المسألة الكردية وتراث اللامركزية في سوريا والعراق

 

خلال العقود الأخيرة، بدا جلياً أن «هيكل الدولة المركزية» في منطقتنا كان من أهم الديناميكيات الدافعة للتصادم وسوء الفهم المتبادل بين «الجماعات» المكونة للمُجتمعات والدول فيها، وبالذات في الدول المُركبة مذهبياً وإثنياً ودينياً. ذلك لأن هذه الدولة المركزية كانت دوماً مُتراكبة في سُلطتها العامة ومؤسساتها مع هيمنة «جماعة» من هذه المكونات، تستخدم إلى حدٍ بعيدٍ هذه الهيكلة المركزية لتُشكِّلَ من نفسها «الجماعة المركزية» في الأحياز المادية والرمزية لهذه الدول.

كان العراق طوال القرن العشرين، وما يزال، مثالاً بارزاً على دور «هيكلية الدولة» في إثارة الأشكال المختلفة من سوء الفهم والصِدام الداخلي، الذي لم يتوقف تقريباً مُنذ اللحظات التأسيسية للدولة العراقية الحديثة. إذ يُنسب إلى الملك فيصل الأول، الملك المؤسس للدولة العراقية الحديثة، أنه وجه في رِسالة إلى العراقيين عام 1921 قائلاً: «أقول وقلبي ملآن أسى… إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة».

في سوريا، وإن كانت العلاقات البينية بين مُختلف التكوينات أقل دموية وصِدامية، وأخذت أشكالاً وتحولاتٍ عدة، إلا أن مُجريات الثورة السورية وانفجار أشكال العُنف المكبوتة المُستندة على العلاقات غير الحميدة بين الجماعات التكوينية، تُثبت بالتقادم دور هذه الهيكلية المركزية في قضم «مكونٍ» ما للدولة بأجهزتها ومؤسساتها ومواردها، وحرمان باقي المكونات من عوائد ورمزية وسُلطة الدولة.

ضمن هذا السياق، فإن المسألة الكُردية في كُلٍ من سوريا والعراق غير مفصومة في علاقتها مع الدولة بمواثيقها ومؤسساتها وأدوارها عن هذه المركزية وأدوارها، وهي تصل لتمسَّ علاقة الكرد بباقي المكونات، فكأنه ليس ثمة أي علاقة ثنائية ضمن الدولة يمكن عزلها عن أدوار وتأثيرات هيكلية الدولة.

لكن المطالبات الكُردية بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وسُلطتها و«قوتها» الرمزية والمادية، تأثرت سلباً على الدوام بغياب مرجعية حداثية إيجابية في النماذج اللامركزية في منطقتنا، فجميع النماذج المتوفرة مُنزلقة من اللامركزية لتغدو أشكالاً بائسةً للتحاصص بين الجماعات الأهلية، بالذات بين الزُعماء المحليين لهذه الجماعات، الذين يحوّلون حصتهم في الدولة إلى مجرد آلية زبائنية لتعزيز زعامتهم وهيمنتهم على مجتمعاتهم المحلية في هذه الدول.

ما عمّقَ من ذلك هو شكل الدولة المركزية في منطقتنا، التي لم تكن مركزية في الأجهزة الإدارية فحسب، بل أيضاً في الولاءات والتبعية السياسية. لذلك فإن تفكيكها يعني بمعنىً ما الدخولَ إلى شبكة مصالح الدول الإقليمية، المُتناقضة بأكثر من شكل. فالمطالبة بتفكيكك المركزية لا يجري على بقعة وديموغرافيا واضحة المعالم، بل ثمة مناطق وجُغرافيات مُركّبة ومتداخلة، داخلياً وإقليمياً، ليس من السهل حسم مسألة تابعتيها.

لا يُمكن فصم شكل الدولة، مركزية أو غير مركزية، عن مسألة الهوية وباقي العمليات السياسية التي تجري في أي بلدٍ كان. لذا فإن هذه المسألة مُتعلقة بـ «تُراث» هذه البِلاد فيما يخصُّ مسألة المركزية من عدمها.

فيما خصّ العراق وسوريا وتموضع الكُرد ضمن البلدين، فإن تُراث الدولتين يرتكز على بُعدين، الأول تاريخي عميق يتعلق بتموضع الدولتين في الإمبراطورية العُثمانية، ومن ثم انتقالهما إلى الدولة الحديثة بعد انهيار تلك الامبراطورية، وفي كِلا الحالتين كان ثمة تراث من اللامركزية، لكنه تراثٌ غير مرئي بسبب أفعال الدولة المركزية/القومية في كِلا البلدين مُنذ الانقلابين البعثيين الشهرين فيهما.

***

من حيث المبدأ، يبدو أن ما بقي من التاريخ العُثماني، فيما يتعلق بشكل الدولة وتُراثها، يؤكد على أمرين مُركبين: أن التعايش والمصالح المُشتركة بين العرب والكُرد وباقي الجماعات الأثنية غير مُتناقضة، وأن قروناً من العيش في دولة واحدة كانت مُمكنةً، دون مظلوميات مُتبادلة. الأمر الآخر هو أن ارتباط الدولة بهوية قومية أو دينية ما، كان من نتاج تحولات القرن العشرين، وأن المنطقة عاشت لقرونٍ دون أن يكون للدولة هوية مركزية، خلا الصورية منها، مثل اعتبار الإسلام دين الدولة.

الغريب أن النموذج العُثماني كان يمنح الكُرد أشكالاً من الحُكم الذاتي تفوق ما كانت ممنوحة لنظرائهم العرب، فالإمارات الكُردية/العُثمانية، التي كانت تُغطي كامل المناطق التي يُشكل فيها الكُرد أغلبية سُكانية واضحة، كانت ذات صلاحيات حُكم واسعة، وصلت إلى درجة أن كثيراً منها قد تمرد على الدولة العُثمانية نفسها أكثر من مرة. بينما كانت المناطق العربية محكومة بمركزية أشد، فولايات حلب ودمشق والموصل وبغداد والبصرة، التي تُشكل متن الدولتين العراقية والسورية الحديثتين، كانت تُحكَم من قِبل ولاة عُثمانيين يُعيَّنون من المركز، والأمر نفسه كان ينطبق على القضاء والاقتصاد وباقي تفاصيل الحياة العامة.

***

في السنوات التأسيسية للعراق الحديث، لم يكُن ثمة ما يُمكن تسميته بـ «المُشكلة الشيعية»، لأسباب تتعلق بهامشية الشيعة في مراكز الحُكم، بالذات في العاصمة بغداد ومدينة الموصل، مركزي الحُكم الرئيسيين. كما أن الشيعة لم يكونوا مُنخرطين في المؤسسة العسكرية، بالذات في القيادات العُليا التي ورثها العراق في سنوات تأسيسه من الدولة العُثمانية، وكانوا سُنةً بأغلبيتهم المُطلقة. وأخيراً لأن الشيعة لم يكونوا على درجة واسعة من الوعي بهويتهم الطائفية الشيعية، فالانتماء للإسلام بعمومه، بالإضافة للانتماء لعشيرة، كان جوهر وعيهم بهويتهم.

لم يكن ذلك ينطبق على الكُرد العراقيين بأي شكل، فطوال السنوات التأسيسية التي فصلت بين انهيار الإمبراطورية العثمانية وتشكيل الدولة العراقية الحديثة 1917-1925، كان ثمة «تمردٌ كُردي» متواصل. وليس صحيحاً بأي حال أن ذلك التمرد كان يستهدف الاحتلال البريطاني للعراق، بل كان بأكثر من شكلٍ تمرداً على تشكيلة الدولة العراقية ونمطها.

ولاية الموصل، التي كان الكُرد يشكلون أربعة أخماس سُكانها، وتُغطي كامل جُغرافيا كُردستان العراق الراهنة، خلا مدينة الموصل ومُحطيها، كان يدور صِراع ثلاثي الأبعاد حولها: فبينما كان البريطانيون يسعون لأن تكون هذه الولاية جزءً من العراق الحديث بسبب أطماعهم النفطية، وتركيا كانت تُريد استعادتها لأنها كانت تسعى لحُكم كُل أكراد المنطقة، فإن النزعة القومية الكُردية كانت تأمل باستقلال ذاتي كُردي لهذه الولاية. وكانت التمردات الكُردية بقيادة الشيخ محمود الحفيد، في انتفاضتي 1919 – 1923، المُعبِّرَ السياسي عن الرفض الكُردي لما كانت تسعى إليه بريطانيا، وهو أن تضم كامل المناطق الكُردية إلى الأغلبية السُكانية العربية.

اعتباراً من تلك السنوات، كان الوعي القومي الكُردي في العراق، المُطابق لنظيره الكُردي في تُركيا، يقوم على فكرة جوهرية في عدم اعترافه بالدولة العراقية المكوَّنَة حديثاً، إذ كان يعتبر أن مُعاهدة سيفير التي وُقِّعَت في العاشر من آب 1920 هي التي يجب أن تكون أساس علاقة الكُرد بالجماعات الأخرى في هذه الدول، لأنها هي المعاهدة التي أنهت الحرب العالمية الأولى، ووزعت تركة الإمبراطورية العُثمانية التي كانت مُشتركة بين جميع مكونات هذه الدول.

يذهب الوعي القومي الكُردي للقول إنَّ سيفير منحت الكُرد حق تقرير المصير، وإن كان هذا بعد عامٍ من ذلك التاريخ، وأنَّ حق تقرير المصير لم يكن بأي حالٍ خاصاً بالكُرد في تُركيا، بل بكُل كُرد المنطقة، وأنه طالما لم يجرِ ذلك الاستفتاء؛ فإن شرعية الدول الحديثة المنبثقة عن الدولة العُثمانية ناقصة، لأنها تأسست رُغماً عن إرادة الكُرد في هذه الدول.

فيما يذهب الوعي القومي المُضاد، في كُل من العراق وتركيا، إلى أن اتفاقية لوزان 1923 ألغت معاهدة سيفير، وأن مفهوم الأقلية لا ينطبق على الكُرد في هذه الدول، لأن الأقليات هي الجماعات الدينية غير المُسلمة فقط.

ما يُفيد به النبشُ في هذا المجال، هو الوعي بأن المُشكلة الكُردية التي تتعلق بحقوق الكُرد وموقعهم وعلاقتهم بالدولة العراقية الحديثة، لا تتعلق بتغيرات سياسية دولية وإقليمية جرت في العراق ومُحيطه طوال القرن العشرين، بل إن هذه المسألة الكُردية تأسيسيةٌ في الدولة العراقية الحديثة.

لقد كان الإعلان «الأنكلوعراقي» الذي صدر عام 1924 بمثابة الاعتراف الرسمي الأول من قِبل الدولة العراقية الحديثة بأكراد العراق، إذ نصَّ هذا الإعلان على حق الكُرد بتنمية وتدريس اللُغة الكُردية في مناطقهم، وأن يكون التعيين في المؤسسات الحكومية في المناطق الكُردية من حق سكان تلك المناطق.

في ظِلِّ الحُكم الملكي في العراق، وإن لم يكُن ثمة اندماج كُردي شامل في الدولة العراقية بمؤسساتها وهويتها العامة، إلا أن ديناميكية الدولة العراقية «الديموقراطية» في الزمن الملكي، استطاعت أن تجذب طبقات من البرجوازية الكُردية العراقية، وأن تمنح أشكالاً من السُلطة الذاتية لهؤلاء الزُعماء المحليين. كما أن الحُكم المحلي لم يكن محل رفضٍ وتمردٍ كُردي واسع لسببين بالغي الأهمية:

1- كان ثمة حُكم ذاتي ثقافي كُردي، فالتدريس والنشر وتنمية اللُغة الكُردية كانت أموراً واسعة الانتشار في كُل المناطق الكُردية أثناء الحُكم الملكي.

2- لم يكن للدولة العراقية هوية قومية عربية «فجة»، بمعنى أنه لم يكن للدولة إيديولوجية سياسية مركزية، تحاول أن تفرضها على المُجتمع عبر قوة الدولة ومؤسساتها، بل كانت مؤسسات الدولة أكثر تجريداً وولاءً لهويتها ونشاطها، وكذلك كانت مواثيق الدولة.

من هُنا يُمكن الاستنتاج بأن المساعي الكُردية للمزيد من اللامركزية السياسية والاستقلال المناطقي والهوياتي في العراق، إنما تصاعدت وتراكبت مع التغيرات التي جرت في مؤسسات ومواثيق الدولة العراقية بعد الانقلاب الشهير على المَلَكيّة عام 1958.

طوال السنوات التي فصلت بن ذلك التاريخ واستيلاء البعث على السُلطة بشكلٍ تام عام 1968، كانت علاقة المركز بالمناطق الكُردية قلقة للغاية، وكانت التمردات الكُردية المُسلحة والقمع النسبي من قِبل الحكومة المركزية هي جوهر تلك العلاقة، إذ كان الكُرد يستفيدون من التناقض الإيراني/العراقي من طرف، والانقسام الشاقولي بين الشيوعيين والقوميين العرب في مركز السُلطة العراقية من طرفٍ آخر. على أنه دوماً كانت سلطة الرئيس عبد الكريم قاسم (1958-1963) ومن بعده الأخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف (1963-1968)، تقوم في علاقتها مع إقليم كُردستان العراق على دعامتين أساسيتين:

1- منح الكُرد لامركزية ثقافية وإدارية واسعة، خصوصاً في التعليم والنشر والبيروقراطية الأدنى في أجهزة الحُكم والإدارة في المؤسسات الحكومية في المناطق الكُردية.

2- الامتناع عن تحويل الحُريات السياسية والإعلامية التي مُنحت للكُرد عقب انقلاب عام 1958 إلى أداة للامركزية السياسية، التي يُمكن أن تتراكب مع السيطرة الجُغرافية على المناطق الكُردية.

لكن أولى المفاوضات السياسية الحقيقية على شكل الدولة العراقية وموقع ودور الكُرد في هذه الدولة جرت عقب الانقلاب البعثي الثاني عام 1968، عندما توجت بعد سنتين من المفاوضات المُضنية بين الحركة القومية الكُردية والحكومة المركزية بالتوصل إلى بيان 11 آذار 1970 الشهير، الذي كان ينص على بندين رئيسيين، كسرا مركزية الدولة العراقية بمعناها المؤسساتي والهوياتي لأول مرة:

1- نصَّت الاتفاقية على أن العراق يتألف من قوميتين رئيستين، هُما العربية والكُردية. وبهذا المعنى تم «تحطيم» الفكرة التي تقول إن العراق «دولة عربية»، وبموافقة حزب البعث القومي نفسه.

2- نصَّت على منح الكُرد حُكماً ذاتياً في كافة المناطق ذات الأغلبية السُكانية الكُردية، على أن يُطبَّق ذلك الحُكم بعد خمس سنوات من هذا الإعلان، وبذا لم يعد للعراق مركز حُكمٍ سياسي وإداري واقتصادي واحد.

لم تُطبّق هذه الاتفاقية بحذافيرها، بسبب الخلاف على مضامين وتفسيرات عبارة «الحُكم الذاتي» أثناء المفاوضات التطبيقية للاتفاق عام 1974، والتي أدت إلى عودة التمرد الكُردي بُعيد انهيارها. ودفعَ ذلك التمرد القيادة العراقية إلى توقيع اتفاقية الجزائر الشهيرة مع شاه إيران عام 1975، التي تخلى العراق بموجبها عن جزء من حقوقه على شط العرب، على أن توقف الحكومة الإيرانية دعمها للثوار الكُرد. وهكذا استمرت التمردات الكُردية إلى حرب الخليج الثانية عقب احتلال العراق للكويت عام 1990-1991، وتمكن الكُرد من السيطرة على مناطق كُردية واسعة بُعيدَ انهيار الجيش العراقي وفرض منطقة حظر للطيران في شمال العراق من قِبل مجلس الأمن وقتئذٍ.

لم تتوصل المفاوضات بين الجبهة الكُردستانية والحكومة العراقية عام 1991 إلى نتيجة توافقية، بسبب الخِلاف على تابعية مدينة كركوك، وانتهت تلك المفاوضات بقرارٍ من السُلطة المركزية العراقية بالانسحاب من ثلاث مُحافظات، السُليمانية وأربيل ودهوك، وعدم الاعتراف الرسمي والدستوري بالسُلطة الكُردية الفعلية في تلك المناطق، التي عُرفت فيما بعد بـ «مناطق الحُكم الذاتي» الكُردية.

لكن الحركة القومية الكُردية في السنوات الفاصلة بين ذاك التاريخ والغزو الأمريكي للعراق (1991-2003) حققت على صعيد علاقتها بالمُعارضة العراقية مكسبين رئيسيين:

1- اعتراف المعارضة العراقية بحق تقرير المصير للشعب الكُردي في مؤتمر فيينا عام 1992.

2- إقرار المعارضة العراقية بالفيدرالية في مؤتمر صلاح الدين 2002.

من خِلال هذا الاستعراض، يتضحُ أن العلاقة بين الجماعتين الأهليتين العراقيتين، وشكل الدولة العراقية الذي يتحدد عبر هذه العلاقة المتوترة، إنما كان خاضعاً لاعتبارين:

1- وجود مُشكلة أولية ومركزية في شكل الدولة العراقية، حيث لم تؤسَّس الدولة العراقية بتوافقٍ وعقدٍ اجتماعي وسياسي مرنٍ وعادلٍ نسبياً بين جميع المكونات المُجتمعية العراقية.

2- التغيرات السياسية والهوياتية التي كانت تجري في رأس الدولة العراقية، والتي كانت تؤثر بعمق على شكل الدولة وهوية المؤسسات فيها، كانت تؤثر في علاقة الكُرد بهذه الدولة ومؤسساتها.

***

لأسباب تاريخية مُعقدة، يُرجعها كثيرٌ من المؤرخين إلى طبيعة سلسلة المُدن التاريخية السورية من حلب إلى دمشق، مروراً بحماة وحمص، فإن سوريا مُنذ نشأتها كانت كياناً مركزياً للغاية. أُضيفَ إلى ذلك عاملٌ آخر، كان يتعلق بإحساس النُخب المدنية في مراكز المُدن السوري التاريخية بأن أجزاء من الولايات التاريخية ومناطق الهيمنة إنما اجتُزِأَت من هذه الولايات، فالسوريون في السنوات التأسيسية لبلادهم كانوا يشعرون أن فلسطين والأردن ولُبنان ولواء الإسكندرونة إنما هي أجزاء طبيعية تاريخية من سوريا، استُقطِعَت بفعل عاملٍ-عدوٍ خارجي. وكان ذلك بالضبط ما يزيد من جرعة ميلهم للمركزية السياسية والاقتصادية والثقافية.

على أن تجربة سنوات الحُكم الفرنسية (1920-1946) كانت استثنائية في «تقطيع» سوريا وتحطيم مركزيتها، وغالباً على أُسسٍ سياسية تربط بين الجماعة الأهلية-الطائفية والهوية السياسية. كانت الرؤية الفرنسية لتقسيم سوريا ترى شيئاً من «كونفدرالية الطوائف» بين الجماعات الأهلية السورية، وهي قسمت سوريا إلى خمسة كيانات مُستقلة داخلياً. دولة دمشق (1920-1925) كانت تشمل أغلب المناطق الجنوبية والوسطى من سوريا، تضم مُدن حماة وحُمص ودمشق. وكانت أربعةُ أقضيةٍ عُثمانيةٍ تابعةً لها (صيدا وطرابلس وبيروت وسهل البقاع)، ثم ضُمَّت إلى جبل لُبنان مكوِّنةً دولة لبنان الحديثة. ودولة حلب (1920-1925) كانت تشغل كامل الشمال السوري والشمال الشرقي ومنطقة الجزيرة السورية، وكانت تُشكل وحدة اقتصادية مُتكاملة، بين المحاصيل الزراعية في الجزيرة السورية، والحياة الصناعية والتجارية لمدينة حلب. وتحت ضغط مظاهر الاعتراض من قِبل الوطنيين السوريين، تم توحيد دولتي حلب ودمشق تحت مُسمى «الاتحاد السوري».

كذلك دولة العلويين (1920-1936)، التي كانت تشمل كامل مُحافظتي طرطوس واللاذقية، بالإضافة إلى عدد من الأقضية من المُحافظات الاخرى، لأن أغلبية سُكانها كانوا من أبناء الطائفتين العلوية والإسماعلية السوريتين. وأيضاً دولة جبل الدروز (1921 – 1936)، وضمّت محافظة السويداء التي يُشكل الدروز أغلبيتها المُطلقة (84.4% من السُكان حسب إحصاء جرى عام 1922 في تلك الدويلة)، وقد كانت تُسمى دولة السويداء حتى عام 1927، إلى أن تم تغيير التسمية وباتت تُسمى دولة جبل الدروز.

حُلَّت دولتا العلويين وجبل الدروز الداخليتان في الدولة السورية المركزية، بُعَيدَ مفاوضات الاستقلال التي خاضتها النُخب السورية مع الاستعمار الفرنسي، وطبعاً بعد صراع وانقسام شاقولي في كلٍ من هاتين الدولتين، وبالذات بين الزُعماء المحليين لهذه الطوائف السورية.

ما يُمكن ملاحظته فوراً من هذه التجربة اللامركزية الوحيدة الواضحة في سوريا، هو غياب الكرد تماماً عنها، فالكُرد بالمعاني الثقافية والاقتصادية والسياسية كانوا غير مرئيين في سوريا. وهذه التجربة الفرنسية كانت تضم في طياتها شكلين من اللامركزية في البِلاد:

1- لامركزية طائفية بين السُنة كطائفة مركزية، والطائفتان العلوية والدُرزية، الأقليتان في الغرب والجنوب.

2- لامركزية مناطقية بين حلب ودمشق، فالنُخب الحلبية والشامية كانت مُختلفة فيما بينها بسبب شبكة المصالح المُتضاربة، وهو أمر تطور تاريخياً ليشكل انقساماً سياسياً بين حزب الشعب والكُتلة الوطنية.

لكنها لم تكن تضم لامركزية على أساس قومي عربي-كردي، بسبب هامشية الأكراد الجغرافية والاقتصادية والسياسية في سوريا وقتئذٍ.

تقريباً انسحب ذلك الأمر على كامل تاريخ سوريا المُعاصر، وعلى موقع الكُرد فيه، فالكُرد لم يكونوا حتى جزءً مما يُمكن أن تدرّه مركزية الدولة البالغة على باقي المكونات، إذ كان ثمة أشكالٌ مختلفة من السُلطات، وكانت التنظيمات والمؤسسات والأجهزة التابعة للنظام تُشكل أنواعاً من السُلطات لاحتواء المُجتمع السوري، وتُدرُّ على المتفاعلين معها أشكالاً من المنافع والطاقات، تُشكِّلُ بمجموعها ديناميكية لتنافس غير قليل ضمن «الطبقة الكريهة» غير القليلة بدورها، للاستحواذ على تلك السُلطات.

لم تكن النقابات المهنية والمؤسسات البيروقراطية التوظيفية والوزارات والأجهزة الأمنية والمُمثليات الخارجية، ولا حتى اللعبة الاقتصادية ومؤسسات النهب العام، خارج هذا العالم من السُلطات، التي كانت تجرُّ أنماطاً غير قليلة من التنافس عليها بين فئات اجتماعية سورية واسعة، كانت بمعنى واسع توزيعاً للثروة وقوة الدولة.

كان الكُرد على الدوام خارج هذا تماماً، بل على العكس، إن المزاحمة للوصول إلى تلك المواقع كانت محل «ازدراءٍ» اجتماعيٍ على الدوام. لا ينفع الحديث كثيراً بأن تلك المواقع كانت سُلطوية بشكلٍ نسبي جداً، وأن المُقرِّرَ الرئيس في المُحصلة كان النِظام ورجاله الأكثر نفوذاً، وهذا مُدرَكٌ ومعروفٌ تماماً؛ لكن في المُحصلة كان ثمة «سُلّمٌ سُلطويٌ» ما في الأوساط السورية غير الكُردية، بينما كان الكُرد السوريون محرومين تماماً من ذلك السلّم. وهُنا تجدر مُلاحظة أن المُنخرطين في ذلك السلم لم يكونوا أقلية من المُجتمع السوري، على عكس ما هو مُتخيل، بل إن أغلبية واضحة من المُجتمع لم تكن مُهتمة بطبيعة النِظام السياسي القائم ولا حتى سلوكياته القمعية تجاه الناشطين السياسيين المُعارضين، بل كانت غارقة في عالم المؤسسات السُلطوية بكُل تفاصيلها وشروطها، وكانت تخوض حروباً بأدواتها المُمكنة للوصول إلى «منابع» الثروة المادية والرمزية التي توفرها تلك المؤسسات والمواقع السُلطوية في كافة أجهزة الدولة.

على أن آخر «الأوهام» حول استثناء الحياة السياسية الكُردية تتعلق بتصورٍ يقول إنه ثمة تواطؤٌ غير مكتوب بين الحركة السياسية الكُردية والنِظام، سَمَحَ للكُرد بالحِفاظ على حياةٍ وتنظيمات سياسية ما، بينما حُرِمَ السوريين من غير الكُرد من ذلك تماماً.

يُبنى هذا التصور في جزء واسع منه على مزيج من نظرية المؤامرة مع نظيرتها التي تتصور وجود تحالفٍ ضمني بين مُختلف «الأقليات» السورية والإقليمية ونظام حافظ الأسد، لكن هذه الرؤية لا تُراعي حقيقة أن النظام كان يتعامل مع الكرد السوريين بالطريقة والأساليب نفسها التي كان يتعامل بها مع باقي الجماعات الأهلية السورية.

 ***

من خِلال رصد التحولات التي جرت في الدولتين طوال هذه الفترة المديدة، وما تعيشه راهناً، يُمكن استنتاج ما يلي:

1- لم تعش أي من الدولتين نمطاً من اللامركزية كخيارٍ إداري وسياسي توافقي بين نُخب الحُكم والسياسة، وجميع أشكال اللامركزية المُشوهة كانت عبارة عن توازنات في القوة بين سُلطة الدولة المركزية والتيارات الكُردية. فقد تخلى نِظام صدّام حسين عن المحافظات الكُردية الثلاث عام 1991 وسحب جميع مؤسسات الدولة وقواها الأمنية والعسكري، لكن دون أي اعتراف رسمي وقانوني ودستوري بشكل العلاقة بين الدولة وهذه المناطق، وفي ذلك دلالة على أن نِظام الحُكم في كِلا الدولتين كان يُفضل أي شكلٍ من علاقتها مع الأطراف الجغرافية والسياسية الكُردية، خلا التعاقد الحداثوي على توزيع السُلطة بينهُما، لأنها كانت تؤثر بعمق على سُلطتها المُطلقة.

2- لم يأتِ هذا النظام القومي على أنقاض أنظمة إيديولوجية أو دينية أو هوياتية نابذة لكتل من مجموع السكان في هذين البلدين، بل على العكس تماماً، كان النظامان السياسيان اللذان جاء على أنقاضهما، نظام الحُكم الملكي في العراق ونظام حُكم البرجوازية/الليبرالية في سوريا، نظامين بالغي القدرة على الاحتواء والقبول بمعظم الكتل الاجتماعية في البلدين، والتفاعل معها على أُسس المواطنة، وإتاحة أكبر قدر من المجال العام لها للظهور في مؤسسات الدولة التشريعية والسلطوية، بدرجة شبه متساوية. لذا فإن هذين النظامين القوميين جاءا لعكس سياق عملية «دولة المواطنة» التي كانت تسير بخطى نامية في كلا البلدين منذ تأسيسهما على أنقاض الدولة العثمانية 1918.

3- لم تكن البنية الإيدلوجية والسياسية والنُخبوية لحزب البعث تنتمي لطبيعة النزعات القومية التي تماهي بين «الأوطان» والكيانات التي تحيا فيها، بحيث تكون فكرة الأمة مرتبطة في المخيلة العميقة بـ «مجموع المواطنين» بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والطائفية والدينية، كما كانت نزعة الأمة «The Nation» الفرنسية والإنكليزية على الدوام. بل كانت القومية البعثية، بكل تفاصيلها ومكوناتها، تنزع دوماً إلى أن تكون نزعة عرقية عابرة للكيانات التي تحيا فيها، حيث مفهوم «الشعب» متراكب في مخيلتها مع المنتمين لعرقٍ بذاته، أو الذين يقبلون التحلل به عبر تخليهم عن أية أرومة خاصة بهم. كانت البعثية نسخة عربية معدلة من نزعة «Volks» الألمانية/النازية، التي كانت ترى الألمان شعباً عابراً للكيان الألماني من جهة، ومن جهة أخرى ترى أن الدولة الألمانية تحوي عناصر غير أصيلة من غير الألمان، يجب أما صهرهم أو التخلص منهم. جاءت البعثية بهذه النزعة إلى كيانين بالغي التركيب والاصطناعية منذ التأسيس، وفيهما حساسيات اجتماعية وجهوية وهوياتية بالغة التنوع.

بهذا المعنى كانت السياسات البعثية في كل تفاصيلها المرئية والمستترة نابذةً لكتلٍ كبرى من مجتمعات هذين البلدين، سواء من الذين ينتمون إلى إثنيات غير عربية كالكرد والأرمن والسريان-الآشوريين والتركمان، أو من «العرب» الذين لا ينتمون للفضاء السياسي والإيديولوجي للقومية العربية، كالليبراليين والإسلاميين. فعملية «البعثنة» التي كانت تعني قومنة المؤسسات العامة وكامل المجال العام، كانت تمر عبر عملية قاسية ومركبة من «الهندسة الاجتماعية والسياسية» على حساب هذه الكتل من المواطنين من غير العرب القوميين.

4- أحدثت البعثنة خللاً بنيوياً في وعي أفراد هذه الجماعة الإثنية في كلا البلدين بمفهوم المواطنة، بتعاريفها ومستويات نشاطها القانونية والسياسية والرمزية المختلفة؛ بل باتوا يحملون في قرارة أنفسهم كثيراً من الرفض والتشكيك بها، وينزعون دوماً للمطالبة بالإقرار لهم بكثيرٍ من الضمانات والامتيازات التي يجب أن تحميهم من ذلك، خصوصاً فيما يتعلق بقومنة مضادة في مجالهم الجغرافي بالتحديد ضمن هذين البلدين. بذا غدت نزعة تحطيم المركزية لدى الكُرد هي ردة الفعل الطبيعية لنيل الحقوق الطبيعية، التي كانت تُحطَّم بالتقادم في ظِل نزعة «المواطنة غير الديموقراطية» في كِلا البلدين.

***

ما يُمكن استنتاجه أخيراً هو أن تراث اللامركزية في الدولتين لم يكن تعاقدياً، بل نتيجةً موضوعيةً لتوازن القوى، أي أنه تراثُ استراحة المُحاربين، وليس تُراثاً لتنامي العقلانية الدولتية والقانونية والدستورية بين الجماعات السياسية.

 بناءً على ذلك، فإن مستوى العُنف المتبادل بين الجماعات الأهلية في كِلا البلدين، بأشكالها المُختلفة، بات يُلغي كثيراً من الوظائف البنيوية للدولة، حيث تقوم كثيرٌ من الجماعات الأهلية في كِلا البلدين بتنظيم الحياة الداخلية العامة وكأنها دولٌ بذاتها، وحيث أن أغلبية واضحة من هذه الجماعات لم تعد تستشعر إمكانية عودة الدولة إلى سابق عهدها، بمركز سُلطة وقانونٍ عامٍ واحد.

يبدو أن العقود الاجتماعية والسياسية القادمة التي ستلي هذه الحروب الأهلية الواضحة والمُستترة، ستكون على أُسسٍ تمنح هذه الجماعات مزيداً من الاعتراف والاستقلال الداخلي، لأن هذه الجماعات لم تعد تستشعر الأمان إلا عبر هذه الآلية. فهي ستمنح الكُتل الاجتماعية والأهلية طاقة كبيرة لأن تتحول إلى بنى سياسية، لها مؤسساتها ومجالها العام ورموزها وديناميكيتها الداخلية، معزولة إلى حد كبير عن نظيراتها العامة أو التي تخص جماعة أهلية أخرى. شيء يشبه السماح لهذه الجماعات بتأسيس «دولها» الداخلية الخاصة بها، وسيمنح القوى الحاكمة لهذه المجتمعات الداخلية كثيراً من سلطات الدولة التقليدية وأدوارها.

كما أنها ستمنح كثيراً من الطبقات والزعماء والجماعات الأهلية عدداً من السُلطات والامتيازات المستقطعة من سُلطات الدولة حوقوقها الحصرية، وحيث ستكون هذه السُلطات المُستقطعة للزعماء والجماعات الأهلية على حساب الحريات العام والحقوق الدستورية التقليدية للمواطنين، إذ ستشكل طبقة رجال الدين بتحالفها المتوقع من طبقة زعماء الميليشيات «المنتصرين» في هذا الصراع الراهن، سيشكلون مجتمعين «الزعامة» السياسية/الاجتماعية الأهلية في مستقبل البلدين. وبذا ستغدو اللامركزية مُجرد تحاصص بين أكثر التشكيلات الاجتماعية والسياسية هشاشة من حيث وعيها للدولة، بأدوارها ومواثيقها وهويتها، وهو ما قد يعني تراجع الوعي العامة بمسألة «اللامركزية» ليتحوّلَ إلى مُجرد نفورٍ عام من هذا التحاصص.