السلطنة على تعميم الفتنة. تكلمت بثينة شعبان، مستشارة بشار الموتورة والفاجرة في طائفيتها، عن الفتنة وعن إمارات سلفية بعد نحو 10 أيام من الثورة (اشتهرت في وقت لاحق بتصريحها عن ضحايا الغوطة بأنهم أطفال مخطوفون من «الساحل»، وإن نسبت الكلام إلى ما يفترض أن الأهالي في الساحل يقولونه، ثم بردها الرادح على مراسلة سي إن إن الأميركية عن ضحايا التعذيب بعد تقرير «سيزار» مطلع 2014، وقد أظهر أن 11 ألف قتلوا تحت التعذيب بين آذار 2011 وآب 2013: أليس الغرب مسيحيا؟ ألا تهتمون بمصير الراهبات المسيحيات اللاتي اختطفهن الإرهابيون من معلولا؟). بشار نفسه أسهب في الكلام على الفتنة في خطابه الأول بعد الثورة في 30 آذار 2011. ونسب وكلاء النظام الإعلاميون إلى الاحتجاجات منذ وقت مبكر شعاراً أرجح شخصيا أنه من ابتكار ميشال سماحة: العلوية عالتابوت والمسيحية عبيروت! الشعار مصمم بكفاءة بحيث يُظهر الاحتجاجات سنية متطرفة من جهة، ويسوغ تحالفاً طائفياً علوياً مسيحياً من جهة ثانية. وليس مفهوما لماذا لم يُرفع هذا الشعار إلا ضمن مظاهرات شهدتها اللاذقية!

غير استراتيجية تعميم الفتنة، جرت الاستعانة بقوى أجنبية لإنقاذ السلطنة، وذلك على طريقة السلالات الملكية في التاريخ، ومنها سلالات عربية، القديمة منها والمعاصرة (آخرها السلالة الكويتية قبل جيل). المشترك بين النظم السلالية المطلقة أنها مالكة للبلدان التي تحكمها وليس حكومات وطنية. سورية أسدية وليس الأسد سورياً، سورية هي التي عليها أن تجيد الانتساب للأسديين وتتشرف بهم، وليس الأسديون من عليهم إثبات وطنيتهم وخدمة السوريين. وشعارات من نوع: الأسد أو لا أحد! الأسد أو نحرق البلد! الأسد أو بلاها هالبلد! تصدر عن افتراض الملكية: ما قد أخسره أنا سأدمره فلا ينتفع منه أحد!

وما جرى عملياً منذ منتصف 2012 (قد يكون اغتيال خلية الأزمة في 18 تموز 2012 تصفية حساب داخلي لمصلحة صقور السلطنة وراعيهم الإيراني)، هو تسليم قيادة الحرب السلالة الأسدية إلى الإيرانيين، وأتباعهم من لبنان والعراق وأفغانستان وغيرها. نتذكر أنه حتى ذلك الحين كانت بؤر التظاهر السلمي في تصاعد (أعلى ذروة سجلت في حزيران 2012 بأكثر من 700 بؤرة تظاهر)، أن الطيران الحربي ضد المدن بدأ يُستخدم في تموز، أن قصف الطيران للطوابير أمام أفران الخبز في حلب ومناطقها جرى في آب 2012، أن صواريخ سكود والسلاح الكيماوي بدأت تُستخدم قبل نهاية العام، وأنه قبل نهاية العام نفسه، جرت مأسسة الشبيحة، كميليشيا طائفية ظهيرة في «جيش الدفاع الوطني» الذي يجري تدريب كثير من عناصره في إيران. وكانت سبقت ذلك المجازر الطائفية الأشهر، في بانياس والحولة والقبير وكرم الزيتون، وظهور "سوق السنة".

وفي وقت مبكر أيضاً، وفي إطار منهج تعميم الفتنة، أطلق النظام سراح سلفيين جهاديين يعرفهم جيداً ويعرف «برنامجهم»، أعني ما هو مبرمجين عليه. كان يلعب بهم ومعهم بين العراق ولبنان منذ سنوات قبل تفجر الثورة. بالمقابل، لا تزال في سجن عدرا طل الملوحي، الفتاة التي لُفّقت لها قضية وحكمت خمس سنوات حين كان عمرها 18 عاما!

وبقدر ما أسهمت السلطنة في نمو هذا الغول، أسهم هو أيضا في تعميم الفتنة، وفي الخندقة الطائفية، وتحطيم قوى المعارضة الديمقراطية العلمانية. تبدو السلفية المحاربة مصممة من أجل سحق المعارضين غير الطائفيين للنظام، ومن أجل تعميم الطائفية، ومنح النظام حقاً غير منقوص في تمثيل العلويين، وعموم غير السنيين العرب. وهي تسجل نجاحا للسلطنة لعلها ما كانت تتوقع أن يبلغ هذا الحد.

في المحصلة، وعبر استتباع السلالة لعموم العلويين، وفتح البلد للسيطرة الإيرانية، وصعود الطائفية السنية المحاربة، قادت السلطنة سورية إلى الدمار، وإن تكن، فيما يبدو، أنقذت بعضاً من ملكها.

مقاومة الطائفية

استناداً إلى مجمل هذه المقاربة، أرى أن سياسة تحررية من الطائفية تتمثل في تحرير الدولة العامة من الملكية الخاصة، العائلية والطائفية. أولاً وأساساً ينبغي أن يستعيد السوريون دولتهم وفي مواجهة الحكم السلطاني المحدث. «سورية لينا وما هي لبيت الأسد!» قال المتظاهرون السوريون في درعا، «مهد الثورة» منذ وقت مبكر. أي أن سورية للسوريين وليست لسلالة مالكة، ولا يجوز لأية جماعة خاصة أن يكون لها نفاذ امتيازي إلى الدولة.

في المقام الثاني، سورية بحاجة إلى نظام فعال للإدارة والعدالة القانونية يضمن قضاء حاجات الناس روتينياً، وبصرف النظر عن قراباتهم وثرواتهم، ونظام للعدالة الاجتماعية يوفر الموارد والخدمات للشرائح الأفقر من المجتمع ويغنيهم عن الحاجة إلى أعيان ووجهاء جدد. ونظام للعدالة السياسية، يقوم على أن السياسة مشاع عام، لا يحق لأحد الانفراد بتملكه. نظام يقوم تحديدا على أن الناس شركاء في ثلاث: الكلام العام، التجمع الطوعي، والاحتجاج السلمي.

الأمر يقتضي تجاوز «العالم الأول الداخلي» ومجتمع السوريين البيض باتجاه تحرري، وليس باتجاهات سياسة الهوية وتجديد شباب العبودية على أسس دينية. وتجربة ما يقارب 4 سنوات تظهر أن مقاومة «العالم الأول الداخلي» تخذل نفسها حين لا تنفتح على سياق الاعتراض على العالم الأول الخارجي وركائزه الإقليمية.

وهذا بدوره يوجب مواجهة التناقض غير المعالج وغير المحلول، المتصل بوضع الدين العام والهيمنة السنية في مجالات التعليم والأحوال الشخصية والاحتفالات الدينية العامة. الطائفية ليست اسماً آخر لهيمنة العلويين حتى تكون الهيمنة السنية اسماً للحل. الطائفية عنصر أساسي في الحكم السلطاني الذي تعمل الجماعات السلفية اليوم على تجديد شبابه وشحذ أنيابه، مع وعد بإحالة غير المسلمين السنيين، وغير السلفيين من المسلمين السنيين، والسلفيين على غير منهج الجماعة السلفية الأقوى، إلى العبودية الفعلية او إلى الإبادة. السلفية المعاصرة ظاهرة شقاقية معادية للعالم، ومولدة للكراهية داخل المجتمع وداخل المجموعة، بل داخل الفرد نفسه، ووجهتها ليست إلا الموت العام. لقد صعدت داعش في تصوري لأن الثورة كتطلّع لامتلاك الحياة والحرية تعثرت ووقعت، وظهرت السلفية لأنه ليس هناك ثوريون اجتماعيون في سورية. قواعد السلفيين الاجتماعية كان يمكنها أن تكون قواعد قوى ثورية تحررية.

المبدأ الإيجابي الأساس في تجاوز السلطانية هو المساواة بين الجماعات الاعتقادية السورية بوصفها جماعات تأسيسية للكيان الوطني. المبدأ الدستوري الأول للجمهورية هو أن السوريين لا ينقسمون إلى أكثريات وأقليات عمودية، وهذا أحسن من النص الدستوري على «حماية الأقليات»، أو على «مناصفة وضمانات» كما يريد كمال ديب. وبينما يبدو هذا متعذراً في ظل الصعود السلفي وتآكل الثورة، فإنه ظاهر منذ الآن أن هذا الصعود مصدر لمشكلات وطنية واجتماعية كبيرة، ويمكن أن تكون مواجهتها فرصة لإصلاح مشكلات قديمة في بنية الكيان السوري. أياً تكن الدروب السياسية إلى مخرج من الوضع الحالي، يبدو أن فرص الخلاص من السلفية المقاتلة، ومنها داعش والنصرة وغيرهما، دون الخلاص من الأسدية، محدودة، ولا تؤسس لأوضاع عادلة. السلطنة الأسدية والسلفية الجهادية وجهان لخراب وطني واحد.

ولعله يلزم أيضا فتح نقاش حول تصور الدولة المركزية الموحدة التي تقولب السكان في قالب موحد، وتعمل على صهرهم وفرض مجانسة قسرية عليهم. قد يبدو نهج الصهر والمجانسة مضاداً للطائفية. لكن يبدو لي أن العكس هو الصحيح. فالمركزة تقوّي الدولة على حساب المجتمع، وتغري بالاستيلاء على الدولة من قبل الطامحين، وانتحال عقيدة وطنية مزعومة تعادي التعبيرات الأهلية من تحت أكثر من الممارسات الطائفية والتمييز الطائفي من فوق. المجانسة والصهر هنا يتحولان إلى إيديولوجية تلفيع وتمويه للتخارج السلطاني. ولا تبقى غير خطوة قصيرة لتوسل الطائفية لحكم هذه الدولة المركزية العزيزة، وحراسة طائفيتها بتجريم النقاش حول الطائفية.

وفي كل حال، المجانسة برنامج قمع وتسلط، وليست برنامجاً تحررياً أو تقدمياً، وهي ليست قيمة عليا إلا لدى عابدي الدولة من التحديثيين القوميين من أمثال عزيز العظمة.

وليست الدولة السلطانية المحدثة في الواقع غير عصرنة محددة للدولة السلطانية التقليدية، عبر تطعيمها بالدولة المركزية الموحّدة من جهة، وبعقيدة المجانسة الاجتماعية والثقافية من جهة أخرى (وليس المساواة القانونية، ولا العدالة الاجتماعية، ولا الحريات العامة).

ما نحتاجه في سورية، في تصوري، هو المزج بين العدالة الاجتماعية والقانونية، وبين النشاط السياسي الجمهوري، وبين درجة أكبر من حكم ديمقراطي محلي. هذا يخاطب مطالب كردية محقة، ويستجيب لحاجات تنموية حيوية، ويحد من الطائفية واحتمالات ظهور طوائف عامة أو طوائف دولة، وكذلك من التوظيف السياسي والفكري والمادي في مركز سلطوي كان تاريخه خلال نصف قرن تاريخ تدميراً للمجتمع واستنزافا للموارد الطبيعية ومذابح وعمليات قتل واسعة النطاق. المشكلة في النموذج وثقافته وهويته أكثر مما هي في تطبيق خاص له. حافظ الأسد نتاج لهذا النموذج الطغياني، وإن مثلت دولته عينة دراكولية منه.

وفي الوقت نفسه ينبغي الاعتراف بالتعدد الديني والمذهبي والإثني للمجتمع السوري وتشجيع التعبيرات الاجتماعية العلنية عنه. ليست المشكلة بحال في تعبير التحت الاجتماعي عن نفسه، بل في التمييز على مستوى الدولة ومؤسسات الحكم. الطائفية وليدة التمييز من فوق، وليست أبداً نتاج تعبيرات المجتمع من تحت عن تمايزه الأهلي. هذه التعبيرات التحتية يلزم بالأحرى تشجيعها، وتسهيل ظهور شخصية البيئات المحلية وامتلاكها لتعبيراتها الثقافية والسياسية المختلفة.

وإذا كان لا مناص من طي صفحة وضع الطائفة السياسية العامة، فلا بد من ضمان حقوق مساوية للعلويين مع غيرهم من السوريين كأفراد وكجماعة. نحتاج إلى التفكير في التحرر من الطائفية والدولة السلطانية كتحرر للعلويين لا كتحرر منهم. السلطنة الأسدية ليست دولة العلويين، وإن تكن استندت إلى أكتافهم وعضلاتهم، ودمائهم أيضا، كي ترتفع فوق رؤوس السوريين جميعاً.

لا مناص من جهة أخرى من طيّ صفحة الطائفة الدينية العامة. العلويون ليسوا سنيين، ولا كذلك الدروز والاسماعيلين والشيعة، حتى يتعلموا المعتقد السني في المدارس، وحتى يمتنعوا عن التعبير العلني عن ثقافاتهم الفرعية الخاصة. وبالمثل، الكرد ليسوا عرباً حتى تُنكر شخصيتهم وتطمس لغتهم ويجري فرض العربية عليهم.

وبعد هذه كله، سيحتاج السوريون إن أسعفهم الحظ في طي السلطنة الأسدية إلى تعلم فضيلتي النسيان والتسامح، نسيان أشياء من تاريخهم المعاصر والتسامح حيال بعضهم. هذا ممكن أن تحقق عدل أساسي وجرى التخلص من مهندسي القتل الرئيسيين، الأسرة الأسدية وكبار طبقة الحرس والبرجوازية المركزية. الموقف السلبي من التسامح مميز للمثقفين العضويين لمجتمع «السوريين البيض» من أمثال أدونيس: ظاهره تجاوز تحرري للتسامح باتجاه المساواة، لكن باطنه مزايدة على المجتمع وتسليم بالأوضاع الراهنة. ثنائية ظاهر/ باطن هنا أيضاً.

يبقى أن أول السياسة التحررية هو أن نطور أدوات تفكير فعالة لفهم مشكلات الطائفية وإطارها الاجتماعي والسياسي العام. حاولتُ هنا تطوير أدوات مفهومية تبدو لي مفيدة، مثل الطائفة العامة، والدولة الخاصة، والدولة الظاهرة، والدولة الباطنة، ومفهوم الدولة السلطانية المحدثة، وتمييز وجهي الطائفية الحرسي والمحاسيبي، وأخيراً التمييز بين شرائح البرجوازية الجديدة. لا غنى عن أدوات جديدة من أجل إطلاق نقاش عام حول الطائفية، لا غنى عنه، بدوره، من أجل ظهور رأي عام متحرر في شأن هذه القضية الحساسة. المجتمع المتفاعل يتكون في النقاش العلني الحي.

يلزم في كل وقت فك أحابيل المخاتلة الطائفية، إن في صيغتها الوطنية التقليدية، أو في صيغتها الحداثية اليوم، أو في صيغتها الإسلامية السياسية المعاصرة (توسل «الإسلام» قناعاً للهيمنة السنية). الطائفية قلما تظهر إلا من وراء حجاب، وتنسب لنفسهما قيماً عليا عصرية أو عريقة، مثل الحداثة أو العلمانية أو التنوير أو الحضارة من جهة، أو قيماً «أصيلة» مثل الإسلام (هكذا دون تخصيص) أو «الأصالة» من جهة ثانية. وليس ما وراء الحجاب غير السلطانية والتمييز العنصري.

  • 1. انظر أسماء أعضاء مجلسي إدارة الشركتين على الرابطين: الأول، الثاني.