مدرسة لا تشبه مدرسة أخرى

 

في لا وعيي، السوري المنشأ، ترتبط عندي المدرسة بساحة معركة. كل شيء فيها مكروه، الكتب وما تحويه هي عبارة عن غرضٍ مدرسيٍ عدو، المريول والبدلة العسكرية ورائحة الرطوبة وعصا الموجه وإسفلت الباحة الذي يترك آثاره على الركب والأكواع بعد الزحفِ عقوبةً جماعيةً على خطأ فردي، كلها تفاصيل معادية خلقتُ لنفسي آليات دفاعية ضدها، واتبعتُ معها سياسة عامة: سياسة الرفض القاطع.

الرفض القاطع للاستيقاظ صباحاً، الرفض القاطع لارتداء المريول أو البدلة، الرفض القاطع لرؤية زملائي ومُدَرِسيّ، الرفض القاطع لاستيعاب حرف أو كلمة تقال في الصف، الرفض القاطع للدراسة في المنزل اللهم إلا ما يجب كتابته أو نقله لحفظ ماء الوجه أمام العائلة. وبالطبع، كان كل يومٍ من أيام توزيع الجلاءات المدرسية أو معرفة نتائج الامتحانات، يوماً أسوداً في تاريخي العائلي.

بالنسبة لي كانت عقوبةً يومية، وكنت لا أفهم أبداً كيف يستطيع الآخرون الدراسة وفهمَ الطلاسم الموجودة في الكتب. عداوتي مع الكتب لم تتجاوز شعارَ الكتب المدرسية، فكلُّ كتاب آخر لا يحمل هذا الشعار هو صديقٌ حقيقي. لكن الكتاب نفسه لو أصبح من ملاك وزارة التربية وحمل شعار الريشة والكتاب الخاص بالمطبوعات المدرسية، تحول فوراً الى عدو أجهله.

للكتب المدرسية رائحة تختلف عن رائحة الكتب الأخرى، فهي مشبعةٌ بروائح صندويشة الزعتر، وأحياناً بزيتها. ولها قوامٌ يشبه قوام صندويشة اللبنة التي تبلَّلَ خبزها بما تبقى من ماء اللبن المجفف، واختمر في الكيس المفتوح والمرمي فوق الكتاب في الحقيبة السوداء النايلونية التي توزعها المؤسسات الاستهلاكية على عموم شعبنا بأسعار رخيصة.

ولباحة المدرسة ذكرى لا تكاد تقترب سعادتها من سعادة ذكرى لحظةِ شقاوة تقضيها في أحد أيام عطلة الصيف الساحرة، لحظةٌ تعيدها دورة الحياة مرة كل سنة، ولمدة ثلاثة أشهر، لتأتي النهاية الحزينة للحياة، والبداية المؤسفة للمدرسة. كانت المدرسة نقيضاً لكل ما هو ممتع، للحرية وانخفاض الرقابة الأسرية، للقدرة على اختيار من تحب والابتعاد عمن لا تريد أن تقابل كل يوم، وأيضاً للطقس الجميل والأوقات السعيدة. لا أستطيعُ تذكر لحظة فرح واحدة مرتبطة باثنتي عشرة سنة من التاريخ المدرسي، في الحقيقة كانت رعباً، رعباً حقيقياً.

لسورِ المدرسة في سوريا هالةٌ تشبه هالة السجن، وغموضٌ يلفُّ جدرانها الكامدة وبشاعةَ صفوفها وقسوةَ جدرانها، ورهابٌ يشبه رهابَ الأفرع الأمنية المشابهة لها في منطق البناء. بينما تتوزع هيبة السلطة فيها بين المدير وأساتذة التربية العسكرية، وأساتذة الديانة، وآذن المدرسة. وهذا الأخير قد لا تتجاوز سلطته ضربَ الطلاب في المراحل العمرية الصغيرة، وتلقي الرشاوى منهم في مرحلة استساغة الهروب.

لكلٍّ من هؤلاء حضورٌ خاص، لكن حضور مدربة التربية العسكرية كان له وقع خاص في عموم استيعابي لمفهوم المدرسة.

مدربة التربية العسكرية، امرأة قوية الصوت والحضور، تستغلُّ رعبَ وقعِ توصيفها الوظيفي على نفوسنا، لتخفي امرأة عادية، اختارت هذه المهنة لأنها الأسهل بين اختصاصات التدريس، لكنها تحمل الامتيازات الاجتماعية للقب «معلمة» نفسها. امرأةٌ تحاول إنهاء حصصها القليلة أسبوعياً، لتسرع إلى منزلها وتطبخ لأولادها الأربعة وزوجها الغاضب دوماً. تماماً كمعلمة الموسيقى، التي لن تستطيع فهمَ شغفكَ بنوعِ موسيقي، ولن تحاول تطوير هواياتكَ البسيطة، وآخرُ ما سَمِعَتهُ من الموسيقى كان صوت بكاء ابنها الصغير حين وقع  وهو يلعب مع أخيه الأكبر. أو معلمة الرسم، التي لا تستطيع رؤية الفن خارج حدود السابع من نيسان أو الثامن من آذار. لذلك تعاقبَ رسمُ طيورٍ سوداء تشكل رقمَ 7 نيسان أو 8 آذار مع علمي سوريا وحزب البعث، على كل أجيال المدارس الحكومية بعد انتصار حافظ الأسد على البلاد.

منعتنا المدرسة من التأقلم مع أجسامنا ومشاعرنا، منعتنا من ارتداء ما نحب، منعتنا من الاهتمام بأنفسنا، ورسّخت في داخل كل منا أنه جندي، جندي في عمر السابعة أو التاسعة أو الرابعة عشرة. جندي مراهق، جندي طفل، جندية تلاحظ أول مرة علائم أنوثتها، جندية لا تستطيع الاهتمام بشعرها الطويل المذهب، جندي في السادسة يحفظ ويردد كل صباح أنه مستعدٌ دائماً لبناء «المجتمع العربي الاشتراكي الموحد» والدفاع عنه. ماذا يعرف طفل عن «المجتمع العربي الاشتراكي الموحد»، إن كان هناك من يعرف عنه شيئاً؟ ولماذا يُقوَّل ويُعهَّد بالدفاع عنه، وهو الذي يحتاج إلى الدفاع عنه من عدوان هذه الإيديولوجيات المريضة التي تسحق خياله وبراءته وعمره الطبيعي؟

في مدارس سوريا، تتعلم في الثانية عشرة أن تحدد أعداءك الطبيعيين: الامبريالية والرجعية والاستعمار، وتتعهد أمام الوطن أن تسحق عدوَّك الأزلي: عصابة الأخوان المسلمين العميلة. وتعيد وتكرر هذا الوعيد كل صباح، حتى يصبح جزءاً من حياتك وتفكيرك ومستقبلك وتفاصيلك اليومية. لكنك في العمق، لا تفهم ما هي كل هذه الكائنات ذات الأسماء المهيبة، التي قدمتَ وعداً بمحاربتها، خاصة حين تضطر يوماً لسؤال أهلك: من هي أداتهم المجرمة «عصابة الأخوان المسلمين العميلة» هذه؟ وتكون الإجابة مبهمةً وغير واضحة عن عصابة من حماة كانت تريد تدمير البلد، لكنها لم تستطع لظروف استثنائية وبطولات مزعومة.

لكنني، كطفلة أو مراهقة، كنت أعتبر العدو مفهوماً صغيراً، أصغر من وطن. العدو كتاب فُرِضَ عليك، العدو جارٌ يزعجك بتلميحات مخجلة حين تمر قربه، العدو سائق سيارة دهسَ طالباً في نهاية الدوام، العدو زميل أو زميلة تتنمر عليك، العدو ابن المدير وعصابته التي شكلها لسرقة أغراض الأولاد الجديدة، خاصة أولائك الأولاد الذين ينتمون إلى طبقات اجتماعية أكثر يُسراً. العدو هو نفسه الولد ابن العائلة الميسورة، الذي يحمل معه إلى المدرسة كل يوم ما يزيد عن مصروفك الشهري.

العدو للطفل، مفهومٌ صغير، مرتبط بتفاصيله اليومية، بأفلام الكرتون التي يشاهدها، بالمفهوم المطلق للخير والشر. لن يستطيع طفلٌ فهم عداء السياسات المحلية مع الإخوان المسلمين أو الامبريالية أو الرجعية أو الاستعمار، ولا يجبُ أن يفهم.

علاقتي بالمدرسة في سوريا تشبه علاقة ناجٍ من مرض عضال، تمر سنين مرضه بسرعة في ذاكرته التي اعتادت على اختصارها وتكثيفها في إحساس سريع يشبه الاشمئزاز و«الحمدلله.. نفدنا»!

في سوريا، حين تحتَّم عليَّ في المرحلة الثانوية أن أختار بين القسم العلمي والقسم الأدبي، كنت قد حسمت خياري مسبقاً، أنا أكره هذا الهيكل المسمى «مدرسة»، لذلك أفضل القسم الذي يحتاج لدراسة أقل ونجاح أسرع. وفعلاً، اخترتُ الفرع الأدبي منذ أن بدأتُ المرحلة الإعدادية. لم تعنِ لي قضية اختيار القسم شيئا يتعدى الرغبة بإنهاء المدرسة في وقتٍ أسرع. لم تكن المدرسة لتستطيع أن تحفِّز نفسي إلى سؤال عن الشغف الذي أريد تحقيقه، والذي ستكون هي وسيلتي له. وبالطبع، كان لهذا الاختيار عواقب اجتماعية متعددة. أنت حين تختار القسم الأدبي لن تصبح طبيباً، لن تكون مهندساً، ولن تحقق هذه الأمنيات التي تكتبها لك معلمتك على هامش وظيفة تصححها لك. كان الجميع يريد أن يصبح طبيباً أو مهندساً أو صيدلانياً. أتذكرُ أننا صعقنا يوماً حين أخبرنا أحد زملائنا في الصف الرابع، «أريدُ أن أصبحَ رئيس جمهورية!». بالنسبة لي كان هذا الولد الأكثر حظاً في العالم، لأنه يملك جرأة أن يقول إنه لا يريد أن يكون طبيباً، وإنه لا يحب البيتزا، الوجبة التي كنا نحلم بها في تسعينات القرن العشرين.

وبالحديث عن العواقب الاجتماعية، تعلّمتُ في المدرسة عقوبة جديدة، تخلط بين التوجيه التربوي والرقابة المجتمعية، إذ كنت أتعرضُ أحياناً للضرب من عصا المعلمة أو من أحجار بعض التلاميذ، حين يذكرنا أحد الأطفال من فاعلي الخير، بأنني ابنة امرأة مطلقة! كانت هذه الكلمة تحفز لاوعياً عنفياً عند المعلمات وظلالهم من الأطفال البريئين، لهذا كان الذهاب الى المدرسة يومياً تسبقه سلسلة من الاحتياطات والتدابير الواجب دراستها لتفادي مثل هذه الحوادث. وربما تكثَفت هذه الذكرى في لاوعيي أنا أيضاً، وارتبطت بكل مدارس العالم. فلا وجود في خيالي المحدود طبيعياً لأية مدرسة لا تضرب أطفالها من ذوي الأبوين المطلَّقين.

أعرفُ أني أبالغ، أعرفُ أن المدارس في سوريا لا تشبه أي منظومة أخرى، وأن المدارس في طرطوس تختلف عن المدارس في دمشق أو حلب، وأن كل نظام مدرسي يتبع تلقائياً لنظام المجتمع المغلق الذي يحيط به. لكنني أعرف أيضاً أنه داءٌ عام، ابتُلي به السوريون بدرجاتٍ متفاوتة.

كان هدفُ المدارس في سوريا تأهيلَ شهاداتٍ جامعية لاحقة، ينال صاحبها بالمقابل وظيفةً مملة أو زواجاً مرموقاً أو نظرة اجتماعية مقدّرة. ليس المهم شغفكَ بقضية ما، ومحاولتكَ تفكيكها والتعمق فيها وخلق فكرة جديدة منها، بقدر ما يهمك الحفاظ على الرتيب في حياتك ومنطق المجتمع الذي يحيط بك.

كما كل شيء في سوريا، كانت المدرسة وسيلة لملء الفراغ الاجتماعي، ولملء الوقت بين أوقات الفراغ الكثيرة.

كما الحياة، تحتاجُ المدرسة تجربةً خارج سوريا لإدراك مفهومها.