التعديل عند الشدياق: السياسة وأفكارها في زمن الاستعمار

في إحدى مقالاته القصيرة في جريدة الجوائب سنة 1869، كتب المفكر المشرقي أحمد فارس الشدياق: «ستنعقد جمعية علمية في مجلس المعارف العمومية لترجمة الكتب المفيدة من جميع اللغات، وقد نُشر ما يتعلق بها من القوانين والترتيب في تقويم الوقائع، وبذلك يترجى تعميم المعارف في الممالك المحروسة. وهل ذلك مستلزم لترتيب أحوال الآستانة، ولتخفيف ما يعانيه المقيم بها من الجهد والتعب والنفقات الرابية فيه»1.

ربطَ الشدياق في هذه المقالة الصغيرة بين قرارٍ إداري لدعم عمل الترجمة، وبين الأوضاع المعيشية الصعبة للمواطن العادي في اسطنبول في القرن التاسع عشر. في مقارنته غير المتوازنة بين الترجمة كعمل ثقافي هامشي، وبين صعوبة الحياة اليومية للناس، يفتحُ الشدياق أسئلةً عن علاقة الثقافة بالمجتمع، ويحسمُ النقاش حول سطحية عمل الترجمة في مجاراة الوضع العام للبشر.

الموضوعُ يهمنا اليوم، لأنه ارتبطَ عند الشدياق في ذلك الزمن، بإنتاج فكرٍ سياسي يتيح لمجتمعه الشامي اللبناني، إعادة النظر في بعض المصطلحات السياسية المترجمة من الغرب2. هذا الموضوع في جوهر الثورة في سوريا والمجتمعات العربية الأخرى، وأتناوله اليوم كمادة بحث تاريخية تسمح لنا بالنظر في موروثنا الفكري، وتعطينا أرضية صلبة للمساءلة الذاتية في ثقافتنا الموروثة، خاصةً فيما يميز بعض المصطلحات السياسية المتداولة على مدى قرنٍ ونصف.

تبقى الديمقراطية كمفهومٍ سياسيٍ منقولٍ من الغرب، وتحديداً من أدبيات الثورة الفرنسية، من أهم المفاهيم الفكرية التي أثّرت في الشرائح العامة في المجتمعات العربية، وخاصة الشريحة الثقافية الليبرالية التي كانت تنشدُ الحداثة. لم تتمكن هذه الشريحة من استلام زمام الحكم إلا على نطاقٍ ضيق في بعض الحالات الاستثنائية، وذلك يتطلب منها قبل غيرها إعادةَ النظر مجدداً في المفاهيم والأفكار السياسية، ومنها فكرة الديمقراطية كفكرة مترجمة من الغرب، الذي بدوره نقلها عن الحضارة الإغريقية القديمة. ولذلك فإن الرجوع إلى الأيام الأولى لدخول مصطلح الديمقراطية إلى اللغة العربية، يسمح برسم خارطة تاريخية عن المفاوضات المعنوية والثقافية التي أتاحت لهذا المفهوم أن ينجح في الأوساط الراديكالية العربية. ولأن الشدياق مختلفٌ في أسلوب تعامله مع هذا المفهوم، وفي طرحه مفهومَ التعديل كفكرة سياسية أكثر ملائمة للأوضاع السياسية في عصره، أعودُ اليوم لأقرأ كيفية تعامله مع مفهوم الديمقراطية.

بالبحث في فكرة التعديل، يمكن طرح منهجية سياسية تعتمد على التاريخ، بغية خلق مفاهيم فكرية سياسية تتماشي مع آمالنا بنهجٍ يمكن له محاربة الطغيان السياسي، دون أن يقع في مطب السلفية ومشكلاتها التاريخية.

المشكلة كما حددها الإسلاميون الذين انخرطوا في صفوف الثورة، تتعلق بمفهوم الديمقراطية، فهي من وجهة نظرهم مفهومٌ غربيٌ تابعٌ للمنظومة السياسية الاستعمارية، ولذلك يجب رفضه وتفريغه من فحواه الزمني. وهكذا فإنه لا حاجة بالنسبة للفكر السياسي الإسلامي لترجمة الديمقراطية، ما دام عندنا في تاريخنا ما هو أفضلُ منها في مفهوم المبايعة.

المبايعة كالديمقراطية تعتمد، نظرياً على الأقل، على إجماعٍ شعبيٍ في تنصيب حاكم سياسي، ولكنها ليست كالديمقراطية من ناحية أنها تتوقع بقاء الحاكم حتى مماته، وحتى أنها في تاريخها الفعلي أدت إلى توريث السلطة للابن أو الأخ أو أحد المقربين من الحاكم المتوفى.

الديمقراطية بطبيعة الحال تعمل على أساسٍ زمنيٍ محدد، يجعلها تتحكم بمدة مكوث الحاكم بمنصبه. والديمقراطية تحدد ولاء الشعب بالمنصب، وليس بشخص الرئيس أو بشخص أحد أفراد عائلته، كما أنها تسمح نظرياً لعامة الناس بالطموح في منصبٍ سياسيٍ مرموق.

عن دخول الديمقراطية إلى القاموس العربي العثماني

يعود مفهوم الديمقراطية في اللغة العربية إلى منتصف عصر النهضة، و له رافدان أساسيان، الأول يعودُ إلى كتاب «تخليص الإبريز في تلخيص باريس/1837»  لرفاعة رافع الطهطاوي، والثاني عثمانيُ اللغة، نُشِرَ في مقالة بجريدة أسبوعية سنة 1870. لكتاب الطهطاوي أهميةٌ سياسية تاريخية وقانونية، لاحتوائه على ترجمة الدستور الفرنسي الذي تضمن تعريبَ الكاتب لعددٍ من المصطلحات السياسية المتداولة بيننا اليوم3.

ما لا يلتفت إليه الباحثون، أن الطهطاوي كان قد قرر أن يترجم أقل دستورٍ تحرري أنتجته الثورة الفرنسية، وهي ثورةٌ قد عدّلت الدستور في خلال مائة سنة أكثر من ثلاث عشرة مرة. فالطهطاوي كان يعمل في ذلك الوقت لدى حاكم مصر محمد علي باشا، وقد تتلمذ في فرنسا على يد المستشرق سيلفستر دي ساسي، الذي كان مناهضاً للثورة. وأما هذا الدستور فإنه يعود إلى سنة 1814، وكان نتيجة خسارة نابوليون ونفيه الى كورسيكا. لقد كان دستور سنة 1814 محاولةً لنقض وإلغاء إنجازات الثورة، وإعادة تنصيب الطاغية «البوربون» باتفاقٍ مع الدول الأوروبية الكبرى.

لا براءة في اختيار الطهطاوي هذا الدستور تحديداً، لأن الطهطاوي كان بوسعه أن يترجم دستور 1830 الذي أطاح بالبوربون ومعه المادة المتعلقة بأبدية الرئيس الحاكم، ولكن الطهطاوي فضّل أن يلخّص دستور1830، ويفرّغه من انتصارات الثورة، فهو إذن كما يردد الباحثون، كان قد عرّب وترجم وأوجد مفرداتٍ سياسية مهمة تبنتها الدول العربية الحديثة كعمادٍ للسياسة والنظام، ولكن في إطارٍ إصلاحي هرمي يعوّل على الملك في مفهومه للدولة الحديثة.

أما في اسطنبول، فقد دخلت فكرة الديمقراطية إلى اللغة العثمانية مع مقالة لعلي سوفي (1838-1878) في الجريدة الأسبوعية «علم غازيتسي» سنة 1870، يطالبُ فيها بتحوّل الدولة العليّة إلى ملكية دستورية، أسوةً بما قرأه وعايشه من فضائل الثورة الفرنسية على تحسين حياة الناس4. وهنا أيضاً نجد أن المترجم لا يولي أي اهتمام للأفكار القادمة من الغرب، وحجم تأثيرها الضئيل عملياً، في المجتمعات العثمانية.

بالمقارنة  مع هذين الحدثين في تاريخ نقل فكرة الديمقراطية إلى الشرق، ميّز الشدياق نفسه بوعيه العميق بإشكالية الترجمة في عصر الاستعمار الحديث.

التعديل وسياسة رفض التعريب عند الشدياق

كان الشدياق في اسطنبول عندما طرح التعديل كفكرةٍ سياسية حديثة، هدفها تعميم المساواة بين أفراد الشعب وتقوية الدولة العليّة في وجه الاستعمار. وتشكّلَ معنى هذه الفكرة في مقالة كتبها، اتهمَ فيها الترجمة بضرب القوة الإنتاجية الفكرية في المجتمعات العثمانية.

كان الشدياق قد رفضَ ثقافة الترجمة السائدة في عصره، وذلك لأنه كان يعتبر الترجمة عملاً تجارياً يغرق اللغة العربية بأفكار ومفردات ومنتجات ثقافية غربية، من دون أن يصدّرَ كميةً مماثلةً من الأفكار والمنتجات العربية إلى الغرب. هذا ما جعل  الشدياق يطرح مفهوماً مغايراً عن تعريب الديمقراطية، والجهد في إنتاج مفهومٍ منبثقٍ من الثقافة العامة في مجتمعه.

الحقيقة أن الشدياق كان أيضاً واحداً من مترجمي هذا المفهوم، ولكن ترجمته بقيت على التقويم الهجري إذا صح القول، تنظرُ بعين المثقف العضوي الذي رفض أن ينسلخ بالكامل عن الجذور الثقافية والتاريخية لمجتمعه. وكان من أحد أبرز روّاد النهضة، ومن أهم كتّابها نقديةً واجتهاديةً في بلورة الفكر الحداثي العربي. واكبَ التحولات الكبيرة التي طرأت على المجتمعات العربية بعد انخراط العثمانيين في الاقتصاد الرأسمالي، وتزامنَ هذا التحول الاقتصادي مع بروز المطامع الاستعمارية الأوروبية، خاصةً بعد استعمار الجزائر سنة 18305، واستقلال مصر تحت حكم محمد علي باشا سنة 1800، ناهيكَ عن الحروب المتواصلة على السلطنة العثمانية من اليونان وروسيا والدول الغربية، التي كانت قد أضعفت المكانة السياسية للعثمانيين وأغرقتهم في الديون.

كان الشدياق مواكباً لهذه المنعطفات السياسية، وأحد أبرز المفكرين بأبعادها المختلفة على المجتمعات العثمانية، وكان الابتعاد عن الترجمة كأداةٍ للإنتاج الفكري السياسي من أهم أفكاره في تلك الأيام، إذ اعتبرَ أن الترجمة تسرّع من العملية الاستعمارية للأرض كما للسوق الذي كان يغرقُ بالإنتاج الغربي، ونشرَ جميع أعماله في الفترة التي تلت معاهدة «بلطة ليمان» بين الدولة العثمانية والحكومة البريطانية سنة 1838، وتعدّ هذه المعاهدة من أوائل المعاهدات الاقتصادية التي أدخلت المنطقة في ما يسمى بالاقتصاد الحر. وربما لهذا كان يوازي دوماً الترجمة بالتجارة، ويعتبرُ الأعمال المترجمة مشابههً للسلع الاستهلاكية ذات القيمة البالية.

في الاقتباس الذي بدأتُ به مقالتي، كان التعاون التجاري قد اتخذَ شكلَ دعم الدولة العثمانية للترجمة بوصفها الوظيفة الأساس لإنتاج المعرفة على الصعيد المحلي، ولهذا اعترض الشدياق، الذي لم يرَ دعماً سياسياً واقتصادياً مماثلاً لوظيفة التأليف، التي هي الوظيفة الأهم والمستدامة لتفعيل التطور والتمدن. الترجمة كانت منافسةً للتأليف في سوق الأفكار، وكان الشدياق يعتبر نفسه مؤلفاً مهنته تقاسُ بقدرته على التخيّل والاجتهاد، ولذلك قام بإنشاء إحدى أولى الصحف العربية «الجوائب»، حيث جهدَ في إيجاد واختراع مصطلحات سياسية جديدة، يعبّر فيها عن الوضع السياسي المتردي في بلاده.

في هذه الصحيفة نرى التنافس بين الترجمة والتـأليف بوضوح، حيث كان الشدياق يترجم أسبوعياً من الصحافة الغربية كما تفعل الصحافة العالمية اليوم، ولكنه في العدد نفسه كان يزدري الترجمة، وأحياناً على الصفحة نفسها. كما كتب عن وظيفة الصحافة في العصر الحديث، أن المفهوم الأوروبي للصحافة يعتمدُ على مفهومٍ سياسيٍ يفرّق بين «الطُرُق»، أو ما نسميه اليوم «الأحزاب»، ولذلك فكل صحيفة كان لها خطّها الحزبي المعروف:

«من عادة كتاب الجُرنالات بأوروبا أن يلزموا طريقة معلومة من طرائق السياسة فيُعرفوا بها وتكون لهم شعاراً, فبعضهم يُعرف مثلاً بأنه يحب التغيير والتبديل في سياسة الدول، حيث ينتج منه فائدة عمومية للناس، وبعضهم يرومه على أي وجه كان، بناءً على ما جُبِلَ عليه الإنسان من حب رؤية الجديد، وبعضهم يروم بقاء كل شيء على حاله... والجوابُ أن الجوائب من جميع هذه الطرق، ما بين أحدها أن تكون مقتصدة في جميع أمورها، بقطع النظر عن كونها جمهورية أو ملكية (ولكن) أن تكون الدولة الإسلامية عزيزة الشأن شرقاً وغرباً، حتى تكون قادرة على وقاية نفسها وحفظ حقوقها من دون الاستعانة بالأجانب على ذلك... ولهذا نقول إن هذه الجُرنالات التي تشيع أخبار فتح قناة السويس الرجوية، فتح باب الرزق على جميع الأمم، باعثاً على تشظي عصا الإسلام وعلى سفك دماء ألوفٍ من أهله»6.

وهكذا فإن الشدياق رأى تحت وطأة الاستعمار، أن هذه الأحزاب السياسية الأوروبية قد اتحدت في تعاملها مع العالم الموجود خارج حدودها، وأنها تدعم الاستعمار، ولذلك حدّد أن مهمة صحيفته تكون بمناهضتهم. فإذا كان ممكناً للصحف الأوروبية أن تكون جمهوريةً أو ملكية, أو أن تؤيد التداول الديمقراطي للحكم أو تفضل الحاكم الأبدي، فصحيفته التي تصدر من اسطنبول كانت تتبع الطريقة المناهضة للاستعمار، وذلك لأنه كان يعتبر أن الاستعمار أخطرُ على السلطنة العثمانية من عدم وجود أحزابٍ سياسية، فالمفاضلة بين الجمهورية والملكية هو سؤالٌ أوروبي لم يتبرع الشدياق بترجمته لقرائه.

بإيحائه أنه غير معنيٍ بترجمة أفكارٍ سياسية أوروبية، كان الشدياق يبلور مفهوماً للسياسة داخل أطرٍ لغويةٍ وجغرافية محددة. هذا الموقف يشبه تطوراتٍ كانت تحصل في أوروبا في الوقت ذاته، حيث أن ترجمات الأفكار السياسية توقفت بين اللغات الأوربية الأساسية بعد سنة 1800 كما يقول المؤرخ الفنلندي كاري بالونين7. كان التوقف عن الترجمة بين الأوربيين قد رافقَ اندلاع الثورة الفرنسية، التي أدخلت مفهوم الديمقراطية كمفهومٍ يعتمد على نشاطٍ زمنيٍ قائمٍ على تغييرٍ دوريٍ للعاملين في السلطة، وعلى إطارٍ يحدد فضاء هذا النشاط. فالتوقف عن الترجمة أعطى السياسيين والمثقفين الأوروبيين المجال للنظر بالشؤون الداخلية لبلدانهم كخطوةٍ أولى للتفاوض على السلطة، والحؤول دون الحاجة للثورة كطريقة وحيدة للتغيير السياسي.

للأسف لا يدرس بالونين علاقة الديمقراطية بصعود النزعة الإمبريالية لدى هذه الدول الأوروبية الصغيرة، ولكن الشدياق كان حساساً جداً لهذه العلاقة، فهو كان يعرف أن الديمقراطية وعدٌ تعطيه الدول الأوروبية لمواطنيها فقط، وليس لجميع أفراد الإمبراطورية. ولذلك توقفت ترجمته للديمقراطية في هذا المقال بـ«تغيير وتبديل ينتج منه فائدة عمومية للناس»، ولم يشرح أكثر، وهكذا قدمها كجزءٍ من مروحة أفكارٍ خاصةٍ بالحياة الأوروبية، وجميعها ليست أكثر من غرائب لا ينتظر أن يفهمها القارئ العربي العثماني:

«فهذه دول أوروبا بأجمعها قد فطنت إلى أن تعديل السياسة، هو الذي يجب أن يكون مداراً لعز المملكة. وهنا بحثٌ، فإن في هذه اللفظة, أعني التعديل, أصعبُ معاني التمدن. لأنا إذا اعتبرنا التمدن عبارةً عن كثرة الصنائع والحرف واتساع التجارة, لم يختلف في فهمه اثنان، ولكن متى جئنا إلى تعديل السياسة، صَعُبَ علينا المراد منه، لأنا نرى بعض الدول القوية قد تتعدى على بعض الدول الضعيفة وتذلها، وربما استولت على قسمٍ من بلادها»8.

إن استعمال الشدياق لمفهوم التعديل كمصطلحٍ سياسيٍ هنا، مرتبطٌ بمفهوم التمدن القائم على اقتصادٍ ليبرالي، يشجع تكاثر السلع واتساع التجارة، وهنا يضع هذا المفهوم للتمدن موضع مسائلةٍ خاصة، بعدما يربط التجارة الحرة بالطموح الاستعماري للدول القوية. فالديمقراطية كما كان الشدياق يعرف، تحمل ميولاً اقتصاديةً استعمارية، وإن كانت داخلياً تضمن حقوق المواطن من خلال التغيير الدوري لحكام البلاد.

مفهوم التعديل الذي يطرحه هنا يأتي مغايراً للديمقراطية، برفضه تجذير الفكر السياسي العربي بقواعد إغريقية أوروبية، متناقضة مع طموح المجتمعات العربية العثمانية بحياةٍ أفضل. كما أن فكرة التعديل تتواصل مع التاريخ الفكري العربي، خاصةً الفارابي وابن خلدون وغيرهما من مفكري العصور السابقة، فبالنسبة للسابقين، كان العدل والإنصاف في السياسة مقوماً من مقومات العمران في إدارة شؤون الأمة. هذا لا يعني أن الشدياق وجد ديمقراطيةً إسلاميةً متأصلةً في الفكر العربي، ولكن توليده لمفهوم التعديل قامَ على رفض القطيعة مع المخزون الثقافي والحضاري العربي.

إن التعديل كمفهوم، مرتبٌ على مفهومٍ زمني يعتبر التغيير الدوري ملازماً للعمل السياسي، ولبناء فضاءٍ سياسيٍ متمدن، وإنما برفضه الترجمة والتعريب شدّد الشدياق على ضرورة التوغل في أمور البلاد السياسية، و«النظر إلى داخل المملكة» كشرطٍ أساسٍ في تطوير أفكار عن السياسة، منبثقة من عمق الثقافة العامة عند الشعب، وليست مستعارةً من بلادٍ لها طموحات استعمارية في منطقتنا.

هذا الفضاء كما كتب الشدياق في المقال نفسه، مبنيٌ على المساواة بين الرجال والنساء في فرص العمل والتعليم والخدمة في الدولة، والرقي في المكانة الاجتماعية بغض النظر عن الأوضاع المعيشية للأهل:

«الأصل في وظائف الدولة أن تكون عامةً يشترك فيها كل من كان جديراً بها من رعاياها، إلا أنه كثيراً ما يقع أن خَدَمَةَ الدولة المتضلعين بأمورها، يقصرون هذه المنافع على ذويهم والمنتسبين إليهم. فإنهم يرشحون أولادهم مثلاً للجدارة بها، مما لا يقدر غيرهم على مجاراتهم فيه، فتصيرُ هذه المنافع موروثة لهم»9.

كما رأى الشدياق أن الحثّ على وجوب رفض التوريث كأسلوب في إدارة البلاد، كان يتطلب تطويرَ التعليم، وفتح المجال أمام عامة الناس لتحسين فرصهم ومعيشتهم حسب قدراتهم ومواهبهم، وكما هو معروف فإن التعويل على التعليم أحد أركان الديمقراطية الغربية.

مع مفهوم التعديل، يعرض لنا الشدياق أهمية عدم الاعتماد على الترجمة في البحث عن مصطلحات فكرية سياسية تواكب الناس وتطلعاتهم، و لذلك، ومن اسطنبول كان الشدياق يرفض الترجمة لمنافستها البضائع الثقافية المحلية. الترجمة تقوي العلاقات الخارجية على حساب تنشيط الحياة والأفكار السياسية بين الناس أصحاب المصالح المشتركة.

من الممكن أن نبدأ مع الشدياق مساءلة اللغة السياسية التي ورثناها من عصر النهضة، والتي تبقى اليوم مهيمنةً على علاقاتنا مع بعضنا، في زمنٍ نتعرض فيه لحرب إبادة مرعبة في وحشيتها ودوامها.

  • 1. يقوم البحث على قراءتي في أرشيف جرائد عصر النهضة، ولا سيما جريدة الجوائب الموجودة في مكتبات في بيروت واسطنبول وباريس وغيرها.
  • 2. استعملت مصطلح «الشامي اللبناني» للدقة التاريخية، فلبنان لم يكن قد انفصل عن بلاد الشام بعد، ولكن الطاقات الانفصالية كانت قد بدأت تتبلور في الأوساط الثقافية في بيروت.
  • 3. أتوجه بالشكر إلى الباحث بيتر هل، على سماحه لي بقراءة ملاحظاته حول تعريب مصطلح الديمقراطية في كتابات الطهطاوي.
  • 4. Suavi, Ali. « Democracy, Government by the People, Equality»Modernist Islam, 1840-1940. A Source Book.Ed. Charles Kurzman.OxfordØ Oxford University Press, 2002.
  • 5. كان البوربون قد احتلوا الجزائر في نيسان 1830 لحل الوضع الاقتصادي المتفاقم، وذلك بمعارضة من الجمهوريين الذين اضطروا أن يرثوا الاستعمار، بعدما نجحت ثورتهم في تموز من العام نفسه.
  • 6. كان الأسلوب الإنشائي العربي قد تطور بشكل ملحوظ من ذلك الوقت، بحيث أصبح متميزاً عن العربية التقليدية أو التراثية، ولكنه مختلفٌ أيضاً عن أسلوبنا الإنشائي اليوم.
  • 7. Palonen, Kari. The Struggle with Time: A Conceptual History of Politics as an Activity.Munster: LIT Verlag, 2014.
  • 8. أحمد فارس الشدياق، رجلٌ سابقٌ لعصره: مختارات/ تحرير فواز طرابلسي وعزيز العظمة/ بيروت: رياض الريس 1991. 274-5.
  • 9. المرجع نفسه/ 263