لا تُؤكَل الكتف من ربلة الساق

على أهمية الرأي الذي أورده عدي الزعبي في العلاقة بين النظام السوري والقاعدة، وأهم ما فيه على ما أعتقد هو فتح باب النقاش المسمط حول هذه العلاقة، إذ بتنا نردد كثيراً، أو بتُّ أنا على الأقل أردد مقولة «داعش صنعها النظام» دون أي محاولة للتشكيك في ذلك، ولعل هذا يذكر بالمقولة الخالدة لكتب «التربية القومية الاشتراكية» المدرسية: «أمريكا وربيبتها إسرائيل». على أهمية هذا الرأي إذن نجد أن بعض النتائج التي يخلص إليها غير مرتبطة بمقدماتها، مما يُظهِر بعض التناقضات في المقالة التي نشرت في موقع الجمهورية في العاشر من نيسان 2015، وأنا هنا لن أسعى لمناقشة العلاقة بين النظام والتنظيمات الإرهابية الدينية في محاولة لإثباتها أو نفيها، لأنني لا أمتلك معلومات عن هذا الموضوع إلا ما أسمعه من هنا وهناك، بل سأسعى لكشف بعض التناقضات في المقال على أمل أن يساعد ذلك في تحليل أفضل لتلك العلاقة.

القضية التي يطرحها المقال للنقاش هي: مسؤولية النظام السوري عن انتشار تنظيم القاعدة ومشتقاته في المناطق المحررة، مفنداً بعد ذلك ثلاث حجج تقول بتلك المسؤولية بغية إثبات أن هذه المقولة خاطئة. والحجج باختصار هي: 1- كثير من الإسلاميين خرجوا من سجون النظام، 2- القاعدة لا تحارب النظام في أماكن تواجدها، 3- النظام لا يهاجم مقرات القاعدة. ثم يردف المقال الأسباب التي تجعل هذه الحجج غير مقنعة:

جاء الرد على الحجة الأولى كما يلي: « ... يبدو غريباً الإصرار على أن إطلاق سراح الإسلاميين تحديداً يجعلهم بشكل ما مرتبطين بالنظام السوري، أو أن إطلاقهم يشي بأن النظام السوري يريد دفع الثورة إلى الأسلمة والعسكرة {......} نبيل فياض دخل سجون الأسد كعلماني، وخرج من السجن مدافعاً عن علمانية متطرفة مرتبطة بالأسد. لا يعني هذا أن كل العلمانيين الخارجين من سجون الأسد عملاء للنظام. ما ينطبق على العلمانيين ينطبق على الإسلاميين {......} يبدو غريباً الإصرار على أن إطلاق سراح الإسلاميين تحديداً يجعلهم بشكل ما مرتبطين بالنظام السوري، أو أن إطلاقهم يشي بأن النظام السوري يريد دفع الثورة إلى الأسلمة والعسكرة».

أعتقد أن هذه الحجة أصابت هدفاً غير هدفها، فهي تقول: ليس كل من خرج من سجون النظام مدان، وهذا صحيح، ولكن لا علاقة له بالمقولة الأولى أي علاقة النظام السوري بتنظيم القاعدة والتنظيمات الإسلامية المتطرفة الأخرى، بل تجيب على مسألة أخرى هي مسؤولية النظام عن عسكرة الثورة وأسلمتها، وحتى في هذه أعتقد أن الكاتب جانبه الصواب، فعدم ارتباط العناصر الإسلامية التي أصبحت قادة لمجموعات عسكرية إسلامية بعد خروجها من المعتقلات بالنظام لا يعني أن النظام لم يعفُ عنها بهدف عسكرة الثورة وأسلمتها، إذ ليس من الضروري أن يكون ثمة اتفاق بين النظام وهؤلاء أصلاً، وليس من الضروري أن يكلّفهم تكليفاً بذلك، خاصة أن قرار العفو الشهير (نيسان 2011 على ما أذكر) الذي أطلق بموجبه 64000 سجين (معظمهم من المحكومين بجنايات وجنح) لم يطَل معتقلي الرأي من العلمانيين، ثم إن الاعتقالات اللاحقة طالت العلمانيين والمعتدلين من الإسلاميين (كيوسف عبدلكي ومعاذ الخطيب اللذين يذكرهما المقال من ضمن من أفرج عنهم) ومعظم «السلميين» من نشطاء الحراك الثوري (عدا عن عدد هائل من المواطنين الذين لا علاقة لهم بأي تيار سياسي) أكثر مما طال القيادات الإسلامية المتشددة والمحرضين على التسلح. أما موقف العلماني نبيل فياض فليس مقياساً صحيحاً فيما أرى، ربما كان المقياس الأدق هو مازن درويش العلماني السلمي الذي يحاكم أمام محكمة الإرهاب، وعبد العزيز الخيّر، العلماني السلمي الذي اعتقل أثناء عودته من الصين عائداً من زيارة كانت تهدف إلى إيجاد حل «سلمي» للأزمة السورية، لأن تأثير الخيّر يحسب له حساب (وإن لم يكن بقوة تأثير الإسلاميين)، فيما تأثير علمانيين آخرين كثر أقل بكثير بحيث لا يمكن أن يقاس بتأثير الإسلاميين. وأنا هنا أرتكب خطأ منهجياً حين أعمم مستخدماً كلمة «الإسلاميين»، وهو خطأ وقع فيه الزعبي أيضاً، لذلك أرجو أن تُغفر خطايانا كلانا.

[quotes]ليس كل من خرج من سجون النظام مدان، وهذا صحيح، ولكن لا علاقة له بالمقولة الأولى أي علاقة النظام السوري بتنظيم القاعدة والتنظيمات الإسلامية المتطرفة الأخرى، بل تجيب على مسألة أخرى هي مسؤولية النظام عن عسكرة الثورة وأسلمتها.[/quotes]

الرد على الحجة الأولى إذن وضع كل الإسلاميين في سلة واحدة، كما في الرد على الحجتين الثانية والثالثة، وهما طرفان لمعادلة واحدة: تنظيمات القاعدة لا تحارب النظام/النظام لا يحارب تنظيمات القاعدة، ويأتي الرد (وسأدمج بين الرد على الحجتين معاً لأنهما تكملان بعضهما البعض) كما يلي: «يبدو أن تنظيمات القاعدة، أي النصرة و داعش بشكل رئيسي، تحارب النظام كمعظم فصائل الحر والكتائب الإسلامية؛ وكمعظم هذه الفصائل للقاعدة تكتيكات مختلفة، تتراوح بين الحفاظ على المكاسب على الأرض من جهة، وبين نشر مقاتلين في أماكن مختلفة لخوض معارك مع النظام. لا تنفرد تنظيمات القاعدة بهذه التكتيكات. معظم فصائل الجيش الحر والكتائب الإسلامية تتمركز في مناطق معروفة ولا تخوض المعارك إلا مضطرة. أسباب هذا الانكفاء معقدة، أحدها شح السلاح. القول بأن تنظيمات القاعدة لا تحارب النظام ينطوي على تعميم غير واقعي وغير صحيح {......} تواترت المعلومات من الرقة وحلب وغيرها بأن مقرات داعش والنصرة لم تتعرض لقصف النظام، بالرغم من أنها معروفة للقاصي والداني، فيما مقرات الجيش الحر والكتائب الإسلامية والمجالس المحلية والمراكز الإعلامية تتعرض لقصف مستمر. النظام كان يفضّل أن تسيطر القاعدة على المناطق المحررة بدلاً من الكتائب الإسلامية والجيش الحر. يسعى النظام إلى إضعاف من يستطيع منافسة النظام على كسب قلوب السوريين، أي التنظيمات الأقل تطرفاً، وتقوية من لا ينافسه على قلوب السوريين، أي القاعدة. السوريون، برأي النظام، قد ينقلبون ضد الثورة إن سيطرت داعش على المناطق المحررة. على أية حال، تغيرت الأمور في الفترة الماضية، حيث عمد النظام إلى ضرب القاعدة تجاوباً مع إعلان قوى التحالف الدولي الحرب على الإرهاب في سوريا. في الوقت الحالي، الحجة الثالثة خاطئة كالحجتين الأوليين».

هناك الكثير ليقال في الرد عن هذا الرد، منه أنه يخلط بين داعش والنصرة، لكن أهمه كما أعتقد هو اختصار الحجة التي يحاجج بها من يرى أن لنظام يداً في صناعة داعش، بحيث تحولت الحجة إلى مجرد شعار: القاعدة لا تحارب النظام في أماكن تواجدها والنظام لا يمسها بسوء، ولكن هذا الشعار جاء نتيجة لمعطيات شاعت كثيراً، منها مثلاً أن النظام كان يشتري النفط من داعش، ومنها أن النصرة دخلت معلولا بتسهيل منه، ولعل أهمها هو أن داعش لم تحتل في سوريا إلا المناطق التي تحت سيطرة المعارضة، محاذية أماكن تواجد قوات النظام، في الوقت الذي قيل الكثير عن قصف طيران النظام لقوات المعارضة المتجهة لمحاربة داعش في صيف 2014، ولا يغيب عنا أن تنظيم داعش لا يعاني شحاً في الأسلحة، وإن كانت بعض الفصائل الإسلامية تعاني من الشح، فإن بعض فصائل الجيش الحر انقرضت من الأساس لشح السلاح والمال.

أما المفاجأة في الرد السابق فهي الجملة التالية: «على أية حال، تغيرت الأمور في الفترة الماضية، حيث عمد النظام إلى ضرب القاعدة تجاوباً مع إعلان قوى التحالف الدولي الحرب على الإرهاب في سوريا. في الوقت الحالي، الحجة الثالثة خاطئة كالحجتين الأوليين»، فهل تغيُّر الأمور يُسقِط الحجة؟! هل إن أطلقت مرضاً ثم حاولت إيجاد دواء له يلغي أنك من أطلق المرض؟!

أعتقد أن كل هذا له سببان أساسيان: الأول مقاربة أي علاقة بين النظام والتنظيمات الإسلامية المتطرفة وكأنها اتفاق قانوني بين طرفين واضحين، في حين أنه إن كان ثمة اتفاق فهو اتفاق مصالح بين أطراف متداخلة، وبالتالي هو اتفاق براغماتي، أي لا تصونه إلا استمرارية المصلحة المشتركة، وأي تقلب لاحق لا يعني عدم وجود اتفاق في البداية. ولعل في تقلب الاتفاقات في الحرب الأهلية اللبنانية خير مثال على ذلك.

أما السبب الثاني فهو أخذ المتغيرات بعين الاعتبار  والاستشهاد بها على حدث لم تكن موجودة وقت حدوثه، فأي اتفاق مفترض بين النظام والإسلاميين المتطرفين (الحدث الأساسي)، لا بد أن يكون سابقاً لكل الأحداث التي تمت لاحقاً (الأحداث التالية للحدث الأساسي)، وهذا ما يقود إلى التشويش على الحدث نفسه.

 ولا يمكنني في النهاية إلا أن أوافق عدي الزعبي فيما ذهب إليه في خاتمة مقاله «المجتمع السوري، ككل مجتمع بشري، عرضة لأشكال مختلفة من الفاشية الدينية والعلمانية والقومية، من تنظيمات القاعدة إلى حكم العائلة الأسدية، ولأسباب متعددة. لا يمكن مواجهة الفاشية في سوريا إلا بفهم الأسباب الموضوعية لانتشارها».