طغاة الأرض... وطغاة السماء

تخصص ليزا ودين من كتابها «السيطرة الغامضة» فصلا ً بعنوان «تصديق العروض» وظاهرة تقديس الحاكم بالاستعراضات لتعزيز السلطة السياسية (التي تشبه صلاة استسقاء إجبارية جماعية). وتقارن ظاهرة تقديس الزعيم في اليابان (الإمبراطور ابن الشمس المتواضع الذي يمتنع تأدبا ً عن كشف اسم مصارعه المفضل في رياضة السومو الشعبية لأنه إمبراطور جميع اليابانيين، بينما يبدي الأسد الابن إعجابه بمسلسل باب الحارة «المقاوم»، وبين الاتحاد السوفيتي حيث كان ستالين الذي ورث أسلوب التقديس من لينين والذي أفسح مجالا ً واسعا ً لتعظيم الطيارين والعمال والدولة الوطنية والاشتراكية، وبين أوربا في القرن السادس عشر حيث الفترة الذهبية للبحث في«الحق الإلهي المقدس». وتقارن أيضا ً بين صناعة الهيمنة والشرعية بين جناحي البعث الصدامي والأسدي. وهي تعمل بأدوات منهجية عدة، ليس من بينها آلات «شرقية» هي المذهب والعقيدة. كما تسوق تعريفات «أكاديمية» لشرح آليات التحكم في سوريا مثل تعريف ريموند هينبوش للنظام البونابرتي «نظام فوق الطبقات يعقب الثورة» (إذا اعتبرنا الحركة التصحيحية الانقلابية ثورة)، ويكون فوق الطبقات ويشرف على تشكيل الدولة والانتقال إلى نظام حداثي معقد (التحديث في المراقبة والمعاقبة فقط لا غير)، وتصل إلى أنّ تقديس الأسد اعتمد إستراتيجية للتطويع بدلا ً من «الشرعية» التي هي تعريف هلامي حسب صامويل هنتغتون.


لكن يهمنا هنا المقارنة بين تقديس صدام وتقديس الأسد البعثيين. تلاحظ ودين أنّ صدام أنفق أموالا ً على الأنصاب الفاخرة مثل قوس النصر، في حين أنّ الأنصاب الاسدية أقل بهرجة وفخامة، وهي ملاحظة لا تفسرها العوامل الاقتصادية النفطية وحدها، وإنما تفسرها ما يمكن إن نسميه الفروق بين منابت البعثين المذهبية (البعث أداة إيديولوجية أو قناع). فهو سني ظاهري «جماهيري» في العراق وغنوصي باطني فئوي في سوريا. النظام السوري (كان يفضل دفع الناس والشركات إلى النفاق والإنفاق وبناء الأنصاب والجداريات (ولهذا تشبه بعض أنصاب الأسد الممثل شكري سرحان) ليتفرغ هو للمقاومة والممانعة وحفر الخنادق بين الشعب وبناء الترسانة والجيش في... جنوب لبنان، مع ملاحظة أنّ رجال السلطة كانوا يبذخون على أنفسهم وعائلاتهم!

الأمر الثاني أنه لم يحدث أن تمّ حفر فجوة بين الزعيم والشعب (على وجه الأرض) كما حدث في «سورية الاسد»، أو كوريا الشمالية. فصدام كان يهوى زيارات القرى والرقص مع الشعب، وأكل الطعام مع الفلاحين. القذافي يتواضع ويصب الماء على يدي وزيره شلقم، ستالين يسهر مع القيادة، ويقذفهم بعد السكر بحبات البندورة، أما الأسد.. ففرد صمد ليس له كفو أحد.

لم يستطع صدام حسين ابتلاع الحزب لصالح القبيلة ابتلاعا ً تاما ً كما فعل الأسد لصالح الفئة المذهبية، فمجلس قيادة الثورة بشر، يأمرهم صدام بالرياضة ويظهرون يوميا ً على التلفزيون، بينما القيادة السورية كهنة لا يمكن الوصول إليهم إلا «بالوحي العكسي».

سطوة الأسد وزميله البعثي صدام لم تكن كسلطان فريديرك العظيم الذي لم يكن يهتم بما يفكر فيه رعيته ما داموا ينفذون ما أمر به. الأسد كان يهمه النفاق بصرف النظر عن المعتقد السياسي (سياسة كما لو أن)، أما صدام فكان حقاً يؤمن بقلب معتقدات الناس السياسية. مرة عاشرة: الأسد باطني، صدام ظاهري.

تقارن ودين بين صدام والأسد من ناحية الكاريزما جسميا ً، الأول كان رياضياً وسيما ً، سباحا ً، مرحا ً، ويحرص على الحضور في ساحات المعارك، وإطلاق المدافع وحمل السيف وركوب الخيل، بينما كان الأسد يعمل في صناعة كاريزما «الغيب» فهو يتحاشى حضور مجالس الشعب، ويرسل إليهم خطابه مكتوبا ً (وكأنها ألواح موسى)، ويموت ابنه في حادث سيارة فيتحول إلى «سيد الشهداء»، وتسمى عشرات المؤسسات باسمه وتخرج على التلفزيون مانشيتتات توظف آيات القرآن الكريم «فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا». توظيف الآية في مواساة الرئيس فيه اعتداء ومخالفة من أكثر من وجه، فنوح كان نبيا ً، ولم يتبعه من قومه إلا أقل من واحد بالمائة، وبنى سفينة «فضاء» فنجى من الطوفان، ثم أنّ ابنه الغارق خانه ولم يتبع رسالته!!

كان إعلام صادم حسين يستطرف غرور الفكر الفارسي الذي ينعته بالمجوسي، فهو مصاب بداء العظمة؛ فالملك هو الشاهنشاه، والخميني هو آية الله روح العظمى... لم يسلم صدام من داء السلطان الكسروي (الجابري)، لكن الكسروية كانت واحدة من صفات الأسد السلطوية التي تميل إلى التشبه بالآلهة.

صدام فاز بآخر استفتاء بنسبة مائة بالمائة، أما الأسد فكان متواضعا ً ولم يكن يتجاوز نسبة 99 بالمائة «الديمقراطية»! جدير بالذكر أن الأسد الابن احتار بين الظهور والغياب بعد اختراع آلات الميديا، فقد تجنب دعوة الشيوخ لمناسبة إفطار ليلة القدر التقليدية بعد «تحريم» النقاب استجابة لطلب «الأهالي»، واستجابة لتعاليم العلمنة المقدسة.

لكن أين كعب أخيل في سلطة الأسد؟ له أكثر من كعب، واحد في إيران والثاني في موسكو والثالث الأهم في عالم الغيب والأسطورة. والآن هاهي النتائج الفادحة: تبوأت اليابان «الإمبراطورية» قيادة التحديث في العالم، وورث الاتحاد السوفيتي كثيرا ً من إرث ستالين في حب القراءة وبناء الحدائق والنظافة وحق الفيتو والقنبلة النووية وريادة الفضاء، بينما دُمرت قنبلة صدام النووية وتدمر شعبها بروثها النووي، أما إنجاز الأسد الوحيد– غير المقاومة والممانعة المقدسة- فهو الدراما. الشعب «الشهريار» يحتاج إلى حكايات من «الفانتازيا التاريخية» من شهرزاد التلفزيون ليتلهى عن الانتقام لشرفه المنهوب.