أزمة السياسة وتحدي الفاعل السياسي (1 من 2)

في جانب كبير من تفصيلاتها، لا تختلف تساؤلاتنا عن الحاجة لفاعل سياسي جديد في سوريا اليوم، عن تساؤلات يمكن أن تُطرح في بلدان عربية أخرى شهدت ثورات أو حركات احتجاج، فإشارات الاستفهام نفسها يطرحها ناشطون مصريون وتونسيون ومغاربة ويمنيون على أنفسهم. ولا تتوقف التشابهات عند الإطار العربي، بل يمكن أن تمتد باتجاه أوروبا الجنوبية، فهناك تساؤلات مُشابهةٌ طُرحت خلال السنين الخمس الماضية في اليونان وإيطاليا واسبانيا والبرتغال. الفارق النوعي، والأهم، الخاص بالشأن السوري، هو أن إشارات الاستفهام هذه بالكاد تنقذ نفسها من الغرق في بحر الدماء النازف عن الحرب الوجوديّة التي شنّها نظام بشار الأسد على السوريين، وهناك صعوبة فائقة في محاولة الإجابة على أي سؤال سياسي أمام تحدّي المعضلة الأهم في سوريا اليوم: البقاء على قيد الحياة في الداخل، وتدبير الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة في بلدان اللجوء.

غياب الفاعل السياسي ليس استثناءً سورياً إذاً، بل إن الحالة السورية -رغم دراماتيكيتها- هي جزءٌ من أزمة سياسية وفكرية إقليمية وعالمية. في بلدان الربيع العربي تحديداً، يشيع القول إن جيل الثورات فشل في قطف ثمار حراكه الشعبي الهائل لأنه لم ينتج قياداته وتنظيماته السياسية الخاصة، لكن هذا القول لا يتسرع في حكمه على جيلٍ يعيش ظروفاً بالغة القسوة والصعوبة فحسب، لكنه يتحاشى من خلال مقاربته الجيلية الضيقة الحديثَ عن التناقضات البنيوية الكبرى، التي تجعل من الانخراط المنظم في العمل السياسي عملاً فائق الصعوبة في بلداننا العربية اليوم. باعتقادنا أن مواجهة هذه التناقضات بشكل مباشر وتفصيلي، بعيداً عن الأوهام والتمنيات، يجب أن يكون الخطوة الأولى نحو التأسيس لفاعل سياسي جديد، وإلا فإن أي مبادرة جديدة ستلقى مصير كل الأحزاب والحركات والتيارات الناشئة حديثاً: فإما أن ينفرط عقدها أمام أول منعطف حقيقي، أو تتحول إلى «دكان» صغير يكاد لا يعبر إلا عن عدد أعضاء هيئته التنفيذية.

لذلك سنقوم في هذا النص بالمرور أولاً على ما نعتبره  المشكلات الأساسيّة الأربع التي تشكل أزمة السياسة في سوريا اليوم: تناقضات الكيان؛ تناقضات الإقليم؛ إرث العمل المُعارض؛ وظروف الثورة والشتات. وانطلاقاً من هذا العرض سيقترح النص، في جزئه الثاني، ملامحَ يراها ضرورية وجوهرية في أي فاعل سياسي تحرري يمكن أن ينشأ في سوريا.

تناقضات الكيان

في عمرها القصير كدولة، والذي لم يصل إلى القرن بعد، لم تعش سوريا مرحلة مستقرّة من الحياة السياسية العامة. فالفترات البرلمانية المتقطّعة أواسط القرن الماضي، لم تكن كافية لتأسيس مبادئ وتقاليد وأجسام سياسية راسخة ومرنة في الوقت عينه. بل على العكس، عكست تلك الفترة التناقضات التأسيسة للكيان السوري، والتي دفعت به أولاً إلى الوحدة مع مصر، ومن ثم قدمته منهكاً جاهزاً لحكم الحزب والفرد الواحد. نجاح حافظ الأسد الباهر في إخضاع البلاد وإعادة تكوينها لم يستند إلى بطشه فقط، بل إلى قدرته على استغلال هذه التناقضات التأسيسة، ومن الصعب اليوم تخيل التحطيم الممنهج للمجتمع السوري المستمر على مدى الخمسة أعوام الماضية على يد الأسد الإبن، لولا هذه التناقضات نفسها.

منذ إعلان المملكة السورية في عام 1918، حكمت سوريا ثلاثة تناقضات اجتماعية كبرى: التناقض الحلبي-الدمشقي؛ التناقض الريفي-المديني؛ والتناقض السني-الأقلي. تضافرت هذه التناقضات الاجتماعية، من جهة، مع رفض النخب السياسية والفكرية السورية طيلة القرن العشرين صياغة مشروع هوية سوري، ومع استقطابات إقليمية ودولية هائلة (الصراع المصري-العراقي، الحرب البادرة، الصراع العربي-الإسرائيلي) من جهة أخرى، لتجعل من سوريا ساحةً لتجاذبات كبرى أولاً، ومن ثم طرف يعرّف نفسه من خلال هذه التجاذبات. السياسةُ بوصفها هرباً من الداخل الإشكالي نحو الخارج، كانت بهذا المعنى السمة الأبرز في التاريخ السوري منذ الاستقلال.

واليوم لا تبدو أي من هذه التناقضات وكأنها تنتمي إلى الماضي، بل إنها، على العكس، شديدة الراهنية والتأثير. فبالإضافة إلى الانقسام الطائفي الحاد، والتوتر المناطقي والطبقي، تحضر المسألة الكردية كشأن جوهري قد يغير شكل الكيان السوري للأبد، وفي حين تراجعت المشاريع الطامحة لدمج سوريا مع دول عربية أخرى، يحضر الصراع الإسلامي-العلماني (والإسلامي-الإسلامي، والعلماني-العلماني) بشكل تبدو معه التوافقات الوطنية ضئيلة وشكلية. بهذا المعنى يبدو التساؤل عن ضرورة وجود فاعل سياسي جديد في لحظتنا الحالية وكأنه يستدعي أولاً البحث في إمكانية إعادة تأسيس «الكيان السوري» بحد ذاته، تماماً كما في بلدان مثل لبنان والعراق واليمن. وهذا يقتضي الاشتباك بشكل كامل وتفصيلي مع أسئلة جوهرية تختص بما يقتضيه «التحرر» في سياقنا السوري من شكلٍ للدولة أولاً، بما في ذلك قضية اللامركزية والقوانين الانتخابية والعلاقات بين المناطق والجماعات والأفراد، ومن شكلٍ للفاعل السياسي التحرري بحد ذاته ثانياً، بما في ذلك عمقه الاجتماعي وبنيانه التنظيمي وقدرته على الحركة في العوالم السورية المختلفة.

لا يملك أي فاعل سياسي محتمل ترف الترفع عن الدخول في تفاصيل هذه الأسئلة، أو تحاشيها باللجوء إلى العناوين العريضة والغامضة عن المواطنية السورية والعقد الاجتماعي. وإنتاجُ هذه التفاصيل يقتضي بحد ذاته نمطاً من التأسيس المعرفي التاريخي والجغرافي والقانوني لم يتوفر حتى الآن على المستوى السوري، وأن يأتي هذا التأسيس بشكلٍ عامٍ وجمهوريٍ وسهل، ما يسمح لغير المختصين بالمشاركة الفاعلة فيه.

تناقضات الإقليم

إذا كانت الثورة السورية قد دفعت بتناقضات الكيان إلى الواجهة من جديد، وكشفت عن كمّ الحساسيات والتوجهات الغنية والصعبة في آنٍ معاً على الصعيد المحلي، فإنها سرعان ما كشفت البلاد أيضاً على صراعات إقليمية هي اليوم في أسوأ حالاتها وأكثرها أذيةً. لم يعد التنافس الأقليمي في المنطقة يأخد شكل حرب «باردة» كما كان في خمسينات وستينات القرن الماضي حسب توصيف المؤرخ الأميركي مالكوم كير، ولم يعد يقتصر في تأثيره على «النخب» أو على وسائل الإعلام والتأثير والتمويل الرسمية. في الواقع، يبدو الآن وكأن الفرد العربي «العادي» عاجزٌ عن كتابة كلمة على صفحات الفايسبوك أو مشاركة فيديو أو التبرع لمشروع تنموي صغير، دون أن تجرفه دوامة الاصطفافات والمحاور الإقلمية، فما بالنا بتأسيس حركةٍ سياسيّة؟

ليس من الممكن تصوّر عمل سياسي لا يأخذ بعين الاعتبار حرباً إقليمية مُركّبة على استقطاب دولي شديد، وليس التعامل مع هذا الواقع بالأمر السهل أو البسيط: أي فاعل سياسي تحرري سوري يحتاج للتعاطي مع آثار هذه الحرب الإقليمية على أرضه بواقعية سياسية، دون أن يتخلّى عن مبادئه السياسية والأخلاقية. هذا يعني أن عليه ألا يذهب بعيداً في «مرونة التعاطي» و«البراغماتية»، فيتحول إلى «زبون» مستتبع، وأن لا يرتاح إلى نمط تعبير أخلاقوي هامشي (يغلب اليوم لدى «الناشطين» وبعض مجموعات اليسار)، مكتفٍ بذاته ومغرور بـ «ثباته» على «لاءات» متباينة الاتجاه، تضع مطلقيها في موقع مريح خطابياً، شديد العمومية على الصعيد الأخلاقي، وعقيم سياسياً.

أمام التحديات التي يطرحها تعقيد المشهد الإقليمي، لا مفرّ لأي فاعل سياسي تحرري من أن يكون مستعداً «للجلوس على الطاولة» والدخول في علاقات «تكتيكية» مع أطراف سياسية غير تحررية، وعليه في الوقت عينه أن يبحث عن تحالفات إقليمية استراتيجية مع مجموعات تحمل التطلعات والهموم نفسها، بغرض تطوير منصة عمل مشترك تتجاوز سجن التجاذب الإقليمي. نتحدث هنا عن جماعات سياسية وحركات مطلبية ذات نظرة نقدية تجاه الوضع القائم الاستقطابي، وغير مستعدة، هي الأخرى، للدخول في علاقات زبائنية واستتباعية مع مشاريع هيمنة وتسلط في المنطقة. فإذا كان من غير الممكن لأي فاعل سياسي تحرري التعالي على الغوص في الشأن المحلي وتفاصيله، فإنه، أيضاً، لا يستطيع ممارسة السياسة دون الانخراط في الشأن الأقليمي، والسعي لتشكيل شبكة تعاضد وتنسيق وعمل مشترك على هذا الصعيد.

إرث العمل السياسي المعارض

من نافل القول اليوم إن ما اصطُلح على تسميته بالمعارضة السورية، بمختلف أحزابها وتكتلاتها وشخصياتها، خرجت منهكةً من حقبة حافظ الأسد بعد عقدين ونيف من التغييب في السجون، والتحطيم الكامل لكل أشكال التنظيم السياسي والنقابي. خلال تلك الفترة كان العدد الأكبر من الفاعلين في المُعارضة السورية قد كبروا في العمر، وعانوا السجن والنفي والتحطيم السياسي، كما كانت أدواتهم الفكرية والإيديولوجية قد تقادمت وشاخت وتكلّست، خصوصاً وأنهم قد حُرموا من التعاطي المباشر مع التحولات الفكرية والسياسية في عقدي الثمانينات والتسعينات. عدا ذلك، كان لكثيرٍ منهم مرارات متراكمة مع تجاربهم الحزبية والتنظيمية، وهي مرارة ستنعكس بأشكال عديدة خلال السنوات التالية.

لذلك علينا بدايةً القول إن الانخراط في نظرة تقييمة لعمل المعارضة السورية منذ لحظة ربيع دمشق وحتى اندلاع الثورة، لا يأتي بغرض المزاودة أو القول إنه كان ينبغي فعل هذا بدلاً من ذاك. في الواقع يعتقد كاتبا هذه السطور أنه لم يكن من الممكن مطالبة المعارضة السورية بأكثر مما فعلته في تلك الفترة، ويحسب لها إصرارها، رغم كل الظروف، على البقاء والعمل ضمن هوامش شديدة الضيق. ما نريد قوله هو أن هذه الظروف أفرزت آليات عمل وتفكير ستستمر إلى ما بعد اندلاع الثورة السورية وحتى يومنا الحالي، وأن هذه الآليات باتت اليوم في صلب أزمة السياسة في سوريا.

لم تعبّر المعارضة السورية يوماً عن «كتلة تاريخية» اجتماعية واضحة المعالم، لم يكن لها عمقٌ اجتماعي تستطيع الاستناد عليه، مما توافر على سبيل المثال للمعارضة العراقية لنظام صدام حسين أو المعارضة اللبنانية للوجود السوري. كان هذا، إلى حدٍ بعيد، نتيجة عدم  قدرة أحزاب المعارضة وشخصياتها على الإنخراط والتفاعل بشكل حر مع المجتمع السوري، لكنه نبع أيضاً من أن التيارات القومية واليسارية التي شكلت متن التجمع الوطني الديمقراطي المعارض في عام 1980، والتي ستقوم بعد ذلك بإطلاق إعلان دمشق بالتعاون مع شخصيات مستقلة وأحزاب كردية عام 2005، كانت في الأساس ومنذ تشكلها على علاقة «طرفية» مع المجتمع الأهلي السوري بشكل عام، ومع السنة وأبناء المدن بشكل خاص أكثر من الأقليات وأبناء المناطق الريفية. في المقابل، امتلك الإخوان المسلمون عمقاً اجتماعياً مرتكزاً على البرجوازية السنّية الصغيرة في مدن مثل حلب وحماه وإدلب وحمص، وحتى دمشق، وهذا سيترك انطباعاً هاماً لدى الأحزاب العلمانية بمقدرة الأخوان وقوتهم، لكن هذا القاعدة ستنهار أيضاً مع خروج الإخوان النهائي من البلاد في الثمانينات.

غياب هذا العمق الاجتماعي وتعذر الاستثمار في خلقه وتوسيعه خلال سنوات ربيع دمشق، الذي لم يحتمل هامشه البسيط والقصير إمكانية العمل السياسي المباشر ومحاولة بناء تجارب تنظيمية جديدة، كان سيؤدي إلى نتيجتين أساسيتين. الأولى أنه في غياب القدرة على العمل «الشاقولي»، أي بين حزب سياسي واضح الافكار وقاعدته الاجتماعية، طغت العقلية الائتلافية «الأفقية» المستندة إلى أن المشكلة والحل في عمل المعارضة تتلخص أولاً وأخيراً في تجميع جميع الاحزاب والكتل الموجودة، أو أكبر قسم منها في جسمٍ واحد، والتوصل فيما بينها إلى مواقف مشتركة ورؤية موحدة. وهذا كان يعني، بالضرورة، التوقف عند العموميات على صعيد المضمون الفكري والبرنامجي، لأن هذه العموميات هي القواسم المشتركة الوحيدة، وهذا كان يعني، أيضاً، الدخول في متاهات إجرائية حول دخول حزب وخروج آخر، والسعي دوماً إلى ضم الجميع دون القدرة على تبين أهمية وأحجام المجموعات المختلفة. هذا العقل الائتلافي، غير القادر على مقاربة السياسة إلا من خلال تحالفات الحد الأدنى بين أجسام فوقية أو طرفية لا تملك عمقاً اجتماعياً حقيقياً، هو اليوم في صلب أزمة العمل السياسي السوري.

أما النتيجة الثانية فكانت، وبموازاة الدخول في كابوس العمل الائتلافي، وبسبب وعي المعارضة الذاتي بعدم قدرتها على خوض معركة سياسية مع النظام، بدءُ البحث عن آفاق العمل العام بأدوات ومسميات مغايرة للسياسة البحتة، وجلبَ هذا معه مدخلين أساسين حلا محل السياسة على الرغم من تناقضهما الجوهري معها: الأول هو المتصل بحقوق الإنسان والمجتمع المدني، أما الثاني فارتبط بشكل أساسي بـ «الثقافة» وظاهرة «المثقف-السياسي» بوصفها نمطاً رئيسياً للفاعل السياسي الفرد في المعارضة السورية. المثقف- السياسي النمطي هو مُعتقلٌ سابقٌ على خلفية انتمائه لأحد الأحزاب الإيديولوجيّة، مُبتعد عن تنظيمه (أو ما تبقّى من تنظيمه)، ولا يندر وجود خلافات كبيرة معه ومع أفراده. أجرى المثقف- السياسي مراجعات قاسية مع ماضيه الإيديولوجي غالباً، ومع نمط التنظيم السياسي الذي نشط فيه (ودفع ثمناً باهظاً لذلك)، لكن هذه المُراجعات لم تدفعه للبحث عن أطر جديدة للعمل المشترك وفقاً لخلاصاتها، بل أدّت إلى تعزيز استقلالية وفردانية المثقف- السياسي ونبذه للأشكال التنظيمية، التي قد تُرى كقيود. إعلاءُ شأن الاستقلالية والفردانية و«اللا-تحزّب» نتيجةٌ مهمة من نتائج ربيع دمشق، ودفعت مثقفين- سياسيين عدّة، بعضهم ما زال ناشطاً في المعارضة السورية إلى اليوم، للمواظبة على اتخاذ مواقف انشقاقية وتمييزية متواصلة، تبدو في كثير من الأحيان ناتجة عن رغبة في كسب سمات خاصة وفريدة، أكثر من انبثاقها عن خلاف فكري أو سياسي عميق.

سمة أخرى للمثقف- السياسي، خاصة أولئك الذين استمروا في هذا الدور بعد اندلاع الثورة، نجدها في رفضه لرؤية السياسية كأداة عمل منفردة. لا يُعرّف عن نفسه كسياسي، ولا يتصرّف كسياسي حتى لو كان عضواً في جسم سياسي، بل حتى إن كان قيادياً فيه. أداة عمله الدارجة هي المقالة السياسية، التي يُقدّمها كمُراقب نقدي، حتى وإن كان يكتب عن الأجسام التي ينشط فيها، وربما شارك في تأسيسها وصياغة شكلها وبناء آليات عملها. هناك أعضاء في الائتلاف الوطني، وأحياناً مرشحون لمناصب مهمة فيه، يكتبون مقالات تحليلية عن فشل الائتلاف الوطني وكأنهم مُراقبون خارجيون! وكأن هناك تخوفاً من الدخول في المعمعة السياسية بالكامل وحرق المراكب في الخلف، ولذلك تُستبقى شخصية المثقف كحيّز أمان وملجأ من هذه المعمعة السياسية.

الثورة والشتات

لعل التحدي الأكبر الذي أنتجته الثورة أمام فرص العمل السياسي الحقيقي، بعد الحرب والدمار والتهجير، يتعلق بتسارع الأحداث وتغيرها المستمر وإدخال البلاد في حالة الإستثناء التي يصعب معها التخطيط والعمل البطيء الممنهج. تسارعُ الأحداث في بداية الثورة أدى إلى حالة من التفاؤل بقرب زوال النظام، فتوجهت المعارضة السياسية إلى تكتل ائتلافي يقوم على القواسم المشتركة، وتأجيل كل الأسئلة والعناوين السجالية إلى ما بعد إسقاط نظام الأسد. أما حالة الحرب المستمرة اليوم والمسار السياسي المتسارع أحياناً والمتعثر أحياناً أخرى، فتحيل بشكل معاكس إلى حالة من اليأس وعدم الوضوح: ماذا سيحصل بعد شهر؟ أو بعد عام أو عامين؟ أيّ من الصعوبات الحالية ظرفي وآني ويمكن أن ينتهي أو يخف تأثيره على المدى المنظور، وأيها طويل الأمد ويستدعي استراتيجية مستدامة؟ ربما بات واضحاً الآن أننا في حديثنا عن تناقضات الكيان والأقليم، وإرث العمل السياسي، ركزنا على التحديات الطويلة والبنيوية أمام العمل السياسي، لكننا لا نعتقد أيضاً أن الفاعل السياسي المرتجى يملك ترف التعالي على المتغيرات والمستجدات اليومية، بل على العكس تماماً، قد يكون تنسيق مواقف مشتركة تجاه ما يحصل على الأرض في سوريا أولاً، وسير العملية التفاوضية في جنيف ثانياً، وحال السوريين في بلاد الشتات ثالثاً، المدخل المناسب للبدء في سبر فرص العمل السياسي المنتظم.

يتطلب الانخراط السياسي في الساحة السورية اليوم ما هو أكثر من مجرد جواب على تساؤل السلميّة والسلاح المتأخر، أو «موقفاً» من السلاح وحامليه. المطلوب هو انخراط حقيقي وعميق في الواقع العسكري المُعقد والمركّب، وليس مجرد أجوبة سطحية أو شعاراتية. مطلوبٌ من أي فاعل سياسي أن يدخل في تفاصيل الخريطة العسكرية، وأن يبحث عن قواسم ومبادئ مشتركة مع فصائل عسكرية يعتبرها تحررية، وأن يكوّن معها علاقات عمل تسمح للفاعل السياسي أن يكون مؤثراً بشكل حقيقي، أبعد بكثيرٍ من مجرد تواصل. هذا، لا شك، يُشكّل تحدياً كبيراً، ودونه يجد أي فاعل سياسي محتمل نفسه هامشيَّ التأثير أو معدومه على الساحة السورية. وهو أيضاً معضلة فريدة من نوعها، وتشكّل نموذجاً مُغايراً للنمط الكلاسيكي من حركات التحرر الوطني -منظمة التحرير الفلسطينية أو «شين فين» الإيرلندية الشمالية كأمثلة- حيث كانت السياسة منخرطة عضوياً في بناء فصائل العمل المسلّح، وكان هذا الانخراط سبباً أساسياً في قوتها ومقدرتها على فرض هيبتها، وامتلاكها المقدرة على التأثير.

على مستوى الخارج، هناك ضرورة سياسية ماسة للنظر إلى الشتات السوري على أنه توسّع للمعنى البشري لسوريا. ليس حجم الشتات السوري صغيراً كي يُعتبرَ قابلاً للإهمال أو يُنتظرَ منه أن يكون مجرد ملتحق بنواة عمل داخل الحدود، كما أن التفكير في أنه حالة مؤقتة لم يعد صحيحاً ولا مفيداً. هناك شتات سوري بالملايين خارج سوريا، ولا يُحتمل إلا أن يزيد حجمه في الشهور والسنين القليلة المقبلة، أياً تكن مخرجات الوضع السوري، وربما لم يتمكّن أهل الشتات من الاستقرار بعد بما يكفي للبحث في إمكانيات إنتاج سياسةٍ تعبّر عن أوضاعهم في بلدان اللجوء، وعن رؤيتهم وآمالهم بخصوص بلدهم، لكن بالإمكان الاعتقاد بأن كتلة بشرية بهذا الحجم ستُنتج، مع الوقت، تعبيراً سياسياً عن نفسها كشتات سوري أمام المشهد السياسي لمختلف بلدان اللجوء، وأيضاً تعبيراً باحثاً عن التأثير في أوضاع بلد أصلهم من موقع الفاعل والشريك، وليس الملتحق كـ «جالية» فقط.

هذه الأفكار تشكّل تحدياً تنظيمياً وفكرياً لأي فاعل سياسي مستقبلي، إذ عليه ألا يهرب من واقع وجود ظروف مختلفة للسوريين، تفرض وجود مصالح ومنطلقات وآمال مختلفة فيما بينها أيضاً: كيف تُنتج المعاني والأُطر الكافية لاحتواء كل هذه الأنواع من الحساسيات والمنطلقات المختلفة، والتي قد تكون متباينة في بعض الأحيان، وكيف تكون هذه الأطر والمعاني منصات تفاوض وتوافق بين هذه الحساسيات والمنطلقات المختلفة. هنا، لا شك، حاجة ماسة للإبداع على المستوى التنظيمي على صعيد المرونة والمساحة.

لقد مرّ هذا النص على أربعة عناوين أساسية تشكّل، باعتقادنا، أسباب أزمة السياسة في سوريا. كل واحدٍ من هذه العناوين مُعقّدٌ وضخمٌ بما يكفي لكي يكون وحده محوراً للبحث والعمل، كما أن كل عنوانٍ متداخلٌ مع غيره من العناوين ومتأثرٌ بها. في الجزء الثاني ستؤخذ الخلاصات من هذه العناوين، بالإضافة إلى ملاحظات وأفكار ناتجة عن متابعة تجارب سياسية بديلة في مناطق أخرى من العالم، لوضع بعض الخلاصات والنتائج والمقترحات العملية التي يمكن أن تفيد في التفكير بإمكانية إنتاج فاعل سياسي تحرري في سوريا.