هل توجد «علوية سياسية» في سوريا؟

مقدمة

هل يمكن الحديث عن «علوية سياسية» في سوريا كما نتحدث في لبنان عن «المارونية السياسية»؟

نقرأ هنا وهناك أحياناً عن «علوية سياسية» أو «نصيرية سياسية»، ولكن هذين التعبيرين يستخدمان في سياق الحديث المستطاب مؤخراً عن مؤامرة علوية نصيرية شيعية، وعن هلال شيعي... وعن الاستقطاب السني-الشيعي العريض الذي درج كثيراً في الأدبيات السياسية بعد الغزو الأميركي للعراق.

لا يوجد في الثقافة السياسية للنظام السوري أو المعارضة السورية تداول لهذا التعبير رغم أنه أقدر على فهم كثرة المؤيدين للنظام الأسدي من كافة مكونات المجتمع السوري (أكثر مثلاً من مفهوم «المنحبكجية» الأثير على قلوب البعض). العلوية (بعكس المارونية) في سوريا كلمة لا تحيل إلى التمدن، بل تحيل إلى الريف القادم حديثاً للمدينة بكل ما يحمله من فقر وجهل وعزلة، وإلى الانقلاب العسكري الذي جلب العسكر الريفيين للحكم بالقوة على حساب أهل المدن.

كيف عبّر المركّب الأسدي العلوي في النظام السوري عن نفسه منذ عام 1970؟

مفاهيم النظام الاستبدادي الشمولي لحزب البعث هي السائدة في الأدبيات السياسية حتى الآن رغم أنه أثناء نشاط رفعت الأسد في سوريا (رابطة خريجي الدراسات العليا مثلاً) وبروز بعض المثقفين العلويين الموالين له سرت شائعات في السبعينيات عن إمكانية تخلي النظام عن الغطاء البعثي والكلام عن النظام الأسدي مباشرة (ترافقت مع محاولات البعض تعظيم شخصية رفعت الأسد)، وقد كان رفعت الأسد الأكثر تأثراً بأنظمة الحكم العربية الملكية الوراثية (حتى في زواجاته المتعددة على طريقة الأسر المالكة لتكثير نسل الأسرة الأسدية المالكة أو الحاكمة على حد تعبير باتريك سيل). وسرعان ما خرج رفعت الأسد من الحكم ومن سوريا، واستمر النظام الأسدي في سردياته البعثية القديمة المتجددة. لو لم يطل عهد الأسد الأب لثلاثين عاماً ولو لم يعقبه توريث الحكم لابنه لكان الحديث أسهل «فيما بعد» عن مرحلة الأسدية السياسية «السابقة»، وعلى الأغلب لن يتم الحديث أيضاً عن «علوية سياسية» إلا ما بعد رحيل عائلة الأسد، فيما إذا ظل النظام السياسي نفسه قائماً دون تغيير جوهري.

ولما كان القاموس السياسي الرسمي المتداول في سوريا مغلقاً على لغة محددة ومحدودة لا يمكن تجاوزها في ظل نظام شمولي بعثي، فقد انطلقت ألسنة وأقلام موالية للنظام الأسدي لبنانية بشكل خاص وأجنبية لشرح المفهوم الأسدي للحكم في سوريا كسياسة خارجية بالدرجة الأولى (أتيح لأجانب فقط الكتابة في السياسة الداخلية كما فعل باتريك سيل أثناء عرضه لسيرة الأسد الاب في كتابه الشهير).وقد كان ملفتاً للانتباه بعد وفاة حافظ الأسد اعتماد الفضائيات السورية على لبنانيين للتكلم عن شخصية حافظ الأسد وأسلوبه في الحكم وسياساته الخ (لأن كلام السوريين في هذا المجال كان محظوراً خارج اللغة الفقيرة المتاحة!)، ثم ورث بشار الأسد الحكم والملك واستمر الحديث السياسي في استخدام اللغة السياسية القديمة مضيفاً لها «إصلاحات» بشار وشخصيته الخاصة وأسلوبه في الحكم مما هومعروف للجميع.

لماذا لم يمكن الحديث بصراحة وبطريقة مباشرة عن «علوية سياسية»؟

• بسبب استمرار وجود «الأسدية السياسية» المؤسِّسة كرمز وكمعاني كامنة عبر التوريث في نفس العائلة الأسدية.

• لأن الطائفة العلوية جرى استثمارها سياسياً في الأصل في نظام الرموز والمعاني البعثية القديمة والجديدة من قومية وعلمانية وممانعة ويسارية إلخ.. وعائلة الأسد ليس لها شرعية دينية أو إقطاعية داخل الطائفة العلوية خارج شرعية التشبيح الصرف الذي فرضها قسراً.

• لأن الطائفة العلوية لا تحوز على أكثرية عددية في سوريا، وإن أصبحت أكبر «أقلية» في مواجهة«الأكثرية» السنية.

• لأن الطوائف الأخرى المسيحية والدرزية والإسماعيلية والشيعية الخ جرى تعبئتها في نظام الحكم باستخدام نفس نظام الرموز والمعاني البعثية السورية المعروفة… هذه الطوائف كانت تختبئ في النظام الأسدي وخلف الطائفة العلوية السياسية التي برزت للمقدمة، وبنفس الوقت فإن هذه الطوائف ليست لها علاقات جيدة مع الطائفة العلوية (كطائفة اجتماعية مقابل طائفة اجتماعية) إلا في سياق نظام مثل النظام الذي بناه الأسد في مواجهة «السنية السياسية» الكامنة في «الأكثرية» السورية.

• لأن الطائفة العلوية ليست طائفة دينية ظاهرية بل هي من الطوائف الباطنية التي تعتمد على التقية،ولا يمكنها السلوك سياسياً بشكل مكشوف مثل الطائفة الشيعية الظاهرية أو المسيحية المارونية. كما أنعائلة الأسد لم تترك أي مرجعية دينية مؤسسة أو أية مرجعية أخرى سواها في الطائفة العلوية.

• لأن سوريا لا حدود جغرافية لها مع إيران بل حدودها الأطول مع تركيا، أما العراق فبالعكس تتركز الجغرافية السكانية فيه قريباً من إيران وليس قريباً من سوريا. والجميع يعرف الصراع التاريخي بين حزبي البعث «السني» في العراق و«الشيعي» في سوريا الذي ارتدى دائماً أغطية أيدلوجية مزيفة. لم يتمكن النظام الأسدي أيضاً من الاستثمار سياسياً بشكل مباشر في العلويين في تركيا بسبب الفروق العديدة بين العلويين الأتراك والعلويين العرب تاريخياً وبسبب قضية لواء اسكندرون والتفاهمات السياسية العديدة التي فرضها النظام الحاكم في تركيا بالتهديد بالقوة العارية.

لماذا ظل مفهوم «العلوية السياسية» كامناً بعد اندلاع الثورة؟

عندما اندلعت الثورة السورية عملت ظروف مختلفة أهمها سياسة النظام الأسدي تجاه الثورة على بروز استقطاب سني-علوي واضح، وطلب النظام الأسدي من بقية الطوائف مواقف معلنة تأييداً لهوضد الثورة (جرى ما يشبه ذلك في الثمانينات ولكنه لم يكن واضحاً ومتواتراً وملحاً كما هو اليوم).ومع ذلك كله لم يصل الخطاب السياسي للنظام الأسدي بعد إلى مرحلة الحديث عن علوية سياسية فيظل التركيز الكبير على بشار الأسد كرمز شخصي لسوريا كلها.

كان لهذا المصطلح «العلوية السياسية» أن يوضح بشكل أفضل كل مفاهيم النظام الأسدي في الحكم داخلياً وخارجياً وطريقة تعامله مع مكونات المجتمع السوري وتعامله مع دول الإقليم، وطريقة تعامله مع دول العالم كافة. يمكن لهذا المصطلح أن يوضح التضاد الحاصل بين جمهورية الاستقلال الأولى، والجمهورية البعثية الأسدية من جهة، وبين الاستقطابات الاجتماعية والسياسية الحاصلة في المجتمع السوري خلال الثورة السورية والتي ستؤدي غالباً إلى جمهورية سورية جديدة (ثانية أو ثالثة) وبينالنظام الأسدي من جهة أخرى. ولعل الظرف الإقليمي المحيط بسوريا وما فيه من استقطاب سياسي(سني- شيعي) يدعو أكثر إلى تبلور مفهوم «العلوية السياسية» في نهاية المطاف إذا لم تحصل اختراقات في مسار الثورة.

أكبر مشكلة معيقة لتبلور هذا المفهوم هو تفضيل الأنظمة العربية السياسية الموجودة للاستثمار مباشرة في القوم السني السوري في مقابل القوم العلوي السوري والأقوام الدينية والإثنية الأخرى. وفي هذا المجال يمكن الحديث أكثر عن إثنيات علوية وسنية، وليس عن طوائف، خصوصاً مع ظهور عنصرية عدوانية في العنف الممارس من قبل النظام الأسدي تجاه مجتمع الثورة والتشابهات المتزايدة دائماً معسلوك العنصرية الصهيونية (اليهود في فلسطين هم «أقلية» أيضاً في المحيط الإسلامي الكبير).
لماذا الحديث مهم في «العلوية السياسية» أيضاً؟

بسبب موقف المثقفين والنخب العلوية في الثورة السورية وسكوت معظمهم عن المركب الطائفي السياسي للنظام في مقابل الاستمرار في استخدام الأدوات المعرفية السياسية التقليدية (نظام أمني استبدادي شمولي بعثي ممانع… الخ)، وهذا كله ناجم عن غياب دراسات سوسيولوجية وأنثروبولوجية وسايكولوجية عن تركيب النظام الأسدي المعقد في سوريا، وكذلك تركيب المجتمع السوري كله .ويمكن هنا إضافة ملامح لوجود حتى «علوية سياسية معارضة» في قلب المعارضة السورية نفسها(انظر السلوك السياسي للكثير من المثقفين العلويين «المستقلين» أو في حزب العمل الشيوعي وحزبالبعث الديمقراطي وتيار بناء الدولة وهيئة التنسيق… الخ).

إن تاريخ سوريا السياسي مختلف في أساس تكوينه عن تاريخ لبنان السياسي (النظام المركزي السياسي في سوريا مقابل نظام المحاصصات الطائفية في لبنان)، وهذا له أساس في توافقات البورجوازيةالوطنية السورية واللبنانية على الاستقلال الأول للبلدين عن فرنسا (واستقلال لبنان عن سوريا أيضاً).

ولكن كان لسوريا كنظام سياسي بعد انقلاب البعث وبعد الحركة التصحيحية نوع من المحاصصة الطائفية غير المعلنة في الوظائف العسكرية والسياسية وفي الإدارة العامة للدولة ويمكن لأي متتبعملاحظة ذلك بسهولة.

الكثير من المثقفين العلويين كان لديهم انحيازات طائفية «اجتماعية» مستترة مع النظام الأسدي أوطائفية «سياسية» غير معلنة أيضاً تحت أغطية أيدلوجية مختلفة (الوقوف مع «الدولة» السورية،الوقوف مع «الجيش العربي السوري»، الوقوف مع «سورية» الخ).

مع تزايد عدد العلويين في المناصب المهمة في الجيش والأمن والإعلام والوظائف العامة والأعمال التجارية النظامية (القائمة على الامتيازات والاحتكارات) وغير النظامية بما فيها الشبيحة في ريفومدن الساحل السوري، وبالتوازي مع بروز مثقفين كثر من العلويين المؤيدين أو المعارضين للنظام السياسي وحيازتهم لجزء مهم من الفضاء العام، ومع توريث النظام الجمهوري في نفس العائلة وتوريث الجيل البعثي الثاني (من العلويين) أيضاً في ازدواجية الفساد: السلطة والثروة، مع كل ذلكأمكن الحديث عن جيلين متعاقبين من العلويين عاشا في ظروف متشابهة مما سلط الضوء على هذه الطائفة كطائفة حاكمة ذات امتيازات من قبل باقي مكونات المجتمع السوري الكبير، وبرز بشكل خاص اولئك النخبة العلوية الذين يمكن دائماً تسميتهم وعدهم في قوائم (كما يتم بشكل شائع بالنسبة لقادة الأجهزة العسكرية والأمنية)، في حين بقي سائر أفراد الطائفة غير المعروفين يعيشون مثل غيرهم من أبناء الأرياف (من مكونات المجتمع السوري الأخرى) سواء بقوا في الريف أو هجروه إلى المدن.

وقد تعززت أيضاً صورة العلويين عن أنفسهم بصورة إيجابية هذه المرة قياساً لما كانت عليه قبل جيلين من الآن فقد أصبح لهم رموزهم المعروفة في كل شيء تقريباً في الحياة العامة: السلطة والثروة والشهرة والثقافة والتكنوقراط، وظهر ذلك في الثقافة الشفاهية المتداولة بينهم والتي لم تتجرأ بعد إلىالظهور العلني بشكل ثقافة مكتوبة ومفكر بها.

ما الذي سيشجع على بروز «العلوية السياسية»؟

• لم يحاسب النظام أي رمز علوي في السلطة العسكرية والأمنية منذ اندلاع الثورة حتى الآن؛
• زوال الرموز والمعاني السابقة (البعث-التماثيل-الصور-الشعارات)؛
• انتقال مفهوم «الضحية» العنيفة في سلوك العلويين المجرمين إلى عنف المجرم المستبد العنصري؛
• بروز المكون الإثني العلوي أكثر من المكون الطائفي؛
• تطور حماس بعض العلويين لمواصلة «الحرب» ضد السنة؛
• تطور موقف المثقفين والنخب العلوية من النظام الأسدي إيجاباً أو سلباً.

من المهم عند التفكير في سلوك الطائفة العلوية في الثورة السورية الفصل بين التفكير فيها كطائفة (أوإثنية) اجتماعية، أو كطائفة سياسية، أو كـ«علوية سياسية» أي منظومة مفاهيم تحتكر رؤية خاصة عن«سوريا» كمجتمع ودولة. إن علاقة النظام الأسدي بهذه المستويات الثلاثة مختلفة ومعقدة ومتغيرة.