الوحش في التشكيل السوري: سخرية من السلطة

برز مفهوم الوحش في الإنتاج الفني المرافق للثورة السورية كموضوعة مميزة. كان يظهر في أغلب الأحيان  كنوع من السخرية من السلطة ورموزها والظواهر الإجتماعية المعبرة عنها، كحالة «الشبيح»، المفردة التي درجت في بداية الثورة لتترجم لاحقاً في أعمال العديد من الفنانين، كأزاد حمو(1979) في عمله الذي يحمل عنوان «شبيح» حيث يظهر رأس ملتحي يضع نظارات شمسية، إحدى التفاصيل المشتركة عند  الشبيحة ورجال المخابرات، لحيته كثة ولونه يميل إلى الأزرق، ما يقربه من هيئة الوحش.

أيضاً في عمل لأكرم الحلبي، والذي يحمل نفس العنوان، يظهر الشبيح على هيئة جسد غريب، فبدل الرأس، تبرزهالة من اللون الأسود يحيط بها خط أسود دقيق، في منتصف الجسد تخرج ذراع هذا الكائن وتنحني قليلاً نحو الأسفل. الوحش هنا حالة متخيلة لفكرة الشبيح تذهب إلى حدود تجريد  الشكل.

في عمل «شبيحة» لطارق بطيحي (1982) يختار الفنان أن يزاوج بين جسد ذكوري، تمثله شخصية عسكرية تعتمر خوذة، تحمل بيدها مسدساً أبيضاً، وبين جسد أنثوي حيث الفستان الأحمر المرفوع يكشف لباس الشخصية الداخلي كما يكشف أيضاً عن ساقين ورديتين نحيلتين. من الواضح أن غاية الفنان في هذا العمل السخرية من فكرة الشبيح مقرباً إياه من شكل المهرج. تؤكد هذه الحالة الألوان الزاهية التي اختارها الفنان للباس الشخصية على عكس الخلفية السوداء القاتمة التي تعيدنا، رغم السخرية، إلى تراجيديا الحدث.

في الأعمال الأخيرة لسبهان أدم (1973)، كما في أعماله السابقة التي تحتفل بالجسد الوحش، يضيف الفنان اللباس العسكري على كائناته محتجاً بذلك على فكرة العسكرة .

الأعمال التي تسخر من رموز السلطة، وبالذات من شخصية الرئيس، محولةً إيَاها إلى وحوش، كثيرة. أغلبها أعمال رقمية، ملصق إعلاني، أو «فوتومونتاج»، أبرزها عمل بصري لهاني شرف (1977) حيث تظهر صورة  «بورتريه» لبشار الأسد وقد أختصرت من الجانبين لتضيق الجبهة ويبدو الوجه بعين واحدة، كما «السيكلوب» في الميثولوجيا اليونانية، وهو نوع من الوحوش يعبر عن رفض التمدن، كما تصنف هذه الوحوش كعمال مهرة حيث يصنعون الأسلحة الخاصة بالألهة.

أما في الفنون التشكيلة فلم تسجل حالات واضحة باستثناء أعمال منيف عجاج (1968)، الذي أنتج مجموعة من البورتريهات محوّرأ تفاصيل وجه بشار الأسد ومبالغاً بتقاسيمه ليقترب من هيئة الوحش. الأعمال وإن لم  تصنف بالكاريكاتير إلا انها تتقاطع كثيراُ مع هذا الفن من حيث المبالغة في التفاصيل والقسمات.

يجدر الذكر هنا أن الفنان كان قد عمل على هذه الموضوعة سابقاً، كما في عمل «الدكاترة». في هذا العمل يطرح عجاج فكرة الوحش السياسي مزاوجاً بين أربعة أجساد لزعماء عرب سابقين أطاحت بهم الثورات في بلادهم،  فيظهر زين العابدين بن علي ضاماً يده على صدره -حركته المشهورة- إلى جانب حسني مبارك، يليه العقيد معمر القذافي واضعاً يده على  الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح والذي يتميز بلونه الداكن نتيجةآثار الحروق بعد محاولة اغتياله. الأجساد تتداخل مع بعضها، تتشابه من حيث الكروش السمينة  المنتفخة وكأنه وحش بأربعة رؤوس.

تأتي فكرة الوحش تعبيراً عن خيال الإنسان وحاجته لابتكار جسد خارج إطار «العادي»، جسد «غروتيسك» يعكس المتغيرات العنيفة الطارئة في مجتمع ما. لذلك فإنه من غير المستغرب حضور هذه الموضوعة  المميز في المشهد التشكيلي السوري الأن.