في العلاقة بين النظام السوري والقاعدة

 

يردد قسم كبير من السوريين، وبعض من غير السوريين، مقولة أن النظام السوري مسؤول عن انتشار تنظيمات القاعدة والتنظيمات الإسلامية في المناطق المحررة. أرى أن هذه المقولة خاطئة، وأن ضررها كبير على محاولة فهم الواقع السوري بطريقة عقلانية. هناك كثير من التقاطعات بين النظام والقاعدة: كلاهما يحاربان لمنع حرية السوريين. ولكن العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً من اختزالها في المقولة السابقة. فيما يلي عرض سريع للحجج الثلاث التي يسوقها القائلون بهذه المقولة، ونقض لهذه الحجج.

الحجة الأولى تقول أن كثيراً من الإسلاميين قد خرجوا من سجون الأسد مع بداية الثورة.الحجة الثانية تقول أن القاعدة لا تحارب النظام في أماكن تواجدها. الحجة الثالثة تقول أن النظام لا يهاجم مقرات القاعدة. أرى أن الحجج الثلاث غير صحيحة وغير مقنعة، ولا تؤدي إلى المطلوب.

لنبدأ مع الحجة الأولى. يتناسى القائلون بهذه الحجة أن كل قيادات الحراك على الأرض ومعظم مقاتلي الجيش الحر وقيادات المعارضة دخلوا سجون الأسد و أُطلق سراحهم على مراحل مختلفة، من جورج صبرا إلى معاذ الخطيب ويوسف عبد لكي وعشرات آلاف السوريين من كافة الاتجاهات السياسية. يبدو غريباً الإصرار على أن إطلاق سراح الإسلاميين تحديداً يجعلهم بشكل ما مرتبطين بالنظام السوري، أو أن إطلاقهم يشي بأن النظام السوري يريد دفع الثورة إلى الأسلمة والعسكرة. هذا كلام، أقل ما يقال فيه، أنه مهين لآلاف الإسلاميين الذين اعتُقلوا وعُذبوا في سجون الأسد. صحيح أن لنظام الأسد ارتباطات مع القاعدة، ولكن هذه الارتباطات لا تؤدي بالضرورة إلى الشك بالإسلاميين فقط لخروجهم من سجونه. نبيل فياض دخل سجون الأسد كعلماني، وخرج من السجن مدافعاً عن علمانية متطرفة مرتبطة بالأسد. لا يعني هذا أن كل العلمانيين الخارجين من سجون الأسد عملاء للنظام. ما ينطبق على العلمانيين ينطبق على الإسلاميين. معظم السوريين في سجون الأسد ضحايا لقمع وحشي، ولا يجوز التشكيك في بعضهم فقط لكونهم إسلاميين.

الحجة الثانية أيضاً غير مُقنعة. يبدو أن تنظيمات القاعدة، أي النصرة و داعش بشكل رئيسي، تحارب النظام كمعظم فصائل الحر والكتائب الإسلامية؛ وكمعظم هذه الفصائل للقاعدة تكتيكات مختلفة، تتراوح بين الحفاظ على المكاسب على الأرض من جهة، وبين نشر مقاتلين في أماكن مختلفة لخوض معارك مع النظام. لا تنفرد تنظيمات القاعدة بهذه التكتيكات. معظم فصائل الجيش الحر والكتائب الإسلامية تتمركز في مناطق معروفة ولا تخوض المعارك إلا مضطرة. أسباب هذا الانكفاء معقدة، أحدها شح السلاح. القول بأن تنظيمات القاعدة لا تحارب النظام ينطوي على تعميم غير واقعي وغير صحيح.

الحجة الثالثة كانت صحيحة لفترة ما. تواترت المعلومات من الرقة وحلب وغيرها بأن مقرات داعش والنصرة لم تتعرض لقصف النظام، بالرغم من أنها معروفة للقاصي والداني، فيما مقرات الجيش الحر والكتائب الإسلامية والمجالس المحلية والمراكز الإعلامية تتعرض لقصف مستمر. النظام كان يفضّل أن تسيطر القاعدة على المناطق المحررة بدلاً من الكتائب الإسلامية والجيش الحر. يسعى النظام إلى إضعاف من يستطيع منافسة النظام على كسب قلوب السوريين، أي التنظيمات الأقل تطرفاً، وتقوية من لا ينافسه على قلوب السوريين، أي القاعدة. السوريون، برأي النظام، قد ينقلبون ضد الثورة إن سيطرت داعش على المناطق المحررة. على أية حال، تغيرت الأمور في الفترة الماضية، حيث عمد النظام إلى ضرب القاعدة تجاوباً مع إعلان قوى التحالف الدولي الحرب على الإرهاب في سوريا. في الوقت الحالي، الحجة الثالثة خاطئة كالحجتين الأوليين.

بالنتيجة، الحجج الثلاث لا تؤدي إلى المطلوب، أي أن هناك تنسيقاً بين القاعدة والنظام. على القائل بوجود مثل هذه التنسيق أن يقدّم حججاً  ومعلومات ووثائق أكثر إقناعاً من الحجج الواردة أعلاه. لم نر إلى الآن أي من هذه الوثائق والأدلة الدامغة.

ما نستطيع قوله، بعيداً عن نظرية المؤامرة، هو أن النظام السوري يُفضّل سيطرة القاعدة على المناطق المحررة لاعتقاده بأن هذا سيجعل الثورة تخسر من شعبيتها بين السوريين، ولأن القوى الدولية ستسمح له بتدمير المناطق المحررة بشكل كامل وبارتكاب مجازره المتنقلة بدعم من القوى الغربية لمواجهة القاعدة. هذه الاستراتيجية لا تعني وجود أي تنسيق أو ارتباط مباشر بين القاعدة والنظام.

الأهم من كل ذلك أن ترديد مقولة أن النظام السوري مسؤول عن انتشار القاعدة في المناطق المحررة تجعل من الصعب فهم أسباب انتشار القاعدة والتنظيمات الإسلامية في سوريا. لهذا الانتشار أسباب خارجية وأسباب داخلية يجب تحليلها بأسلوب علمي. من هذه الأسباب غياب أية قوة تنظيمية مدنية أو علمانية وقدرة التنظيمات الإسلامية على ملء الفراغ، مستخدمةً الحقد المتراكم من القصف اليومي لتبرير تطرفها؛ ومنها أيضاً الشك بكل ما يرتبط بالغرب الذي تخلى عن السوريين؛ ومنها الدعم الخليجي للتنظيمات الإسلامية؛ ومنها تناحر العلمانيين واليساريين المستمر والمخزي وخروجهم المبكر من البلد وابتعادهم عن المناطق التي تتعرض للقصف وعن أرض المعارك...إلخ. مثل هذا التحليل غير المؤامراتي قد يكون خطوة على الطريق الصحيح لفهم أسباب هذا الانتشار.

مقولة أن النظام السوري مسؤول عن انتشار تنظيمات القاعدة مقولة خاطئة من جهة، وضارة من جهة أخرى.

المجتمع السوري، ككل مجتمع بشري،عرضة لأشكال مختلفة من الفاشية الدينية والعلمانية والقومية، من تنظيمات القاعدة إلى حكم العائلة الأسدية، ولأسباب متعددة.

لا يمكن مواجهة الفاشية في سوريا إلا بفهم الأسباب الموضوعية لانتشارها.