الليبرالية الزائفة والليبرالية الصاعدة في الثورة السورية

في تصنيفٍ عفويٍّ يتوخى محاولة تسمية مكونات السياسة «الجديدة» وترتيبها، وفي مراعاةٍ معقولةٍ لنسبية الأشياء، تبوّبت النخب السياسية المعارضة تحت عنوانين عريضين: تيارٍ محافِظٍ وُسم سلوكه بالشعبوية والتوتر الثوري، وتيار ليبرالي (لم يخلُ من الشعبوية لكنه كان أخبث بعض الشيء في مداراتها) يوسَم بالعقلانية والإصلاحية ومراقبة الذات والانفتاح.

في مناخ الاستبداد (فمعلومٌ أن الاستبداد كما الحرية مناخٌ يفرض نفسه على الجميع)، لم يكن لِلِيبرالية ولا يسارٍ ولا تيارٍ محافظ حقيقيّ أن يوجد، إلا لو كان تحالف تجّار المدن والأوليغارشية يعيّن ليبرالية وطنية، وإلا لو كان البكداشيون واستطالاتهم يساراً، والشيخ البوطي حارساً أميناً لتقاليد المجتمع. من المنطقي إذن التعامل مع حقيقةِ أن هذه التسمياتِ إجرائية ومؤقتة، محكومة بالظرف الاستثنائي، وعدم تجاهل ضرورة مراقبتها كي لا تتحول إلى بديهيات سياسية، ومن ثم تتبع الواقع الثوري بعمقٍ وبصيرة، لاكتشاف ما إذا كان هواء الحرية قد مكّن أحداً من جمهور الثورة –بعد عامين من مراكمة الخبرة– من امتلاك ناصيةِ أمره والمضي في خياراتٍ ليبرالية حقيقية في سلوكه الثوري ورؤيته السياسية، بعيداً عن رسل الاستبداد إلى ثورتنا وليبراليتهم الهجينة.

في تعاسةِ مقوّماته وانسداد أفقه، يشبه حال ما يتعارف عليه بالليبرالية السورية المعارِضة، التياراتِ الديمقراطية التي وجدتْ فوراً بعد سقوط الديكتاتوريات في أوربا الشيوعية. تياراتٌ متواشجةٌ اقتصادياً واجتماعياً مع الديكتاتورية، غيرُ مبادِرة فكرياً وسياسياً، نهمةٌ لفرض لبرلة الاقتصاد والتنعُّم بخيرات الفرص والتنافس وحرية حركة السلعة والمال ورأس المال. تتحمل هذه التيارات مسؤولية توريط المجتمعات الممزقة بفعل السياسات الاجتماعية والاقتصادية للديكتاتورية، في وضعٍ غيرِ ملائِم، كرّس التفاوت الطبقي وراكم مشكلات الفقر والاستبعاد، ولم تستطع حلَّ شيءٍ ولا تقديمَ شيء، بل أزّمت الأمور إلى أقصاها (يمكن رؤية النتائج الكارثية بسهولةٍ اليوم، خصوصاً وهذه الدول بعينها تدفع أثماناً باهظةً في الأزمة الرأسمالية العالمية، بفعل تعقُّد علاقتها مع المركزية الرأسمالية في أوربا الكلاسيكية وأميركا، القائمة على التبعية والتلقي والانقياد).

بالمقابل، أمام السوريين فرصةٌ ثمينةٌ ليمكن للأبناء والأحفاد القول بعد عقود: لقد كنا محظوظين أكثر.

فنظامُ القمع الأسدي لم يسقطْ بفعل عوامل خارجية ولا متأثراً بتبدُّل تحالفات حلفائه، ولا بفعل ترهُّلٍ مرَضيٍّ ومحسوم (حتى الآن النظام قوي، فيزيائياً قوي، أي وإن تكن قوة العصابة لا قوة النظام أو المؤسسة): بل يتداعى بفعل ثورةٍ شعبيةٍ جذريةٍ طويلة النفس والعمر، أخذت وتأخذ وقتها لتلمُّسِ جسدها واكتشاف ذاتها الجديدة وضخ المعنى في أيامها وبشرها، ينبغي لهذا أن يكون كافياً لتعرية (ومن ثم الإجهاز على) كل مفرَزات الاستبداد المتطفّلة على الثورة، والاستعاضة عنها بمكوناتٍ أصيلةٍ تحمل روح الجِدَّةِ الثورية، وتوقَ التغيير الفعلي، وترى في الأيديولوجيا وسيلة، وتدرك –حدسياً، بحكم انتمائها للحظة، أي للراهن، أي للعصر بالنتيجة– عقم الأيديولوجيا ما إن تقع في الشمولية، كما في ضيق الأفق.

يمكن القول إن هذا يختصر سيرورةَ أفولِ الليبرالية المزيَّفة: ليبرالية البرجوازية السورية التي لم تنفكَّ تسلك سلوكاً مثبِّطاً كابحاً، كونها بطبيعة الحال الخاسر الأول من ثورة الأرياف السورية ذات الروح اللامركزية، برجوازية تحاول (عبر الانخراط في الثورة كمعطَىً لا كلاعب، مع أنها حاولت أن تكون جزءاً فاعلاً من الثورة، لاعباً، لكنها لم تحقق أكثر من دور «المكون الاجتماعي/ السياسي المحسوب على الثورة») تحاول الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من مكاسب زمن الاستبداد. النصف الثاني من هذه السيرورة المهمة والتاريخية: بزوغ ليبرالية ثورية حقيقية، ليبراليةٍ تنطلق مِن صِفرٍ مناسِبٍ تماماً ودافِعٍ لعرَبَةٍ الثورةِ وإنسانِها: الثوري عندما يختار العقلانية. الثوري عندما يتعقلن ويبدأ في الاقتناع بأن انتهاجَ تكتيكاتٍ إصلاحيةٍ لتحقيقِ استراتيجياتٍ ثورية، ممكنٌ ومفضَّل، لأن من شأنه أن يزيد في المكاسب ويقلل من الخسائر والتضحيات.

إن الليبرالية أكبر من بعدها الطبقي، وما يحدث في سوريا دليل هذا الاستنتاج، وهكذا: من سراقب، بستان القصر، الكلاسة، اللطامنة (إلخ)، وليس من أقلويي الثورة ولا برجوازية البلاد التي تنازِع، بل من قلب الأرياف والضواحي السورية السنية الثائرة تسمع من يقول «لا» لما يراه تغوّل السلاح في فرض لغته على المجتمعات المدنية في المناطق المحررة، وتسمع من يتمسّك بوحدة البلاد كأولوية، ويختار المصالحة بشجاعة، ويفكر في الدولة الوطنية، ويقلق على وضع جمهور النظام... باختصارٍ ينهج نهجاً ليبرالياً حقيقياً: ليبرالية ديمقراطيةً وطنية ثورية، من قاعدة المجتمع، ومن قلب العاصفة وعين الحدث، ولمصلحة الناس وبأيدي الناس ومنتوجهم الوجداني الجمعي، وليس ليبرالويين سلطويين وصوليين لا يريدون في حقيقة الأمر أكثر من لجم الثورة واستبقاء الاستبداد ومفرداته ما أمكن..