الانقسام الأهلي حول الثورة السورية

ثمة ما يمكن استنتاجه من ارتفاع منسوب الخطاب الطائفي لقوى الثورة واستسهال الحديث عن تقسيم طائفي قادم. إذ يبدو أن «الطائفية» قد قطعت شوطاً كبيراً منذ اندلاع الثورة حتى اليوم، وتكرست على نحو يجعل الحلول المبتكرة لعلاجها تذهب مذهباً طائفياً هي الآخرى.

نستذكر مؤتمرات للتصدي للمسألة الطائفية، كانت قد عقدت تحت مسميات من جنس المسألة، فذاك مؤتمر للمعارضين «العلويين» وآخر «للمسيحيين»، ناهيكم عن مؤتمرات أخرى من هذا الطراز من المرجح أن تجد كل التسهيلات اللازمة من أجل عقدها.

وفيما دافع العديد من الناشطين والمثقفين السوريين عن تلك المؤتمرات، بوصفها محاولة للحفاظ على سوريا موحدة وإنقاذ «الطائفة» من براثن النظام، هاجمها آخرون وطعنوا بالمؤتمرين باعتبارهم «أدوات رخيصة» للمشاريع الطائفية التي تنشد تقسيم سوريا. وبدرجة أقل، برز نقد لعقلية من تداعَوا لعقد تلك المؤتمرات، على اعتبار أنهم استخدموا أدوات ما قبل وطنية من أجل الدعوة إلى حل وطني عابر للطوائف يشمل جميع السوريين.

الحقيقة القاسية أن تلك المؤتمرات ما كانت لتغير شيئاً ولو يسيراً في الموقف العام للأقليات من الثورة، من حيث هو بالعام موقف متخوف جداً ويعيش كوابيس وجودية وصلت حد السير الأعمى مع النظام حتى أكبر قدر من الدم والجريمة. مع ذلك، فمن المرجح أن تتعدد المؤتمرات باعتبارها إحدى المؤشرات على وجود انقسام أهلي حول الموقف من الثورة في سوريا، انقسام ينكره البعض ويتجاهله البعض الآخر، فيما يتخبط آخرون ويحاولون معالجته بمقاربات تشكل أحد نتائج هذا الانقسام، وهو انقسام لا حلّ له بكل تأكيد. وإذا أخطأ البعض بمقاربتهم للحل، فإن خطأ غيرهم ممن ينتقدونهم أو يخونونهم أو يحطّون من شأنهم، بإغماض عينيهم وتجاهل المسألة برمتها أكبر.

وينطلق هؤلاء الذين يتجاهلون موضوعة الانقسام الأهلي من معزوفة رثة وعديمة الجدوى، وهي مساواة تأخّر حلب وبعض المدن والبلدات في الانخراط في الثورة مع موقف الأقليات المعادي للثورة والمناصر للنظام. هكذا يتهربون من القضية، ويحشرون تمايز موقف الأقليات في خانة الطبيعي والعادي الذي لا يستحق تحليلاً منفرداً. من ثم يزيدون على ذلك، بأنه ليس جميع أفراد الأقليات هم في صف النظام، وأننا نزوّر الوقائع إذ نشير إلى أن موقفها الداعم للنظام ساهم في صموده وبقائه عصياً على السقوط. ووفقاً لهؤلاء فإن عنف النظام والدعم الدولي له هما، ودون سواهما من أسباب، ما جعله يفتك بسوريا وبشعبها لعامين متواصلين من دون أن يسقط.

لا بد من التأكيد أولاً على أن الصراع في سوريا، وكما أُقدّر، لم يبلغ مرحلة «الحرب الأهلية» كما يصوّر الأمر بعض المقربين من النظام، أو بعض النخب المرتعدة من هول الصراع، ومعظم هؤلاء كانوا قد اتهموا الثورة –حتى قبل أن تندلع، وبمجرد إطلاق الدعوات الأولى للتظاهر السلمي– بما هو مزروع وأصيل فيهم، أي بـ «الطائفية». غير أن ذلك لا ينبغي أن يحجب عنا وجود انقسام أهلي في سوريا، أي أننا ندّعي عدم وجود حرب أهلية لكن من دون إنكار وجود انقسام أهلي حول الموقف من ثورة شعبية. إن الثورة الشعبية تختلف عن الحرب الأهلية بقيمها الأخلاقية الرفيعة وأهدافها الوطنية المعمّمة، فيما تستغرق الحرب الأهلية في القذارة وتستعمل كل الوسائل في سبيل غايات منحطة تخص فئة من الشعب أو حتى زعماء وأمراء هذه الفئة. وإذا كانت جموع السوريين الثائرين تخوض منذ عامين ثورة شعبية تبتغي تحقيق أهداف وطنية عابرة للطوائف، فإن النظام ومؤيديه يخوضون حرباً أهلية بتصميم وإرادة عرفتها جميع الحروب الأهلية، يضاف إليهم بعض الدول الإقليمية التي تخوض كذلك حرباً أهلية في سوريا سواء بدعمها للنظام أو للمعارضة.

لا يمكن إخفاء حالة الرعب العام الذي تعيشه الأقليات منذ اليوم الأول للثورة، هذا يختلف عن تأخر مشاركة بعض المدن والبلدات –مثل مدينة حلب– بحكم العنف الكبير الذي واجه به النظام المحتجين السلميين. وإنه لفرق عظيم بين أن تتأخر عن الانخراط في الثورة من جهة، وأن تقاتل ضدها وأن تتملكك رغبة جامحة في سحقها منذ اليوم الأول من جهة أخرى. ويبدو بديهياً ما يحاجج به البعض من أنه ليس كل فرد في صفوف الأقليات هو مساند للنظام، فكما أنه ليس كل الشعب ضد النظام –لكننا نتجرأ برغم ذلك على القول أن الشعب ضد النظام في مقاربة للسياق العام– كذلك الحال مع الأقليات، فهنالك سياق عام لموقفهم السياسي ولهذا الانقسام الأهلي الحاصل. الأمر يستدعي إذاً تفسيراً ما، ومقاربةً جريئة تعطي هذه المسألة موقعها الحقيقي. خصوصاً وأنها شكلت من بين أسباب عديدة سبباً إضافياً لصمود النظام، إذ لم يكن ينقص نظام مبارك ونظام بن علي أدوات قمع أو داعمين دوليين، لكن طبيعة النظام السوري مختلفة ولا ينبغي تجاهل ذلك، في الجوهر هي ذاتها لكن مع دور مؤثر للانقسام الأهلي.

باختصار، لقد أضفى الانقسام الأهلي على النظام السوري قوة وتماسكاً أكبر، وأكسبه دعماً دولياً وإقليمياً شديد الإخلاص حتى الرمق الأخير. وهكذا فمَن دفن رأسه برمال الوطنية الخالصة وتجاهل وجود هذا الانقسام توقّع سقوط النظام بعد أسابيع أو أشهر من اندلاع الثورة، وتوقع «انفضاض» الموالين من حوله، وهو ما لم يحصل.

ليست الحساسيات الدينية سبباً كافياً يُعتدّ به لتفسير هذا الانقسام، إذ هنالك أسباب أقوى تتصل بطبيعة النظام وبطبيعة المعارضة، على أرضية التكوين التاريخي المتخلف لنظمنا ومجتمعاتنا. فهذه البنى القروسطية هي عامل حاسم في تعزيز حالة التفتت المجتمعي والتقسيم على أساس هويات ما قبل وطنية. يضاف إلى ذلك تجارب بعض البلدان، كالعراق، حيث ارتبط التغيير في أذهان البعض بالفوضى وارتفاع حدة الصراع على الهويات الدينية والطائفية.

لقد طرحت الثورة في لحظاتها الأولى هذه الإشكالية الأهلية لأنها موجودة بالواقع لا بالمخيلة. هكذا هتف المتظاهرون منذ اليوم الأول «ما عنا طائفية»، و«لا للطائفية»، في محاولة لتمتين الهوية الوطنية الهشة، و كتدخل استباقي لمحاصرة آثار الانقسام الأهلي القادم. وبرغم وضوح ذلك الانقسام اليوم –حتى يكاد يصبح قضية قائمة بذاتها– يصرّ البعض على إراحة رأسه، وتجاهل المسألة وكأنها غير موجودة.