عودة بائسة إلى السيادة الوطنية

مرةً أخرى تتعالى في الآونة الأخيرة الأصوات المنادية بالسيادة الوطنية، وإعادة الاعتبار لما يدعوه البعض «استقلالاً» للقرار السوري. الأمر هنا يتخطى بطبيعة الحال ما رشح من أروقة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة عن تداخلاتٍ يقوم بها «سفراءٌ عربٌ وأجانب» في التوسعة المُزمعة للائتلاف. وكعادة السوريين، أتى قدح الزناد في هذا الحديث فكرياً من النُخبة المعارضة المفترضة، بشقّيها السياسي والثقافي، مع ما يمكن وصفه بموجاتٍ ارتدادية لدى بعض السوريين الثائرين في الداخل، وإن لم تفلح في حرف أنظار العموم، عما يعتمر في العقول من قلقٍ موضوعي تفرضه الوقائع على الأرض، أو التخبط الذي تعبره الثورة السورية هذه الأيام.

على أنّ لجوء النُخب الوطنية إلى لوم «الخارج» عما يحدث في «الداخل»، وإحالة عجزها المستدام عن القيام بأعباء النهضة الوطنية إلى الغرب، هو أمرٌ معهودٌ في عالمنا العربي، ويكاد يكون عادةً متأصلة في النُخب السورية التي هيمنت على الحياة السياسية والثقافية في البلاد منذ الاستقلال. هذه العادة سابقةٌ لسلطة البعث، لا بل يمكن القول أنّ الأخيرة نتاجٌ موضوعيٌ لها، ذلك أنّ القطبة المخفية، التي يبدو أنّها تتوارى دائماً في طيات هذا الحديث عن السيادة، تكمن في وجهته أكثر منها في مضمونه، حيث غالباً ما كانت وجهته بخلاف مضمونه؛ مقاصدها نحو الداخل لإقصائه، وليست نحو الخارج.

يعلم الجميع أنّه لا يمكن إسقاط الطغمة الحاكمة التي تجثم على صدور السوريين دون معونةٍ من الخارج، هذه حقيقةٌ موضوعية تتحدى النُخب السورية وبناها الفكرية بطبيعة الحال، كذلك تتحدى الرؤية التقليدية القروسطية لمعنى السيادة الوطنية، بمعنى أنّ تفريغ الوطن كمفهوم من مضمونه الحداثي الذي يحمي الفرد وحرياته الأساسية يقود في النهاية إلى إسقاط الوطن كمفهومٍ سياديٍ له حُرمة. هذا عنى منذ عامين إسقاط الشرعية الوطنية عن الأسد لكونه أمر أو غطى أو تغاضى عن إطلاق الرصاص على مواطنين سوريين، كذلك يعني إسقاط الشرعية الوطنية عن أي تشكيلٍ سوريٍ معارض يؤتي الفعل ذاته، ذلك أنّ السيادة الوطنية بمعناها الحداثي تسقط أمام حُرمة الفرد.

تخطئ المعارضة السورية خطأً جسيماً إن كانت تعتقد أنّ بمقدورها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لقد سقط مفهوم السيادة الوطنية في ضمائر العموم من السوريين عندما فُرّغ من محتواه الحداثي الذي يُفترض به أن يحميهم، وأن يحمي حقوقهم الأساسية من الاستباحة، إذ لم يعد ثمّة فرق أو حتى أفضلية للداخل على الخارج إلا بما يؤمن سيادة الأفراد على مصائرهم. هذا ما تعنيه الحرية بكل بساطة، وهذا ما تعنيه الكرامة أيضاً. يبقى أنّ دور الدولة الوطنية أن تكون حكماً عادلاً بين الأفراد، يحرص على تساويهم في الحقوق، وعلى تبدية حقوقهم على سواهم من الأفراد في الأوطان الأخرى، دون أن يكون لها حقٌ عليهم.

يبدو أنّ جلّ المعارضة السورية لمّا يخرج بعد من المفاهيم المهترئة التي تمخض عنها البعث. كذلك يبدو أنّ بعضهم يُبدي سعياً محثوثاً نحو إعادة إنتاجٍ مُمنهجة للاستبداد القديم، الأمر يذهب في اتجاه بعض القوى المدنية مثلما يذهب باتجاه بعض القوى الإسلامية، وهذا لا ينبئ بنهايةٍ قريبة للمسلسل الدامي الذي تشهده البلاد، فضلاً عن كونه يترك الثورة السورية خاويةً من طرحها الديمقراطي الحداثي الأصيل، والأهم أنّه يعيد التذكير بمأساة الوطن السوري، وبعجز النُخب السورية القديم عن صوغ عقد اجتماعي حداثي تكون الأولوية فيه للناس، حاجاتهم، حرياتهم، وحقوقهم.

لعلّ الأمور لم تبلغ بعد السوية التي تقتضي المطالبة بوضع البلاد تحت المظلة الدولية، وإن كنا قد بتنا قريبين منها. كذلك، قد ينشأ بتفاقم الأوضاع تيارٌ ثالثٌ حقيقي، يقدم وعداً أقرب للناس ممن يصرّون على استباحة السوريين تحت مسمياتٍ خرقة، كالسيادة الوطنية واستقلال القرار السوري. في هذا المدى المفتوح على الفوضى، ينبغي أن يعي الجميع أنّنا نقف على تخوم الهاوية، وأنّ صبر السوريين بدأ بالنفاذ...