له قوقعته وللناس ثوراتهم

إثرَ ما عُرِفَ بـ«الاعتداءات الجنسية»، ليلة رأس السنة، في مدينة كولونيا غرب ألمانيا، دارَ جدلٌ واسعٌ حولها، عالمياً. وكما الحال في قضايا أخرى، عديدة، انبرت العديد من الألسن والأقلام في تعنيف اللاجئ الذي هو «السبب في المصائب الكونية».

من بين من شاركوا في هذا «التعنيف»، الروائي والكاتب الصحفي الجزائري، كمال داود. لداود عدة مؤلفات أشهرها، «ميرسو.. تحقيق مضاد»، (كُتبت عام 2013، ونالت جائزة «غونكور» عام 2015، وهي مستوحاة من «الغريب»، للفرنسي ألبير كامو). يعتبرُ النقادُ أن داود كاتبٌ «إشكالي»، لجهة هجومه الحاد والمستمر على الثقافتين، العربية والإسلامية. يرى مناصروه بأنه «بطل» لجهة طرحه لأفكاره من بلده، الجزائر. فيما يرى خصومه، أن الدافع وراء هجومه هو نوع ردود الأفعال، لجهة أنه كان مسلحاً إسلاموياً مطلعَ شبابه.

أثار مقالاه الأخيران، «البؤس الجنسي في العالم العربي»، في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، و«كولونيا مدينة الأوهام» في لوموند الفرنسية، جدلاً واسعاً، شارك به، في عدة صحفٍ ومنابر إعلامية، العديد من المثقفين والأكاديميين والسياسيين الفرنسيين. كان من بين المواد التي تناولت هذا الجدل، مادةٌ مطولة أشبه ما تكون ببيان، لمجموعة من الأكاديميين، ضد ما كتبه داود، وأخرى لرئيس الحكومة الفرنسية، مانويل فالس، عبر حسابه على فيس بوك، دافع بها عما جاء به داود.

اتسمت النقاشات، بغالبيتها، ببعدٍ أكاديمي ثقافوي، دارت حول مفاهيم وأفكار مجردة، تماماً، فكان لا بد من محاولةٍ لاستعادة النقاش، الذي انحدر، بشكلٍ أو بآخر، إلى ما يشبه «داود أو لا داود»!    

كُتِبَ هذا المقال بالعربية، وتُرجِمَ إلى الفرنسية ونُشِرَ في صحيفة «لوموند»، (نُشِرَ جزءٌ كبيرٌ منه في الورقية، وكاملاً على الموقع الإلكتروني). 

بالنسبة للترجمة، قامت الصحفية الفرنسية، دوروتيه ميريام كيللو، بإعادة صياغة بعض الأفكار بما يتناسب واللغة الفرنسية، كما قام محررو صحيفة «لوموند»، بتغيير عنوان المادة.

*****

بدايةً، لابد من توضيح بعض النقاط: أولاً، لا أهاجم شخص كمال داود، بل أنتقدُ أفكاره. أما عن تركيزي على الثورة السورية دون غيرها، فيعود الأمر إلى أنني أنتمي إلى المجتمع الذي قامت فيه. وليس آخراً، أكتبُ هذا الكلام، فيما أشعرُ بالخجل، لأني أكتبه من حيث أعيش بأمان!

أكتبُ لأنني أؤمن بأهمية هذا الفضاء، حيث يمكن مناقشة الأفكار، وحيث، كما آمل، يمكن ألّا يُحال النقاش إلى انقساماتٍ هشة، فينحدر، مثلاً، إلى «داود أو لا داود»، كما الحال في أشباهها من الانقسامات الإقصائية، وهو ما ذهبَ إليه كُثُرٌ، للأسف، ممن شاركوا في النقاش. كما أتمنى أن يُراجعَ كمال قرار التوقف عن الكتابة، ليُتاح لنا الخوض أبعدَ في هذا النقاش، بأقصى ما أمكن من التحرر. وبالمناسبة، أباركُ له كسب القضية ضد الشيخ الذي أصدر فتوى بإعدامه!

لم ينشر كمال مقالاته الأخيرة في صحف عربية، بل فضل نشرها في صحيفتي «لوموند» الفرنسية و«نيويورك تايمز» الأميركية. ربما كنتُ محظوظاً بعضَ الشيء لأقرأ النسخة الإنكليزية، وشيئاً من تلك الفرنسية، لكن ماذا عمّن هم موضوعه الرئيس؟ مخيبٌ للآمال أن يتكلم عنا بدوننا!

 ولطالما ترددَ سؤالٌ أولي في ذهني إثر قراءتي لمقاله، «كولونيا مدينة الأوهام»، إذ هل يتيح لنا أن نفهم ما يحدث جيداً في «بلاد الله»؟ أفضّلُ الحديثَ عن البلاد العربية، وبهذا أستعيدُ الحديثَ عن واقع التنوع فيها، إذ لطالما أسيئ تناولها بالمفرد!

ألم يكن حرياً به انتظار نتائج التحقيقات الألمانية بما يخص «الاعتداءات الجنسية في ليلة رأس السنة» في مدينة كولونيا، قبل نشر المقال؟ إذ إن تعميمه المفرط أفضى إلى ربط الاعتداءات باللاجئين والثقافتين العربية والإسلامية وبالثورات! فيما خلصت التحقيقات إلى أن ثلاثة لاجئين، فقط، مدانون بالاعتداءات! هل يَعتقدُ أن تبرؤ هؤلاء الأشخاص من «عروبيتهم» و«إسلاميتهم» كان سيحول دون وقوع الأحداث؟ إذن، كيف، برأيه، يمكن فهم الاعتداءات الجنسية لغير العرب أو المسلمين، وهي كثيرة؟ وربما المثال الأقرب هو ما حصل بعد أربعة أيام من الأحداث، في المدينة الألمانية نفسها، عندما تعرضت مراسلة تلفزيون بلجيكي للاعتداء من قبل ثلاثة أشخاص وعلى الهواء مباشرة، والثلاثة «أوروبيو اللغة والهيئة» حسبَ تصريح الصحفية نفسها، وكما يُظهر الشريط. بالنسبة لي، أعادتني الاعتداءات، وما جرى إثرها من نقاشات، إلى تلك الفضائحية المؤلمة التي وقعت في سجن «أبو غريب»، في العراق، على أيدي جنود أمريكيين وبريطانيين (أتفهمُ تفاوت النسب واختلاف التجارب بكل تأكيد). وعلاوة على هذا وذاك، ربما لا داعي للتذكير بتفاصيل «تجربة سجن ستانفورد»، أو بتلك التي قامت بها الفنانة والناشطة الصربية، مارينا أبراموفيتش.

تجريمُ ثقافةٍ بعينها، أو دينٍ محدد، أو جماعةٍ دون أخرى، يُحيل إلى استسهالٍ تعميميٍ تكرر مراراً. بالمقابل، هل أثبت ذلك نجاعته، مثلاً، في التقليل من استغلال السلطة والقوة في أيامنا هذه؟ ألا يفتحُ البابَ أمام تعميماتٍ أخرى، بالضرورة؛ (هيمنة جنسٍ على أخر، طبقةٍ على أخرى، أو عرقٍ على آخر)، عبر سياساتٍ ومنابرَ إعلامية وأنظمة قانونية تسمح بذلك علانيةً؟

وبآليتي التبسيط والاستسهال نفسهما، يمرُّ داود على الثورات العربية، (وهو ما تنتهجه كثيرٌ من المنابر الإعلامية والمؤسسات والأشخاص اليوم)، ويعنّفها بالقول، «الثورات العربية لم تمسَّ الأفكار ولا الثقافات ولا العلاقات الاجتماعية، وبالتالي، الجنس». وهو ما يُحيلُ إلى انتقائيةٍ وتجريدٍ من السياقات، عدا عن اعتماد «مثالية» ثوراتٍ وانتفاضاتٍ سابقة، الشواهد عليها ما أُرِّخَ لها في الكتب، وهو الأمر الذي لطالما يعيدني إلى المثل الإفريقي الشعبي، «إلى أن يحكي الأسد قصة الصيد، أبداً ستمجدُ القصةُ الصياد».

لكنني، أنا اللاجئُ من تلك البلاد، أستطيعُ الحديث عن الكم الهائل من التغيير الذي أحدثته الثورات، والتي طالت حتى التفاصيل، وشياطينها، والتي بعيداً عنها يقبع داود في قوقعته في الجزائر. وبالحديث عن الأخيرة، فليجرب التحدث إلى لاجئين؟ هم كثرٌ هناك، كما في كل بقاع الأرض. فليحاول التقرب منهم والاستماع إليهم، ليعرف عن الأهوال والفظاعات في عمليات الاغتصاب الممنهج التي قامت وتقوم بها عصابات نظام الأسد «العلماني»، قبل أن نسمع بوجود إسلاميين في سوريا، بتهمِ المشاركة في مظاهرات سلمية. وسيعرف، أيضاً، أنه حتى عندما لا يتمكن شبيحة النظام وعملائه من ناشط، أو من أحد المشاركين في المظاهرات، فإنهم لا يترددون في التنكيل بأفراد عائلاتهم. وهذا لا ينفي فظائع تنظيم داعش الهمجي، الذي أمقته، والذي هو وليد العنف الذي جرَّ الأسدُ البلادَ إليه.

 وعن ذكره ساحة التحرير في مصر، وهي التي، ومن قبلها التونسية، مدَّتنا بذلك النَفَسِ الثوري العظيم؛ ألم يشهد، مثالاً لا حصراً، كيف صنع المتظاهرون بأجسادهم حواجزا بشرية، لمنع الأمن المصري والبلطجية من التحرش بالنساء؟ وألم يكن كافياً المشهد، بالنقل الحي المباشر، للقطعان الأمنية وهي تسحل وتعري فتاةً مصرية؟ لم يعد خافياً على أحدٍ استغلالُ السلطات المصرية، آنذاك، للمظاهرات. حتى أنهم تجاوزا اللامعقول عندما أعلنوا عن إجراءٍ غرائبي، تمثَّلَ في «فحص عذرية النساء المشاركات المظاهرات»، على اعتبار أن «من تشاركن في الثورة لا بدَّ عاهرات»، حسبَ توصيفهم!

ولا أخفي دهشتي أمام قيام داود، بجرة مقال، بإلغاء التضحيات الهائلة للشعوب. هل يعي حقاً معنى الخروج إلى الشوارع التي تعج بالقطعان الأمنية، فيما كان يكتب «حين اندلعت الثورات العربية في عام 2011، ظن بها المتتبعون خيراً، بيد أن الحماسات قد فترت اليوم..»؟ بالنسبة لنا: لا. هي مستمرةٌ، وستبقى. أيّ منا، نساء ورجالاً، لن ينسى مذاق الهواء مع أول صرخة «حرية». وفيما تُكتَبُ هذه السطور، عاد الناس إلى الشوارع، بنفس السلمية والحماسة والشعارات، في طول البلاد وعرضها، إثر اليوم التالي للإعلان عن وقف إطلاق النار. بل أُضيفت للقائمة، إلى جانب النظام، كل الأطراف المتوحشة الهمجية التي تعادي المطالب المحقة للثورة.

كثيرةٌ هي الحركات والأحزاب والتجمعات، السياسية والثقافية وغيرها، التي ظهرت بعد عام 2011، وأكثر منها منابر إعلامية متنوعة التوجهات، عدا عن الانجازات الفردية، وهي كثيرة. تاريخيٌ هو هذا الانتقال من الحيّز الضيق للتعبير، ومن الذاكرة المكتوبة تحت حدِّ سيف الرقيب، أو حتى الشفوية أحياناً، إلى تلك المكتوبة بتحررٍ وجرأةٍ ووضوح. نعم، يبدو المشهد قاتماً وسوداوياً، لكن الثورة لم تهمل أي شيء؛ بدايةً من النظام السياسي السلطوي، مروراً بالاجتماعي الأبوي، وليس انتهاءً بالدين أو الجنس، لكن الراهن يفرض الأولويات، كما تحتاج الأمور وقتاً كي يمتلك الناس أدواتهم التي لطالما حُرموا منها لعقود.

أعلمُ تماماً أن داود يناصر التحرر والحريات، قرأتُ ذلك في بعض مقالاته. بيدَ أنه، مؤخراً، كان أبعدَ ما يكون عن ذلك. الانطلاقُ من الشخصي نحو العام سقطةٌ هائلة. متسرعةٌ جداً محاولته «دفن» الثورات، وكذا يأسه من الآت. وعلاوةً على هذا وذاك، مقيتةٌ هي النزعة نحو إغفال السياقات بتجنب تسليط الضوء على الجاني «المسبب»، كما الاستنادُ إلى التنميط، القديم السائد، في استساغة لحم «الضحية»، السهلِ النهش. ولستُ أقصد الضحية بتعريفها ومظلوميتها البائدة، والتي قد تودي إلى أماكن قاتمة، مثل تلك التي يمارسها الصهاينة المتطرفون، حتى الراهن، في فلسطين. لكن، يبدو أن المعادلة باتت تأخذ نهجاً رياضياً ثابتاً؛ عماءٌ في الانتقام وردودٌ الأفعال، ماديٌ ومعنوي، هو محصلة هولوكستٍ ما.

لا أنكرُ معضلات المجتمعات العربية، ولا أتنكر لكم المشكلات التي تعتري الأنظمة السياسية والاقتصادية. وطبيعيٌ أن الحالة النفسية للاجئين الناجين، من ألف ميتةٍ وميتة، إلى جانب الفقد للأهل والأصدقاء والأمكنة، غير مستقرة. لكن شيئاً من الوقت هو كل ما يلزمه. للثورة سيرورتها، بديهيٌ أن تُراكِمَ على ما قبلها في مناحٍ ما، وحتميٌ أنها تقطعُ مع أخرى، تماماً.

«الأسطورة» تقول، إن ثمة هوةً سحيقةً بين عالمين، واقعيٌ وآخر متخيل، خارج الأفلام والكتب والحكايا. «البؤس» الحقيقي في الحالة السورية، هو العجز في ظل هذه الحرائق والخرائب عن التمييز: أيهما نعيش! وأكثر بؤساً أن يمرَّ أحدٌ ما على فظاعة هذا البؤس، على مضض!

والحال أن أهل البلاد الذين يجلدهم داود قد تجاوزوا، بمراحل، الهرم الذي خرجت منه بعض مفرداته المحنطة، بل حتى إن غالبيتهم لم يقرؤوا ما كُتِب، ولا حتى هذه السطور؛ الأمر لا يتعدى كونهم منشغلينَ بأمورٍ أخرى؛ الثورة والتغيير.

أما نحن، الناجون من المقتلة، نحاولُ، أقصى ما استطعنا، لنُعيدَ تشكيل ذاكرة أولئك الذين عمّدوا الحرية بدمائهم، قبل أن تَنتَهِكَ أجسادهم رصاصاتٌ القتلة، أمام أعيننا. فيما يقتلهم كمال، بحبرٍ باردٍ، مرةً ثانية.

جدتي الثمانينية، ذاكرة العائلة، كانت قد وصلت أوروبا بعد أن قطعت آلاف الأميال، براً وبحراً وقهراً. وكذا فعلتْ لدى خروجها طفلةً من فلسطين برفقة والديها، إبان الاحتلال الصهيوني. لم تكن ثقافتُها العربية من هَجَّرتها في الأولى، ولا دينُها من اقتلعها في الثانية. أدلُّ داود على المكان حيث تعيشُ اليوم، ليذهب ويستمع إليها، عن قرب، ليستمعَ إلى ما فاته تماماً: «ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً..».