صناعة الغياب

عام 1979، كانت الأنباء عن «إرهاب الدولة» المُمارس من قبل سلطات المجلس العسكري الأرجنتيني منذ انقلابه على النظام البرلماني قبلها بثلاث سنوات قد تجاوزت إطار الهمس المرعوب ضمن الشارع الأرجنتيني ووصلت إلى الرأي العام العالمي، ما دعا هيئات ومؤسسات دولية عديدة لإصدار بيانات أو مواقف مُدينة لنظام كان يسعى بقوّة لتحسين صورته دولياً. في هذا السياق، ذكر يوحنا بولس الثاني، بابا الفاتيكان آنذاك، الأرجنتين ومصاب أهلها في إحدى عظاته الأسبوعية، ما شكّل حرجاً كبيراً لنظام «إعادة الترتيب الوطني»1، الذي كانت الكاثوليكيّة إحدى ركائز منظوره لمجتمع أرجنتيني مثالي. جاء تصريح الحبر الأعظم بعد موجة كبيرة من التقارير والتغطيات الصحفية التي كانت قد بدأت بالظهور في أوروبا قبلها بعامٍ تقريباً، والتي وجدت في ظاهرة «أمهات ساحة مايو»، أي حراك أمهات المُغيّبين القسريين على يد النظام العسكري 2، مدخلاً لعرض ممارسات وجرائم العسكر الأرجنتينيين على الرأي العام العالمي.

أمام هذه الانتكاسة الكبيرة في صورة النظام العسكري، لا سيما وأنها أتت في وقتٍ كان العسكر الأرجنتينيون يسعون فيه للحصول على قبول دوليٍ أوسع. دعا خورخي بيديلا، رئيس المجلس العسكري آنذاك، لمؤتمر صحفي كان أشبه بمهرجانٍ للبروباغندا الخطابية العسكرية. كالعادة، عزا خورخي بيديلا تلك التقارير إلى «مؤامرات» متنوعة، يقودها عملاء داخليون لمطامع خارج الحدود من أجل عرقلة عملية «إعادة الترتيب الوطني»، العملية التي -بحسب بيديلا- هي الضامن الحقيقي لحقوق الإنسان في الأرجنتين، وليست المزاعم الكاذبة للحاقدين على الحكم العسكري. وأمام سؤال للصحفي خوسي إغناثيو لوبيث حول آلاف «المختفين» خلال السنوات الثلاث الماضية، أصدر تذاكي بيديلا السينيكي ما يمكن اعتباره أحد أهم التعريفات لمفهوم التغييب القسري، إذ قال:

«ليس بإمكاننا القيام بأي إجراءات خاصة (لكشف مصير المُغيّبين قسراً) طالما هم مختفون. هم إشارة استفهام. غير موجودين. لا هويّة لهم. لا وجود لهم. لا هم أحياء ولا أموات. هم، ببساطة، مختفون».

انتهى الحكم العسكري الأرجنتيني بعدها بأربع سنوات، وكانت حصيلته، ضمن جرائمه الكثيرة، ما لا يقل عن خمسة وعشرين ألف «إشارة استفهام لا هويّة لها».

لم تكن الأرجنتين مسرحاً لاختراع التغييب القسري كجريمة، كما أن إحصائياتها ليست الأكبر، لا على مستوى العالم ولا على مستوى أميركا اللاتينية. لكنها، لكونها تجربة تحوّلت فيها هذه الجريمة إلى ظاهرة مُمأسسة وممنهجة، محطة أساسية عند مراجعة تاريخ ظاهرة التغييب القسري، ليس فقط على مستوى تغيّر المقاربة الحقوقية تجاه الموضوع، بل أيضاً بسبب أهمية دور عائلات المُغيّبين ودوائرهم الاجتماعية في إبقاء القضية حيّة إلى ما بعد انطواء عهد العسكر الأرجنتينيين بسنوات طويلة، وفرض النقاش حولها في الساحة السياسية الداخلية، وأيضاً في المنظمات والهيئات الدولية. فعلياً، كانت تجربة الأرجنتين، وأميركا اللاتينية عموماً، في مسألة التغييب القسري منطلقاً لعمل حقوقي لتعريف التغييب القسري والتمحيص في أركان الجريمة، ولم يكن هذا المسار قصيراً ولا سهلاً، إذ لم يصل إلى مستوى فرض نصوص قانونية خاصة بالتغييب القسري في القوانين والمعاهدات الدولية حتى عقد التسعينات، وما زال العديد من هذه النصوص عرضة لنقاش متواصل ومساعٍ عديدة للتعديل والإضافات.

التغييب القسري جريمة مركّبة ومستمرة ومتجددة، لها مقاصد ترهيبية واضحة تتجاوز التخلص من شخص أو أشخاص «مزعجين»، وهي انتهاك مباشر لكل حقٍ من حقوق الإنسان الحيّ. ليس التغييب القسري مجرّد تنويع من تنويعات الاعتقال السياسي، ولا يعني هذا الكلام -بطبيعة الحال- تقليلاً من شأن الاعتقال السياسي أو أي نوع آخر من أنواع انتهاكات حقوق الإنسان، بل إشارة إلى ضرورة وجود نقاش خاص حول التغييب القسري، يبحث في الظاهرة ومنطلقاتها، وينظر في الاحتياجات الخاصة للدوائر المتعددة من الضحايا، ويضع آليات عمل تأخذ بعين الاعتبار طبيعة مقترف الجريمة؛ خصوصية وضع الضحايا؛ والآثار المجتمعية للتغييب القسري. يحاول هذا النص فتح مناقشة في العناصر الأولية في التغييب القسري، أي الجاني والضحية والمجتمع.

الجاني

مُرتكب التغييب القسري هو «سلطة» بالتعريف. قد تكون تلك السلطة «دولة»، كما في المثال الأرجنتيني، أو جماعات مسلّحة، أكانت جماعات سياسية بحتة أو عصابات جريمة منظّمة تفرض سيطرتها على منطقة من المناطق. ويحتاج التغييب القسري إلى بنية تحتية كافية لاعتقال أو خطف الضحيّة، علناً أو سراً، دون الخشية من أي اعتراض أو عائق مباشر، ولإخفاء أي أثر يكشف مصير الضحيّة، بغض النظر أكان مصيرها المكوث في مكان احتجاز سرّي بانتظار «استخدامه» مستقبلاً، أكان مبادلته بفدية أو بأهداف سياسية أو بمحتجزين لدى الخصوم، أو كان المصير هو التصفية والتخلّص من الجثمان.

هذا المُرتكب، السلطوي، قادر على اقتراف الجريمة، وقادر أيضاً على إخفاء الأدلة المباشرة على هوية المقترف، أو منع تعقّب مصير الضحيّة اعتباراً من لحظة الاحتجاز. لا يُشترط أن يكون الجاني مشغولاً بإخفاء هويته، فهذا يحصل فقط في حال خشية الجاني من التبعات، السياسية والقانونية، لثبوت الجريمة عليه، وهذا أحد أسباب اقتراف التغييب القسري بديلاً عن الاعتقال العلني، ولكن أيضاً هناك حالات كثيرة لا يُجهد الجاني نفسه لإخفاء هويته، لكنه يعمل على منع أي إمكانية لمعرفة مصير المُحتجز اعتباراً من لحظة احتجازه: لا معلومات عن مكانه، لا معلومات عن وضعه الصحي، لا معلومات عن مصيره.

في الحالتين، أكان الجاني قد أخفى هويته أم لا، التغييب القسري جريمة سلطة، أكانت سلطة مُمأسسة ومؤطرة ضمن «الدولة»، أو سلطة أمر واقع لجماعة مسلّحة تفرض سطوتها على مساحة جغرافية ما.

يتخلص الجاني من خصوم مزعجين إن غيّبهم قسراً، لكن أهدافه تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، أي إلى إرهاب خصوم آخرين محتملين، وتنبيه الوسط الاجتماعي الذي يسيطر عليه إلى مخاطر الاعتراض عليه. هذه ليست عناصراً خاصة بالتغييب القسري، إذ أنها تنطبق على كل أنواع الجرائم السياسية التي ترتكبها السلطات، لكن للتغييب القسري خصوصيّة نقل المواجهة إلى أكثر أشكالها إنحطاطاً، فهي إنكار خصومة الخصوم بإنكار (أو تجاهل، أي تحقير) أسس الصراع معهم، والتبرؤ من تبعات هذه المواجهة. قد يحدث أن يتجاوز نكران الجاني لاقترافه جريمته إلى نكرانه الخصومة مع الضحيّة أصلاً، بل ويمكن أن يقدّم الجاني نفسه كضحية: ليس لديكم إثبات أنني قد غيّبته، وأنتم تظلمونني بهذا الاتهام. ولأن الجاني «سلطة»، فهو قادر على أن يلعب برياء شديد بين دور الخصم والقاضي، كأن يقدم نفسه كقادر عن التعقّب والتحقيق، لكنه ممتنع عن ذلك لانزعاجه من الاتهامات التي تطاله. لو عدنا إلى تصريح بيديلا لوجدنا أنه لم يكن حتى مهتماً بالحديث انطلاقاً من وضعه كمتهم، بل يتحدث برياء من موقع السلطة التي لديها خيار أن «تفعل شيئاً» بخصوص هذه القضية أو لا تفعل، واختارت ألا تفعل. هكذا، ببساطة.

هي جريمة سلطة، عنوانها «أنا أستطيع». هي التباهي السلطوي بالمقدرة على فعل أي شيء دون حتى منح الضحايا حق معرفة ما جرى. هي التباهي بانعدام المسؤولية، بغياب القدرة على المحاسبة، بالمقدرة على أن يكون كلّ شيء «إشارة استفهام» نازفة باستمرار لا تجد إجابة

الضحية/ الضحايا

لأن الجاني هو «سلطة»، فإن الضحية النمطية هي مُعترض على هذه السلطة. قد يكون ناشطاً حقوقياً أو سياسياً أو نقابياً، أو مجرد شخص «سليط اللسان» لا يروق للسلطة وجوده، وتود لو تحوّله لـ «إشارة استفهام»، وتوصل عبره رسالة إلى وسطه الاجتماعي بضرورة الصمت، لكن يحدث أن تكون الضحية عشوائية بالكامل، وُجدت في المكان الخاطئ في الزمان الخاطئ، ولا «مشاكل» مباشرة معها، بل هناك رغبة في إرهاب مجتمعها وإفهامه مدى قدرات واستعدادات السلطة القائمة.

بإمكاننا، عند التفكير بضحايا التغييب القسري، الحديث عن أربع دوائر مختلفة: المُغيّب؛ دائرته الاجتماعية؛ أهل قضيّته؛ والمجتمع ككل.

أولى تبعات تغييب شخصٍ ما قسراً هي «إيقاف وجوده» ككل، إذ تُنتهك كل حقوقه الإنسانية دُفعة واحدة. هذه جريمة كبرى مهما كانت طبيعة العلاقة بين السلطة المُقترفة والضحية، ويضاف إلى ذلك انحطاط وحقارة السلطة في وضع هكذا أسس للخصومة مع طرف أضعف منها بكثير. يمنع التغييب القسري الخصوم -الطرف الأضعف في مواجهة بعيدة كل البعد عن التساوي بين أطرافها- من تلمّس شكل علني وواضح للصراع، ومن توقّع تبعات واضحة للهزيمة الممكنة، أو حتى من نيل التشريف الرمزي للمهزوم، كأن يكون مُعتقلاً له محاكمة، أو يُزار، أو يُعرف على الأقل أنه على قيد الحياة، أو، في حال انتهت المواجهة بالموت أو الإعدام، أن يكون «شهيداً» (حتى ولو داخل نفوس محبّيه فقط)، له قبر يُزار ونهاية واضحة يتعامل معها أهله وأصدقاؤه وأنصاره في القضية بالطريقة التي تُناسبهم.

التغييب القسري هو تحطيم حقوق الإنسان الحي، وحقوقه وهو ميّت في حال التغييب القسري المستمر. هو نزع الحق بأن تكون هناك نهاية واضحة لحياته تبدأ عندها ذكراه، وتبدأ عندها أيضاً عملية الحِداد عليه من قبل محبيه. هو إدخال الضحية في برزخ معتم ولزج، وفي هذا البرزخ تجد دائرته الاجتماعية نفسها أيضاً، وتجد حياتها، أو على الأقل جانب مهم من حياتها، متوقفة بانتظار اللاشيء. عاجزة عن الاطمئنان على ابنها، أو معرفة مكانه ووضعه، أو الحِداد عليه إن مات وتشريفه وامتلاك أسباب المضي قدماً في الحياة بعد مصاب وفاته. هو العيش في زنزانة مؤبدة على شكل إشارة استفهام، نفسها التي ذُكرت في حذلقات بيديلا.

عدا ذلك، يوضع الوسط الاجتماعي المباشر للضحية، أي ذويه وأصدقاءه، في موقع صعب فيما يخص التعامل العلني مع القضية. قد يقررون تجاهل التعامل المباشر معها و«نسيانها» على الصعيد العام. لا يستطيعون نسيانها في داخلهم، وهي جرح ينزف بشكل متواصل مهما طال الزمن، لكن قد يكون هناك خوف من مصائب إضافية إن طُرحت القضية، أو حتى خشية على الأمل بأن تظهر الضحية أو أن يُعرف مصيرها إن غضب الجاني أكثر. أو، بالمقابل، يقررون المواجهة وإبقاء القضية حيّة، مع كل ما يعني ذلك من تعب واستنزاف وإحباطات، أو حتى انتقامات من ذات السلطة.

لا يحتاج الجاني لأن يفعل شيئاً يُذكر كي يتلاعب بالوسط الاجتماعي للضحيّة، فمزيج المشاعر وتفاعلاتها وإعادة تفاعلاتها في دواخلهم كفيلة بأن يعيشوا في عذاب مستمر، وأن يتخبطوا في الخيارات، وصولاً حتى لأن «يتمتع» الجاني أحياناً بتزلّف وسط الضحية الاجتماعي له طمعاً في لفتة تعاطف، أو خشية تبعات إضافية، وهذا ما يشبه عناصر ما يُعرف بـ «عقدة استوكهولم».

أهل قضية المغيّب هم زملاؤه في العمل العام الذي غُيّب بسبب الانزعاج منه، وأنصار القضية التي عمل المُغيّب من أجلها وتلقّى غضب السلطة نتيجة ذلك.

قد تتعقّد العلاقة بين الوسط الاجتماعي المباشر و«أهل قضية» المُغيّب في اتجاهين مختلفين: في الاتجاه الأول يتّجه الوسط الاجتماعي لمحاولة التعامل مع القضية كشأن خاص ومغلق، ومحاولة عدم إثارتها كقضية عامة على عكس رغبة «أهل القضية»، إما أملاً بتعاطف أو عفو من قبل الجاني مكافأةً لهم على «حسن السلوك»؛ أو خشية لتبعات العمل العام في القضية على أفراد آخرين ضمن هذا الوسط؛ أو لتوهّم أن «الكبس على الجرح» ومحاولة النسيان هو التعاطي الأقل سوءاً مع الجرح النازف. في الاتجاه الثاني نجد عكساً للأدوار، إذ يشعر الوسط الاجتماعي المباشر بـ «خذلان» من قبل «أهل قضية» ابنهم، إما بسبب التقادم، أو بسبب تبدل شروط الصراع ما بين «أهل القضية» والجاني، أو نتيجة تراكم «الضحايا» أكثر من مقدرات «أهل القضية».

في الحقيقة، يحتاج الوسط الاجتماعي للضحية للكثير لما هو أكثر من التعاطف الإنساني لتجنب هذه العقدة والحفاظ على كرامتهم. يحتاجون لعلاقة متوازنة مع «أهل قضية» المُغيّب، أي أن يحصلوا على الدعم والعون والاحتضان، وأن يوضعوا في موقع مركزي وكريم ضمن القضية دون أن يُضطروا لأن يكونوا محرّك العمل وأن يقع على عاتقهم الجهد والتعب الأساسيين، وأن يشعروا بالطابع العام والقيمي لقضية تغييب ابنهم، ولأن يُنظر لها كقضية مفتوحة لا تموت بالتقادم ولا يخفت التماهي معها. لا شيء غير إجلاء مصير الضحية يمكن أن يُساعد الوسط الاجتماعي على تجاوز المصاب والمضي قدماً في الحياة، لكن شعورهم بأن مصابهم الكبير لم يذهب أدراج الريح يساعد على تحمّل وطأته، في إبقاء قضية المُغيّب قائمة والتأكيد عليها تشريفٌ لذويه أيضاً، فهو، بدرجةٍ ما، يبقيه على قيد الحياة.

المجتمع

للتغييب القسري آثار مشتركة مع كل أنواع الجرائم السياسية التي ترتكبها السلطات في سبيل إرهاب المجتمع وتعنيفه، وكبح قدراته الحيوية وطموحاته التحررية. يُضاف إلى ذلك، كما قيل سابقاً، الذهاب بطابع المواجهة إلى أشكاله الأكثر انحطاطاً بحرمان المواجهين من أسس وأثمان رمزية واضحة. يحتاج الحديث في الآثار الاجتماعية المباشرة، وعلى المديين القصير والبعيد، إلى أبحاث منفصلة ومتعددة الجوانب، لكن تجدر الإشارة، ولو سريعاً، ضمن هذه المناقشة إلى نقطتين تحتاجان أيضاً لأبحاث منفصلة:

الأولى، السوق السوداء للتغييب القسري: يحصل أن تنمو على أطراف السلطات المُمارِسة للتغييب القسري عناصر مافيوزية تعمل على ابتزاز الأهالي مقابل معلومات، حقيقية أو كاذبة، عن ذويهم. ونجد هنا نوعاً من أنواع «الاقتصاد السياسي للاعتقال»، على حد تعبير ياسين الحاج صالح. هناك ثروات طائلة جُمعت في سوريا ضمن هذا النوع من السوق السوداء، ولم يكن هذا الأمر مستجداً خلال الثورة، بل تعود أصوله إلى بدايات القمع الأسدي. ما استُجد في الثورة هو تبلور وتضخّم تجارة أنباء الموت، وطلب مبالغ هائلة مقابل تأكيد نبأ استشهاد معتقل تحت التعذيب والحصول على هويّته وما تبقى من أغراضه الشخصيّة، أو الابتزاز مقابل استصدار شهادات وفاة يحصل كثيراً ألا تصدر في النهاية.

الثانية، ديمومة الجريمة وآثارها: التغييب القسري جريمة مستمرة ومتجددة طالما لم يُكشف عن مصير ضحيتها، ولعلّها الجريمة الوحيدة التي يدوم تجددها وإعادة إنتاج آثارها إلى ما بعد رحيل جانيها. كثيرةٌ هي الأمثلة عن قضايا تغييب قسري ما زالت حيّة رغم اختفاء الجناة منذ عقود، حتى لو كانوا قد اختفوا نتيجة هزيمة أُلحقت بهم، أي أنهم نالوا، ولو رمزياً، «عقوبة» ما على جرائمهم. بالعودة إلى المثال الأرجنتيني، نجد أن المجلس العسكري «هُزم» فعلياً منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وجرت مسارات قضائية، ولو متعرجة، لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت في العهد العسكري، وحكمت الأرجنتين خلال العقد ونيف الأخير إدارة، ترأسها نيستور كيتشنر ثم كريستينا فرناندث، شديدة العداء لعهد المجلس العسكري وصلبة التوجّه في محاكمة ذلك الماضي، وعلى علاقة مميّزة بجمعيات ضحايا الحكم العسكري، ومع ذلك ما زالت القضية قائمة ومستمرة، وما زالت تجد مكاناً أساسياً ضمن الحياة العامة الأرجنتينية.

آلام التغييب القسري، على عكس السواد الأعظم من النكبات، الشخصية منها والعامة، تجري عكس الزمن. مرور الوقت كفيل بتعامل أفضل مع غالبية أنواع الألم والمصاب، لكن التغييب القسري حالة مُعاكسة: كل يوم تُرتكب الجريمة مجدداً، مع كل صباح ومساء، مع كل لحظة غياب، والزمن يجذّر الألم ويجعله أكثر حماوة وقسوة.

*****

لم يغب العمل الحقوقي بالكامل عن قضية التغييب القسري في سوريا، فهناك العديد من التقارير3 والإصدارات الصحفية والأوراق البحثية التي تتحدث عن الموضوع ضمن إمكانيات البحث والمعلومات المتوفرة ضمن الظروف الحالية. لكن بقيت هذه المسألة محصورة ضمن الإطار الحقوقي للمنظمات المعنيّة بالتوثيق، دون الذهاب أبعد نحو البحث في المعنى الإنساني والسياسي للتغييب القسري، والآثار المجتمعية له على الدوائر الاجتماعية المتعددة، أو التعاون مع الدوائر الاجتماعية للضحايا ومساعدتهم على أن يكونوا عناصر فاعلة ضمن العمل من أجل قضيتهم بما يتجاوز كونهم مجرد مصدر للمعلومات من أجل التوثيق، دون أن يعني ذلك التقليل من الأهمية الهائلة للتوثيق بطبيعة الحال. أسوةً بالذخر المتواضع جداً في مجال العمل المجتمعي على مستوى الضحايا، ليست هناك جمعيات ضحايا للتغييب القسري في سوريا، بل بقي العمل في هذا المجال محصوراً في المبادرة الفردية لأفراد أو مجموعات صغيرة، دون أن يصل الأمر إلى مستوى التنسيق واستنباط آليات عمل ومناصرة ودعم. لا يمكن لهذه الشكوى ألا تأخذ بعين الاعتبار الظروف القيامية التي يعيشها البلد بشكل متواصل منذ انطلاق الثورة، لكن هذه الظروف لا تكفي لتبرير الغياب الكبير للحساسية تجاه دور المعنيين المباشرين، الضحايا وذويهم ودائرتهم الاجتماعية المباشرة، لدى الفاعلين في هذا المجال، أي المنظمات الحقوقية وهيئات المجتمع المدني الفاعلة في دول الجوار السوري، أو حتى داخل سوريا في بعض الأحيان. باراديغم العمل المدني السوري متأثر، لأسباب ذاتية وموضوعية ليست كلها قابلة للتفهّم، باتجاه معاكس للاهتمام بالعمل مع القاعدة الاجتماعية، أي نحو التركيز أكثر على العمل من أجل محاولة التأثير والتفاعل مع الفاعلين الدوليين الكبار، أكانوا دولاً أم منظمات دوليّة، لكن هذا -أيضاً- بحث منفصل.

  • 1. للمزيد حول فترة الحكم العسكري الأرجنتيني يُرجى مراجعة «ذاكرة الجماجم»، الجمهورية، تشرين الثاني 2014.
  • 2. للاطلاع على عرض لتجربة أمهات المُغيّبين قسرياً في الأرجنتين يُرجى مراجعة «أمهات ساحة مايو»، الجمهورية، كانون الثاني 2015.
  • 3. كمثال على ذلك، في آب 2015، أصدرت الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان تقريراً بعنوان «لا أثر» عن التغييب القسري في سوريا.