معركة القصير

وسط الظروف الحاليّة، بين تشرذم مُعارض سياسي وعسكري وخذلان دولي على شكل منع تسلّح، كان سقوط القصير في أيدي جيش النظام وحلفائه اللبنانيين مسألة وقت، لا أكثر. هذا ﻻ يعني، بطبيعة الأحوال، انتقاصاً من قيمة الصمود المذهل الذي أبداه الثوار طوال هذه الأسابيع أمام جيش مدجّج بالسلاح، يمتلك وحده سلاح الجو ويتفوّق في القوّة المدفعيّة والصاروخيّة بشكل ساحق، مدعوماً من ميليشيا حزب الله المُسلّحة والمُدرّبة بسخاء. بل على العكس: هو تثمين للمقاومة الأسطوريّة بقدر ما هو إدانة لتخاذل المُقصّرين عن دعم مقاومة القصير، وهو كذلك غضبٌ تجاه من انشغل بشجارات كواليسيّة حول محاصصاتٍ سياسيّة وإيديولوجيّة بخسة تستمدّ قيمتها الرخيصة، بطريقة طفيليّة بحتة، من إنجازات الثوار على الأرض!

مع ذلك، ليس غريباً أن نرى النظام وحزب الله يحتفلان بهذا «النصر العظيم»، وليس صدفةً أن تكون القيادة الإيرانيّة أول المهنئين المنضمّين لرقصة المُحتفلين. انتصار القصير هو إنجاز مشترك لمحور إيران-النظام السوري-حزب الله، لكن قيمته السياسيّة الكبرى تقع لصالح إيران، حيث علانيّة اشتراك حزب الله في «الانتصار»، باستخدام وجهه ولغته الأكثر مذهبيّة، تمنحه تذكرة الذهاب إلى جنيف كشريكٍ إقليمي واجب الموافقة على أيّ عمليّة سياسيّة يمكن أن تخرج من اجتماعات المحفل الإقليمي-الدولي. حزب الله مُنتصراً في القصير ليس إﻻ تكليلاً لاستكمال أَقلَمة الصراع في سوريا عبر تطييفه.

قبل يومٍ واحد من «انتصار» القصير، ظهر مقطع فيديو مُسرّب يصوّر اجتماعاً لمسؤولين حكوميين وأمنيين (بينهم محافظ حلب) مع رجال بلدة «نُبّل» في ريف حلب، ذات الأغلبيّة المذهبيّة الشيعيّة والموصوفة في الإعلام بـ«الموالية» للنظام. في ذلك الاجتماع، يَعد المسؤولون الحكوميّون رجال البلدة بوظائف مستقبليّة في مؤسسات الدولة في حال انضمامهم للميليشيات المُسلّحة الموالية للنظام السوري، كما يعدونهم بحلّ مشكلات البلدة كلّها وتحويلها، عبر تنميتها ودعمها، إلى عاصمة ريف حلب بامتياز، واختلطت هذه الوعود بإطلاق شعاراتٍ دينيّة شيعيّة رافقتها هتافات «بالروح بالدم نفديك يا بشار» المعتادة. يستحق هذا الفيديو وقفة مطوّلة، بغض النظر إن كان قد سُرّب عمداً أم لا، وذلك لكونه مثالاً على الطور الجديد في سلوك النظام وخطابه. ليست الهتافات الشيعيّة بحد ذاتها مسألة تستحق الوقوف عندها، فهي بالنهاية تعبيرٌ عن ثقافةٍ جمعيّة في مجتمع مشدود الوتر يرى أن كلّ خطوط تماسه مع الجوار هي جبهة معركة حياةٍ أو موت، بل إن اللافت للنظر هو طغيان هذه الهتافات خلال لقاء أهلي مع السلطة من طراز اللقاءات التي ﻻ تعبّر فيها المجتمعات الأهليّة في سوريا عن ثقافتها، بل تظهر مدى ولائها للسلطة وعشقها للقائد مقابل الحصول على فتاتٍ من واجبات الدولة يشبه ما يعد به المسؤولون خلال هذا الاجتماع. هنا يُعبّر الجمهور عن «شيعيّته» ليس ﻷنه شيعيّ فخور بذلك، بل كتعبيرٍ عن تماهٍ هو أكثر من الولاء للسلطة الآتية للقائهم: أنتم جماعتنا، ونحن جماعتكم. تُرى هل يمكن ترجمة ذلك على نحو: «سنحارب معكم، وسيموت كثيرٌ منّا من أجلكم، لكن ﻻ تتروكنا إن هُزمتم»؟

في هذا النوع من «اللقاءات» ﻻ تختار المجتمعات الأهليّة مفردات الولاء للسلطة، فهذا امتيازٌ سلطوي يتم إيصاله للمجتمع بطرق ووسائل شتّى، أغلبها غير مباشر.

يُظهر هذا الفيديو أيضاً طوراً جديداً من علاقة النظام بالمسألة الطائفيّة في سوريا، فهي المرّة الأولى التي تظهر فيها الشعارات المذهبية كجزء من طقوس تواصل السلطة مع «مجتمعها» (هناك في اللحظات الأولى للفيديو رجلٌ بقميص أبيض يهزّ قبضته بنفس الصورة البعثيّة الرتيبة التي كان المسؤولون الحزبيون يتحركون بها على وقع شعار «حافظ... أسد... رمز الأمة العربيّة»)، فقبل ذلك كان الفعل الطائفي للسلطة يتم بالمداورة والإيحاء، أو، في حالات قصوى، عبر وكلاء إعلاميين لبنانيين تشكّل اللغة الطائفية جزءاً من حياتهم الاعتياديّة. وعلى عكس الادّعاء الوقح بطهرانيّة لغة النظام من الطائفيّة، لم يكن لدى النظام مشكلة في أن يتماهى في العُرف الشعبي مع الطائفة العلويّة. لم يحدث هذا خلال الثورة فقط، وخلالها سمح بشعارات وﻻفتات تمنح حلفاء النظام ألقاباً من اللغة المجتمعيّة العلويّة (بوعلي «بو تين»، على سبيل المثال)، بل قبل ذلك أيضاً: لماذا، مثلاً، تسامح مقصّ الرقيب مع ربط اللهجات الساحليّة بشخصيّة رجل الأمن أو المُهرّب أو «الشبّيح» في الدراما التلفزيونيّة السوريّة، ﻻ سيما الكوميديّة منها؟ هل كان ضرباً من تطبيع للمسألة؟

فيديو «نُبّل» هو حلقة كبيرة في سلسلة إضافة الرمز الفاقع على ما هو بنيوي في سلوك النظام السوري. بدأ ذلك مع ظهور ميليشيات ﻻ تخفي لونها الطائفي بحجّة «الدفاع عن الأماكن المُقدّسة» في السيّدة زينب بدمشق، ورغم أن إعلام النظام وحلفائه (بما فيه «روسيا اليوم») سوّقت في البداية «وطنيّة» هذه الكتائب بحجّة تنوّع طوائف مقاتليها، إﻻ أن هذه المحاولات مُسحت مع التدفّق الكبير في علنية وجود مُقاتلين غير سوريين، عراقيّين ولبنانيين خصوصاً، وإن ظهرت حالات من جنسيات خليجيّة وآسيوية أيضاً، ﻻ يُمكن تبرير قتالهم في سوريا إلا بالدافع المذهبي، وﻻ يمكن فهم تسامُح وتبرير بعض الأطراف لوجودهم في حين تُركّز بكثافة على وجود «مجاهدين» أجانب في صفوف المناهضين للسلطة، وأتى إعلان الأمين العام لحزب الله عن مشاركة ميليشياته في القتال في سوريا تكريساً لهذه العلنيّة المذهبيّة، ﻻ سيما حين ﻻ يبخل في استدعاء رموز من تاريخ الصراع السُنّي-الشيعي لتبرير دخوله إلى سوريا.

ما يُسمّى «الإنجاز العسكري» للنظام في عقدة استراتيجيّة كالقصير ليس فقط كذلك، بل هو أيضاً، بفضل مُشاركة حزب الله في «اﻻنتصار»، ترسيخٌ لصورة النظام السوري كجزء من حلف إقليمي-طائفي يأخذ الآن شكلاً صريحاً أيضاً بعد أن كان مضموناً مُحافظاً على صورة علنية معيّنة، ككتلة موحّدة: ينتصر، يُهزم، يحارب، يُفاوض. هذه الكتلة الإقليميّة-الطائفيّة تحارب لفرض نفسها كمُفاوض في صراع سُنّي-شيعي شامل يبحث عن رعاية أممية لتسوية ما، وليس نظاماً استبدادياً يواجه شعباً ثائراً وﻻ يجلب لحلفائه وأصدقائه إلا الحرج.

بالإمكان، إزاء هذا المشهد، الدخول في جدل بيزنطي حول تطييف المسألة السوريّة، نقاشٌ قد يدوم 14 قرناً وﻻ ينتهي: الحديث حول مصلحة النظام في تحويل ما يحدث في سوريا إلى صراع طائفي كان لازمةً في تصريحات كلّ الجهات المُعارضة منذ اللحظة الأولى، فهل كان يمكن أن تتفادى الانجرار وراء ما كانت تحذّر منه قولاً؟ إلى أيّ مدى يصحّ لوم اللوامين في تهوّر أهل الثورة تجاه هذه المسألة حين نرى الآن أن حلف النظام الطائفي هو الأكثر تماسكاً والأعلى لهفة لصراعٍ من هذا النمط، على عكس حلفاء الثورة الإقليميين في انقسامهم فيما بينهم والتردد العام في سلوكهم تجاه دعم الثورة. ﻻ رغبة في الدخول في هذا الجدل، ما ﻻ يعني عدم اﻻستياء من كثرة لوّامي الثورة في هذا المجال، خصوصاً وأن جلّهم يتجاهل منجزات «الحركة التصحيحيّة» في وضع الألغام عند خطوط التماس الطائفي في سوريا، منجزاتٍ تُقطف ثمارها اليوم على شكل عناقيد موتٍ للسوريين.