المسألة الكُردية في تُركيا بـ«لغة المسألة السورية»

دارَ ويدور في الشمال السوري صراعٌ مسلّحٌ للسيطرة على جغرافيات محلية مُختلفة فيه، وذلك بين قوات حماية الشعب الكُردية YPG وتنظيم داعش مرّاتٍ كثيرة، وبين الأولى وبعض التنظيمات الإسلامية الأخرى في مراتٍ غيرها، وفي أحيانٍ كثيرة بينها وبين بعض القوى المُسلحة المعارضة أيضاً. وأدّت «غلبة القوات الكُردية» إلى فِرض واقع سياسي ذي صبغة سياسية قومية كُردية، وبأدوات وآليات حُكمٍ تسلطية.

فُرِضَ ذلك على عموم منطقة الشمال السوري، ومنها مناطق ذات أغلبية سُكانية عربية واضحة، كمنطقة تل أبيض. حدث ذلك فيما لم تخض هذه القوى الكُردية المُسلحة بالمقابل أي صراع أو صِدام مع القوى العسكرية التابعة أو الموالية للنظام السوري.

منذ ذلك الحين، وتحت تأثير تلك الوقائع، فإن سوء فهمٍ عميق من قِبل طيف واسع من السوريين غير الأكراد، تشكّل حول المسألة الكُردية في المنطقة.

امتدّ ذلك الخلل في وعي المسألة الكُردية، ليمُسّ المسألة الكُردية في تُركيا بالذات، وخصوصاً من قِبل عشرات الآلاف من المُهجّرين السوريين إلى تُركيا. وذلك لأن أغلب هؤلاء المُهجرين مُنحدرون من الشمال السوري، وتأثّروا بشكل أو آخر بسياسات حزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي، والصراع بينه وبين باقي المجموعات المُسلحة السورية، ولأن هذا الحزب الأخير يُعتبر الفرع السوري لحزب العمال الكُردستاني، سياسياً وعسكرياً؛ وبهذا تحولّت النقمة على هذا الحزب، إلى نقمة على حزب العُمال الكُردستاني، وعلى عموم المسألة الكُردية، وبالذات في حيّزها التُركي. ولعلّ مما فاقمَ سوء الفهم، أن خطاب وسياسات حزب العدالة والتنمية التُركي توافقُ ميول السوريين المُهجرين/ المُعارضين/ «السُنة»، وهكذا فإن تعاطفاً وقبولاً ميكانيكاً سريعاً يتشكل من قِبلهم تجاه كل خِطاب وخيارات هذا الحزب السلطوي، ومنها مواقفه وخياراته تجاه المسألة الكُردية في تركيا.

ما سوف تحاول هذه المقالة عرضه، هو تفكيك المسألة الكُردية في تُركيا، باستخدام لُغةٍ وسياقٍ سياسيٍ نظيرٍ للمُجريات السورية، في محاولة فكّ بعضٍ من سوء الفهم هذا.

البدايات

من حيث التاريخ، تنتمي المسألة الكُردية في عموم المنطقة، وفي تُركيا بالذات، إلى الطريقة والنتيجة التي تمت بها تصفية وتوزيع الإرث العُثماني على مُختلف المكونات الأهلية للإمبراطورية العثمانية عقِبَ نهاية الحرب العالمية الأولى، والتي انتهت بهزيمة الإمبراطورية العُثمانية مع دول المحور على يد الحُلفاء.

إذا كان ذلك قد ترافق مع صعود عصرِ القوميات في عموم مناطق الإمبراطورية العثمانية، وبالذات عند شعوب شرق البحر المتوسط، فإن توزيع «الترِكة» على مُختلف أبناء الإثنيات والقوميات تلك لم يكن «عادلاً» تماماً.

توزيع تلك التركة على مُختلف الأقليات كان على أساس معاهدة سيّفر 1920، التي وقّعت عليها الإمبراطورية العثمانية، واعتُبِرَ هذا التوقيعُ الأساسَ الموضوعي لانتهاء العصر الإمبراطوري في المنطقة، وبداية عصر «الدول القومية»، لأن المعاهدة في جوهرها كانت تنص على تخلّي الدولة العُثمانية عن جميع الأراضي التي لا يتحدّث أغلبية سُكانها اللغة التركية، ليُقرر سكانها مصائرهم السياسية. بمعنىً ما، اعتبار اللُغة/القومية هي الأساس الذي يُمكن للكيانات الحديثة أن تستحصل عبره على شرعية التشكيل الكياني الجديد.

لكن ذلك الإقرار لم يكن عادلاً بتاتاً بالنسبة لمُختلف «القوميات العُثمانية»، فالحرب كانت قد حطمت تماماً كُل الوجود الديموغرافي المتواصل لأرمن الإمبراطورية، الذين كانوا يشغلون عموم المنطقة الشمالية الشرقية منها، وكذلك فعلت بحق الآشوريين والسريان. وكذلك نصّت المعاهدة بشكلٍ خجولٍ في ثلاث مواد منها فقط، على أن يتم استفتاء المواطنين العُثمانيين الأكراد على تحديد مصيرهم مُستقبلاً، لكنها اعترفت تماماً بحق أبناء القوميات العربية والتُركية في تشكيل كيانات سياسية حديثة مُعترفٍ بها.

لكن ذلك الخلل النسبي الذي كان في معاهدة سيّفر أنهار تماماً مع اتفاقية لوزان 1923، التي نسخت معاهدة سيّفر بعد ثلاث سنوات من حروب الاستقلال التي قادها مُصطفى كمال، والتي كانت بمثابة الاعتراف الدولي بالجمهورية التُركية الحديثة، وباتَ خللاً تاماً. فقد ألغت هذه الاتفاقية أي اعتراف أو إقرار بوجود شعبٍ كُرديٍ كجماعة إثنية، وحصرت مفهوم الأقلية في الدولة التُركية الحديثة بالمُنتمين إلى المذاهب المسيحية، الأرمن والأرثوذوكس واللاتين.

منذ ذلك التاريخ وحتى الراهن القريب، فإن الدولة التُركية بجميع مؤسساتها وأدواتها ومصادر قوتها، سعت لتكريس مفهوم «الدولة-الأمة». هذه العملية القاسية التي صنعت «تحديث» مُجتمعات تُركيا التقليدية، كانت مُحملة بكثيرٍ من السلوكيات والسياسات الفاشية التي أصرّت على «قومنة» المجال العام والشخصية الاجتماعية للمواطنين. وإذا كانت قسوتها نسبية على المواطنين المُنحدرين من الأرومة الإثنية التُركية، فأنها كانت فظيعة على نُظرائهم الأكراد، لأنها بالضبط كانت تعني أن يتم إلغاء أي بواعث لوجودهم الجماعي ككتلة قومية، بما في ذلك منعُ لُغتهم حتى من التداول في المجال الخاص، وحظرُ نشرِ تُراثهم الجمعي الثقافي أياً كان، بما فيه الاحتفالات العامة والأغاني ووسائل الإعلام، وحتى فرضُ نمط من الزي الشعبي عليهم، وتجريم أيّ سعي من قِبل أيّ منهم للتعبير أو النشر أو القول بوجود «ذات جمعية كُردية» متمايزة عن نظيرتها التُركية.

طبعاً ترافق كُل ذلك مع استخدام أفظع أشكال العقاب العام العنيف بحق جميع المحاولات الساعية لتغيير تلك المعادلة، وصلت حد القتل العام في الثورات التي اندلعت بين عامي 1925-1937، ومن ثم التغيير الديموغرافي لجغرافيا المناطق الكُردية في العقود الأحدث للصراع، عبر حرق آلاف القُرى الجبلية تحت تُهمة إيواءها للمقاتلين الأكراد، حيث هُجّر قُرابة عشرة ملايين منهم إلى المُدن الداخلية التُركية الكُبرى، وتحولوا لمادة عُمّالية رخيصة الأجر، وعلى ظهورهم صعدت الصِناعة التُركية منذ أواسط الثمانينات. وفيما شهدت تلك المُدن التُركية أعلى درجات تنميتها الشاملة، كانت المناطق الكُردية تشهد نكوصاً تنموياً متعاظماً.

بمعنىً ما، ثمة جوهر أولي ومصدر تكويني للمسألة الكُردية في تُركيا يجب أن يبدأ به التفكير والحديث وخلق الموقف الأخلاقي والسياسي والثقافي تجاهه، وهو مُطابقٌ تماماً لما يفرضه الحسّ الأخلاقي والثقافي لوعي الـ«المسألة السورية».

يميلُ النظام السوري وأدواته الثقافية والإعلامية دوماً إلى تفسير المُجريات السورية بالتفاصيل الثانوية، واعتبار تلك التفاصيل بشكل غير منطقي مصدراً لجوهر المسألة، كالحديث عن التيارات الإسلامية المُتطرفة، أو سوء أحوال المعارضة، أو سلوكيات بعض الميليشيات المناطقية، وربما فظاعاتها. ليتم بذلك تغييبُ ما هو «أولاً» في المسألة السورية، النظامُ الاستبدادي الحاكم، الذي احتكر كُل شيء عام، وحظر على ملايين السوريين لأكثر من نصف قرن أي محاولة للانتظام أو التعبير، واستخدمَ كُل قوة الدولة وأدواتها ومؤسساتها من أجلِ فئةٍ حاكمة صغيرة، وفوق ذلك عملَ لعقود على احتكار الدولة بكامل مشاغلها المادية والمعنوية، وصادر مفهوم الشرعية لنفسه فقط، ووضعَ عشرات الآلاف من الشُبان السوريين في السجون لعشرات السنوات، فقط لتمردهم على القسمة غير العادلة التي صكّها وحده، وعاقب بعض بؤر التمرد بالتحطيم الجماعي الكامل، كما في حماة وباقي المُدن السورية التي شهدت أحوالاً مشابهة.

كما أنه لا يمكن بالمنطقِ و«ميزان العدل» القفزُ على كل السيرة التي هي مصدر كل ما يجري راهناً في سوريا، فإنه لا يُمكن أيضاً القفزُ على سيرة أحوال الأكراد في الدولة التُركية منذ نشأتها وحتى الراهن، وتحوير المسألة وكأنها «مسألة حزب العُمال الكُردستاني» وممارساته، أو وكأنها متعلقة بـ«الميول السياسية للأكراد في تُركيا».

لا أقصدُ هنا عدم نقد وتفكيك ممارسات هذا الطرف أو ذاك، بل أعني الحفاظ الدائم على وعيٍ وجداني/معرفي، بأن جوهر المسألة متعلقٌ برفض الدولةِ الاعترافَ بوجودِ شعبٍ متمايزٍ عما تُريد هي فرضه.

الإصلاح والتغيير

لكن ثمة طيفاً واسعاً من السوريين، من شريحة من المتعاطفين مع الثورة، يقرّون بحقيقة تلك الأهوال التي جرت بحق الأكراد في تُركيا طوال قرنٍ كامل، لكنهم يستخدمون ذلك الإقرار لمنحِ حزب العدالة والتنمية قيمةً مُضافة، والقول سريعاً: «لكن كُل شيء تغير مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى سُدّة الحُكم، وتقريباً لم يعُد ثمة مسألة كُردية في تُركيا!!».

يقصدون بـ«كُل شيء» مجموعة الخطوات التي اتخذتها مُختلف حكومات العدالة والتنمية منذ ثلاثة عشر عاماً، والتي يمكن حصرها في ثلاث:

1- اعتراف زعيم حزب العدالة والتنمية عام 2005 بوجود الأكراد، ووجود «مسألة كُردية» في البلاد.

2- السماح بالتداول والنشر والتعليم باللغة الكُردية، لكن فقط في المجال الخاص.

3- افتتاح قناة تلفزيونية حكومية باللغة الكُردية.

ببساطة يُمكن تفكيك ذلك الـ«كُل شيء»، وكيف أنه تقريباً يعني «لا شيء» بالمعايير الحقيقية للديمقراطية المُدعاة من قبل هذا التيار السياسي «يمين الوسط/الإسلامي».

فالاعترافُ يُفترض أن يعني أن آليات وسياسات مُضادة ومتباينة مع التي كانت طوال سنوات النُكران يجب أن تبدأ، وأن تؤثر على سياسات السُلطة ومؤسسات الدولة التركية. لكن ذلك لم يحدث، ولم يكن سوى اعترافاً رمزياً، وكُتلةً من الوعود الرمزية البراقة عن الأخوّة والمصير المشترك، لكسب أصوات ملايين الناخبين الأكراد لصالح هذا التيار السياسي وطموحه بالتحول إلى «حزب الدولة»، بعدما بقي خصمه حزب الشعب الجمهوري لقُرابة قرن كامل يحتل تلك المكانة.

المؤشر المركزي لنعتِ ذلك «الاعتراف» بأنه «مخادعة»، هو عدم قبول حزب العدالة والتنمية إنهاءَ الصراع المسلح عبر التفاوض، رغم ادعاءه بذلك. فأكثر من عقد كامل، ورغم تقديم المتمردين الأكراد كثيراً من أشكال «التنازل»، كالانسحاب من الجغرافيا التُركية، والإقرار بوحدة كيان الدولة التُركية الأبدي، وعشرات الإعلانات لوقف إطلاق النار من طرف واحد، واعتبار البرلمان منصة للتفاوض مع النواب الأكراد؛ إلا أن شيئاً ذا معنىً لم يُقدّم من قبل السُلطة الحاكمة، وبقيت ترى المسألة مُجرد ملف أمني، يتولاه ضُباط الاستخبارات داخل الغُرَفِ المغلقة، بحثاً عن حلول جزئية مناطقية فحسب، ودون اعتبار الآخر «الكُردي» ذاتاً ومكوناً سياسياً يجب التفاوض معه، بل مجرد طرف أمني يمكن حواره ليترك سلوكه «المتمرد».

أُليسَ في ذلك ما هو مُتطابق مع ما مارسه النظام السوري مع المُتمردين عليه منذ أول الثورة، ألم يعترف منذ البداية بوجود «مسألةٍ ما»، تتعلق بالفساد وغياب الشفافية وسوء الإدارة!!. ألم يرفض فيما بعد أي اعتراف بجوهر المشكلة، دون أن يُقدم أي رؤية شمولية للمسألة ترى هؤلاء «المُتمردين» انعكاساً لخلل بنيوي في النظام السياسي وشكل الدولة، وبذلك رفض أن يتفاوض معهم على أساس أنهم طرف، بل حصرَ مفهوم التفاوض بمنطق الحوار، محولاً نفسه إلى ذاتٍ عُليا أبوية تشغل مقام الدولة، فيما المتمردون مجرد مواطنين أخذهم الهوى لحظة ما، ويُمكن حل ملفاتهم بشكل جُزئي ومناطقي، وقد يصل الأمر حدّ الغُفران لهم أحياناً أُخرى!!.

طبعاً لا مُطابقة بالتمام بين النظام السوري ونظيره التُركي، لكن ثمة شبهاً غير قليلٍ بينهما في النهاية. وكما أن البنية المركزية في النظام السوري قائمةٌ على جوهر سُلطوي طائفي مركزي واضح ومُتماسك، يُعاملُ الآخرين بقسوة وأبوية وفوقية لا تقبل أي إقرار بوجود خلل جوهري في هويته ومنطقه وعقله الباطن، فإن الأمر نفسه ينطبق على «بنية الدولة» التُركية وهويتها وذاتها المُتماسكة وطريقة تفاعلها وتعاملها مع الرافضين لهذا الجوهر، وإلا فما هي دلالةُ الإصرار على الثلاثي الثابت من قبل سياسيي حزب العدالة والتنمية في كُل إطلالتهم الإعلامية والسياسية «وطن واحد، علم واحد، لُغة واحدة»؟ أليسَ ذلك مواجهةً مُطلقةً لأي طموحات قومية كُردية؟

الأمرُ نفسه يتعلق بالسماح بالنشر والتداول والتعليم باللغة الكُردية، فصحيحٌ أن هذا الأمر يُعد تحولاً بالمقارنة مع السلوكيات الفاشية التي كانت في عقود سيطرة العقيدة الأتاتوركية القومية، لكنه بالمقابل يبقى شيئاً في الحيّز الخاص، أي أن الأكراد قُبِلَ بهم كأفراد، وفقط كذلك، ولم يتم قبولهم كجماعة إثنية مؤسِّسَة للكيان التركي.

فالحق الذي مُنِحَ هو الحق بالتعلُم، وليس حق التعليم، أي أن الدولة لا تتكفل بتدريس اللغة الكُردية كلغة وطنية في البِلاد، وتعلّمُ اللغة الكُردية لا يستتبعه أي إغراء، لأن هذه اللُغة ليست لُغة رسمية، ولا تُستعمل في دوائر الدولة والحيز العام، وتعلّمها لا يحمل قيمةً مُضافة في الحيز المادي، ولا حتى في السلّم الاجتماعي للمُتعلمين، لأنها تبقى فقط شبيهة بـموهبةٍ خاصة، على العكس تماماً من اللغة التُركية وآدابها وثقافتها، حيث التمكن منها هو شرطُ الصعود في الحياة العامة، وتطوير مستوى الدخل، والصعود الاجتماعي والوظيفي.

بمثالٍ توضيحي، فإن قبول اللغة الكُردية في تُركيا الراهنة يشبه تعلم لُغة الأوردو بالنسبة للباكستانيين في بريطانيا، لغةٌ في الحيز الخاص وبتنظيمٍ من المؤسسات الخاصة، يستعملها المهاجرون للإبقاء على الروابط الثقافية مع مكان القدوم، تلك التي تضمحل وتذوب بالتقادم بالنسبة للأجيال الأحدث. أي أن قبول النظام السياسي التركي الحديث في تُركيا للكُردي، لا يتعدى قبولَ الأنظمة الديمقراطية بالمهاجرين كأفراد.

بمستوىً نظير هي القناة التلفزيونية الحكومية الوحيدة باللغة الكُردية، ففضلاً عن نشرها كامل قراءة الدولة/النظام الحاكم عن المسألة الكُردية سياسياً وتاريخياً، فإنها تملك رؤيةً بعينها للشخصية الاجتماعية الثقافية الكُردية. فكُتلة البرامج المعروضة تحصر الكُردي بين الشخص الموسيقي أو الشخص المُتدين، برؤية وقراءة شبه استشراقية عن الشخصية الكُردية؛ وبالمُحصلّة يتم استبعاد الفرد الكُردي السياسي، بأيديولوجيته وتطلعاته وخياراته وخطابه المُخالف لما يراه الحزب الحاكم.

مجموعُ ذلك القبول موافقٌ لما قبل به النظام السوري لمعارضيه السياسيين على خجلٍ طوال السنوات التي عرض نفسه فيها كنِظامٍ إصلاحيٍ يملك رؤيةً لمصلحة البلاد. فتداولُ اللُغة السياسية المُختلفة عن خطاب النظام العام سُمِحَ به في مساحاتٍ خاصة بالغة الصغر والحصر «المنتديات السياسية»، ما لبثت أن أُغلقت تماماً حين استشعر النظام خطرها. وبعض المجال أُفسِحَ للمعارضة السياسية، من خلال التقليل من حملات الاعتقال العامة التي قد تودي بالمعارضين السلميين إلى عشرات السنوات في الاعتقال. ولم تشرعن بشكلٍ علني أي نشاط رسمي للمعارضة، فلم يتم تغيير أي قانون أو دستور، ولا حتى رخَّصَت حزباً سياسياً، أو أقرّت أي اعترافٍ بمسؤوليتها التاريخية عن أحوال البلاد.

كذلك كانت المؤسسات الخاصة التي قبل النظام الحاكم أن تُستحدث في السنوات الأخيرة، فالإعلاميةُ منها كانت أشدّ تقريعاً لمعارضي النظام السياسيين، وكانت تُدافع عن سياسة وخطاب النظام أكثر مما كانت تفعله مؤسسات النظام الإعلامية نفسها، وخاضت جميع معارك النظام الإعلامية في السنوات الصاخبة، وكأنها جزءٌ عضوي من تكوين النظام الداخلي. وكذلك كانت المؤسسات الخاصة الاقتصادية واجهةً لتمدد الجيل الأحدث من أبناء السُلطة الحاكمة، وأداةً لإعادة تدوير الأموال التي تمّت مراكمتها من عمليات الفساد المفتوح منذُ عقود كثيرة.

الأمر نفسه ينطبق على عملية الخصخصة المُستبطنة للتعليم العام، من خلال فتح المجال واسعاً للدورات الخاصة، والسماح بإنشاء مدارس خاصة لأبناء «الصفوة» المعزولين تماماً عن الحياة العامة. الأمر نفسه ينطبق على تخلي النظام عن إيديولوجيته العامة، وطرح شعارات جديدة مثل سوريا أولاً، حيث المُراد الأعلى من عمليات التباين المُدّعاة كُلها مع الماضي، هو فقط إعادة تغيير المناخات لإعادة تثبيت السُلطة نفسها، برجالاتها وطبقاتها الاجتماعية نفسها.

طوال ذلك بقيت الدولة ومؤسستها وقوتها وأجهزتها القمعية والدفاعية، بقي الاقتصاد وبقيت المؤسسات البيروقراطية مُحتَكَرة في يد طبقةٍ ومركزٍ بعينه، يستطيع استخدامه بالطريقة والسلوك الذي يريده.

العلاقة مع الخارج

صحيحٌ أن الحركة القومية الكُردية، وعلى رأسها حزب العُمال الكُردستاني، تملك شبكة من العلاقات الوطيدة مع كثيرٍ من الدول الإقليمية والدولية المناوئة لتُركيا، وعلى رأسها إيران وروسيا والنظام السوري، وأنها تستخدم ذلك في تقوية قدراتها على مواجهة الدولة التُركية.

وصحيحٌ أن ذلك يُعدّ إخلالاً بـ«الروح الوطنية» لأي دولة كانت، فلا يجوز لأي طرف أن يتحالف ويتواصل مع كيانات وقوى سياسية مناوئة لدولته. لكن ذلك يصحّ فقط فيما لو تمت قراءة المسألة دون أي ذاكرة سياسية، وتم الإقرار بأن الدولة والنظام السياسي الحاكم صالحٌ تماماً، ولا يحمل في جوهره أي مُعضلة وخلل مركزي، وأنه يتصرف كدولة بشروطها وضوابطها.

لماذا يحق للدولة أن تستخدم خارج القانون العام الواضح والمُعلن آلياتها لعقد اتفاقيات مُخابراتية مع دول الإقليم لعشرات السنوات، بهدف القضاء على التطلعات القومية الكُردية في كل دول المنطقة، وأن تمارس في الخفاء كُل ما تستطيعه في سبيل ذلك، وأن تعتبر التطلعات القومية الكُردية معادية لها أياً كانت، حتى لو كانت خارج حدودها، وتجهد في سبيل تحطيمها. وكذلك أن تُشغّل شبكة أدواتها لتحطيم المُجتمع الداخلي الكُردي بوعيٍ تام، إن من خلال خلق آلاف المُسلحين الموالين لها من خارج القانون العام «شبكة حُراس القُرى»، والحفاظ على طبقة الملالي وزعماء العشائر الموالين لها، وغض النظر عن سلوكياتهم الرعناء تجاه المُجتمع الكُردي. وأن يصل الحد بها أن ترعى وتدير شبكات من المُتطرفين المُسلحين في المُجتمع الكردي، كان آخرهم تنظيم «حزب الله» في أواسط التسعينات، الذي أفزعَ المُجتمع الكُردي تماماً، وأقترفَ آلاف جرائم القتل بحق الشُبان والمتعلمين والمثقفين والسياسيين الكُرد، بشهادة العشرات من رجال الدولة التُركية، وقبلهم تنظيم «الدولة الخفية/الأرغنكون»، وراهناً تنظيم «فتح الله غولن»، وثمة ما لم يُكشَف.

يُذكرُ ذلك كأمثلة، وثمة ما يضاعفها من النماذج والسلوكيات، حيث الدولة فيها ليست متطابقة مع جوهرها الدستوري والقانوني كسُلطة عامة ومجردة في مواجهتها مع تمرد الحركة القومية الكُردية، بل هي أقرب ما تكون لجهاز أو تنظيم عسكري أمني، تملك حقاً مفتوحاً في ممارسة ما تراه مناسباً لقمع التطلعات القومية الكُردية، دون أي رادع قانوني ودستوري، ودون أي انضباط بهوية الدولة وشروطها.

عندها فقط يُمكننا وعي أنه ثمة طرفان متساويان في الهوية والسلوك والانتظام، وأنه لا يُمكننا أن نمارس نقداً موضوعياً تجاه أحدهما إذا اعتبرنا الآخر أداة القياس و«الصلاح» التي ينبغي التماهي والتطابق معها.

هذا الشيء، بعموميته، يوافق ما تطرحه السُلطة السورية تجاه معارضيها السياسيين الذي مالوا إلى التسلح والدفاع عن النفس في آخر المطاف، فهي تعتبر نفسها الدولة ومركز «الصلاح العام» وتنعت هؤلاء بأنهم خارجون عن القانون ومتمردون على النظام العام وعُملاء للخارج، دون أي اعتبار لماضيها «ماضي النظام/السُلطة الحاكمة» وسياساتها وقراراتها التي أوصلت هؤلاء «المُتمردين» إلى  الإقدام على مثل هذه السلوكيات، ومن طرف آخر دون الانتباه إلى أنها كسُلطة أقرب ما تكون في هويتها وسلوكياتها إلى شكل عصابة مُسلحة، منه إلى أي شكل من أشكال الدولة وهوياتها وممارساتها.

 الحل

لا يُمكن أن توضَع تصورات مُختصرة لمُعضلة تمتد جذورها لقُرابة قرن كامل، بما فيها تلك الحلول النظرية المُحقة التي يُراد منها الباطل، كالقول «الديمقراطية هي الحل»، إذ كيف يمكن لكُتلة سياسية لا تستطيع أن تُحرز أكثر من ثلاثة عشرة بالمائة من أعضاء البرلمان أن تحقق مُكتسبات سياسية نوعية، في وقت تختلف فيه باقي الكُتل السياسية على كُل شيء، وتتفق على جوهر المسألة الكُردية، وعدم منح الكُرد أي شيءٍ نوعي.

إذن كما هو الحال في سوريا بالضبط، يجب أن يحدث تغييرٌ نوعي في جوهر هوية الدولة/النظام الحاكم، ويتحقق شيءٌ واضح من العدالة النسبية، تكون الدولة فيه حيادية تجاه هويات المواطنين المنتمين لأرومات إثنية مختلفة، وأن يُعتَرَفَ بأن تُركيا دولة مُركبة من أكثر من عنصر هوياتي/ثقافي إثني وطائفي ومناطقي، وأن مفهوم الدولة الأمة ليس سوى المبرر والأيديولوجيا العُليا للاستبداد.

***

يُقالُ كُلُ ذلك في محاولةٍ لفكّ سوء الفهم ومحوه بالنسبة للسوريين، لأنهم وحدهم كانوا طوال سنوات كثيرة، تسبق سنوات ثورتهم بكثير، وتكثّفت تماماً مع ثورتهم، كانوا أكبر ضحايا سوء الفهم من قبل الآخرين لمسألتهم وحقهم في نيل الحرية والعدالة والاعتراف، لذا لا يجدر بهم أن يغلبهم سوء الفهم حيالَ القضايا التي تشبه قضيتهم.