«القبعات الحمر» المُخادعة

 

«أغرونا بوعودهم فوقعنا في الفخ»، بهذه الجملة يُلخّص أبو محسن من سكان مدينة عربين، السياسة التي انتهجتها الشرطة العسكرية الروسية لتنفيذ مخططاتها في المناطق التي فرضت سيطرتها عليها، فمع مرور خمس سنواتٍ على التدخل الروسي في سوريا، بدا واضحاً أن الشرطة الروسية أو ما تُعرف بـ«القبعات الحمر» كانت ذراع موسكو لتعزيز قوتها على الأرض وبسط نفوذها على مختلف مفاصل الحياة.

تدخلت روسيا عسكرياً بشكلٍ رسمي في سوريا في الثلاثين من أيلول عام 2015، وأعلنت لاحقاً أنها لو لم تساند الأسد عسكرياً لسقط خلال أسبوعين؛ إذ كانت فصائل المعارضة في تلك الفترة على وشك حصار العاصمة بالكامل. اليوم، ومع مضي خمس سنواتٍ على بدء التدخل باتت مُقدّرات السوريين في أيدي الروس، بعد أن قدمها لهم نظام الأسد كجزءٍ من الفاتورة التي ينبغي سدادها لقاء ذلك التدخل.

كانت روسيا قد أرسلت أول كتيبةٍ من الشرطة العسكرية التابعة لها إلى سوريا في 25 كانون الأول (ديسمبر) 2016، عقب سيطرة قوات نظام الأسد على كامل مدينة حلب. وبعد ذلك سارعت موسكو إلى إرسال كتائب متتالية من الشرطة العسكرية القادمة من شمال القوقاز، ونشرتها في المناطق التي سيطرت عليها بموجب «اتفاقيات التسوية» المزعومة، وكان على رأس تلك المناطق مدينة دمشق وريفها.

أداة تنفيذ المخطط الروسي

يقول أبو محسن من أهالي عربين بريف دمشق: «تعرّضت الغوطة الشرقية لحملةٍ عسكريةٍ عنيفة، وبعدها أرسلت روسيا وفداً للتفاوض مع الأهالي، ووعدتنا بتوفير الحماية لنا وعدم تعريضنا للاعتقال أو المضايقة الأمنية، وأن المطلوب للخدمة العسكرية سيخدم ضمن منطقته بعد مهلة ستة أشهر، إضافةً إلى تأكيدها على أنها ستمنع عناصر النظام من الدخول إلى المنطقة».

يضيف أبو محسن للجمهورية: «كثيرٌ من الأهالي صدّقوا الوعود الروسية، ورفضوا التهجير إلى الشمال المحرّر وقرّروا البقاء في بيوتهم، ولم يمضِ شهرٌ على توقيع اتفاق التسوية حتى دخلت قوات النظام إلى مدن وبلدات الغوطة، وشنّت حملة اعتقالاتٍ واسعة طالت الكثير من المدنيين، معظمهم من الشبّان الذين تمّ سوقهم للتجنيد الإجباري والاحتياطي، دون أيّ تدخلٍ من الشرطة الروسية التي اكتفت بالمشاهدة».

وتعرّضت الشرطة الروسية لضغطٍ كبيرٍ من الأهالي، الذين اشتكوا من انتهاكات قوات النظام المتكررة، ما دفع موسكو للقيام ببعض الإجراءات لاستمالة الأهالي من جديد إلى طرفها، وإظهار نفسها بموقع الضامن.

يفيد الصحفي صلاح من أبناء مدينة دوما، أنّ «قوات النظام نفّذت في العام الماضي حملة اعتقالاتٍ واسعة في المدينة، ما دفع بالشرطة الروسية المتواجدة في فرع أمن الدولة بمحيط دوما إلى طرد تلك العناصر خارج المدينة، كما قامت أكثر من مرّة باعتقال عناصر أو ضباط تابعين للأمن العسكري وأمن الدولة والفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، بينهم رئيس فرع أمن الدولة في مدينة دوما العقيد باسل حبيب، ومدير مكتب طوارئ الكهرباء في دوما المهندس زياد آدم».

وأضاف صلاح أنّ «اعتقال روسيا لعناصر وضباط النظام وإزالة حواجز لهم، جاء على خلفية فرضهم إتاواتٍ على الأهالي أو سرقة منازلهم، وكذلك بسبب التورّط في ملفات فساد أو خطف شبان بغية طلب فدية من ذويهم. وفي نفس الوقت هدفتْ روسيا من الاعتقالات إضعافَ سلطة النظام وإرضاء الأهالي، وطالت تلك العمليات قوات الأسد في دوما بالإضافة الى القطاع الأوسط والجنوبي من الغوطة».

كما تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي في منتصف أيار (مايو) 2018 صوراً وفيديوهات تُظهر عناصر الأسد وهم منبطحون أرضاً بزيهم العسكري الرسمي أمام أقدام الشرطة الروسية، التي ألقت القبض عليهم بعد قيامهم بسرقة ممتلكات المدنيين في بلدات ببيلا ويلدا وبيت سحم جنوب دمشق.

وكان للشرطة الروسية دورٌ في تحجيم النفوذ الإيراني في محيط العاصمة، حيث انتشرت عناصرها في بلدات الجنوب الدمشقي، وأقامت مقرّاً كبيراً لها في بلدة يلدا، وصارت تعمل على تسيير دورياتها العسكرية في بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم؛ لعزلها عن منطقة السيدة زينب التي تسعى إيران لتحويلها إلى منطقة نفوذٍ تشبه «الضاحية الجنوبية» في بيروت. كما قامت الشرطة الروسية بقطع طريق «ببيلا - السيدة زينب»؛ لمنع الميليشيات الإيرانية من التمدد في جنوب دمشق، وفق ما ذكرت صحيفة الشرق الأوسط.

كذلك استخدمت روسيا الشرطة العسكرية لتنفيذ مهام أخرى، فعقب السيطرة على كامل الغوطة الشرقية في نيسان (أبريل) 2018، كلّفتها موسكو بالدخول إلى دوما لإزالة آثار الهجوم الكيماوي الذي نفّذه النظام، وذلك قبل وصول فرق التفتيش التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، حسب ما روى للجمهورية شهودٌ من دوما، كانوا قد شاهدوا فرقاً من الشرطة العسكرية الروسية تدخل إلى البناء الذي تعرّض للضربة بمرافقة آلياتٍ ثقيلة.

أساليب الخداع

اعتمد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ضمن الشرطة العسكرية الروسية، على عناصر من المسلمين السنّة القادمين من جمهوريات شمال القوقاز، وادّعت روسيا أنّ مهام تلك الشرطة تتمثّل في ضبط الأمن وحماية المدنيين وقوافل المساعدات الإنسانيّة، وفي رصد الواقع المعيشي ومحاربة الفساد، وإقامة نقاط تفتيش ومراقبة لوقف إطلاق النار، ومرافقة فرق نزع الألغام خلال عملها في المناطق الأثرية.

من جهته، يقول الصحفي غياث الذهبي من أبناء الغوطة: «تعمّدت روسيا استقدام جنودٍ من المسلمين السنة الى سوريا للتقرّب أكثر من الناس، ولكسب ثقة الأهالي وخداعهم؛ حيث حرص عناصر الشرطة على قمع انتهاكات النظام، وعلى زيارة المدارس وتقديم الهدايا للأطفال، وتنظيم دوريّات مستمرة للتواصل مع الوجهاء وسماع شكاواهم، ومشاركة الأهالي بأداء الصلاة في الجوامع وتقديم المساعدات الإغاثية، وفي شهر رمضان كانت الشرطة الروسية تُقيم إفطاراً جماعياً للأهالي».

وأشار الذهبي إلى أنّ «الشرطة العسكرية الروسية باتت بمثابة فخٍّ تستخدمه موسكو لخداع السوريين وتنفيذ مخططاتها؛ حيث أوهمت الأهالي بأنّها المخلّص لهم من انتهاكات النظام، وهذا الأمر زاد ثقة الأهالي بها، ما دفع الشبان للانتساب الى الميليشيات الموالية لروسيا. وقد استخدمت موسكو تلك الميليشيات لتحقيق أهدافها داخل سوريا وخارجها، فقُتِلَ الكثير منهم في جبهات المعارك». ويضيف الذهبي تعليقاً على إرسال السوريين كمرتزقة إلى خارج البلاد: «روسيا دولة احتلال في نهاية الأمر، وهي تهتم لمصلحتها أولاً؛ لذلك لن تجد نفسها معنيةً بمصير السوريين حتى تتعامل معهم بشكل ذكي».

اقتصر الانتشار الروسي على الأرض في البداية على المناطق التي ساهمت موسكو في السيطرة عليها مع النظام السوري؛ كالغوطة الشرقية والقلمون الشرقي ومناطق جنوب دمشق. أما المناطق الواقعة غربي دمشق؛ مثل المعضمية وخان الشيح وداريا، والتي لم تتشارك مع النظام في السيطرة عليها، فلم يكن هناك أي عناصر للشرطة الروسية فيها.

لكن عقب ذلك بدأت موسكو تسعى إلى تعزيز نفوذها في مختلف المناطق السورية، وخاصةً المناطق ذات الأهمّية الاستراتيجية، حيث نشرت عناصرها داخل العاصمة دمشق، لا سيما في شارع بغداد وشارع الثورة وأحياء المزّة والتجارة ودمشق القديمة وخاصةً سوق الحميدية، فضلاً عن تواجدها على الطرق الدولية. ولم تقتصر روسيا على نشر حواجز أو دوريات مسيّرة، بل أقامت مراكز ثابتةً لها، ففي الغوطة الشرقية أنشأت عدة نقاط ثابتة في مدن وبلدات دوما وعربين ومسرابا وحمّورية.

يقول الناشط الإعلامي إبراهيم الشامي أنّ موسكو «تعمل على انتداب مترجمين من جمهوريات شمال القوقاز أو من روسيا نفسها، ولا تعتمد على مترجمين تابعين للنظام، حيث تخشى أن يقوم أولئك المترجمون بتحريف معنى بعض العبارات، خاصةً حين يأتي وفدٌ من الأهالي إلى نقاط تواجد الشرطة الروسية لتقديم شكاوى عن انتهاكات عناصر النظام بحقهم»، مشيراً إلى أنّ «روسيا ترسل عناصرها للوقوف على حواجز الأسد والإشراف على كيفية تعامل قوات النظام مع المدنيين، أو تقيم حواجز متنقّلة لمراقبة الوضع الأمني فقط وتَلقّي شكاوى السكان».

أثارت زيادة النفوذ الروسي استياء النظام الذي فقد سلطته في مناطق سيطرته، ما دفعه الى التحايل على الجانب الروسي لفرض قبضته الأمنية، وفي هذا الإطار يقول غياث الذهبي: «في ظل وجود الروس لا يستطيع الأسد اعتقال أي شخصٍ لسببٍ سياسي وأمني؛ كون موسكو هي الضامن في مناطق المصالحات، لهذا تعمّدت قوات النظام اعتقال أي شخص تحت ذريعة جنائية. على سبيل المثال، قد ينشب شجار بين شخصين بسبب خلاف بينهما، أو يرتكب شخصٌ ما حادث سير، فيسارع النظام إلى اعتقاله بحجة ارتكابه مخالفةً جنائية، بينما في الواقع هو مطلوب أمنياً ويعامله الأسد معاملة المعتقل السياسي ويماطل في إرساله للمحكمة، وحتى لو اشتكى الأهالي للجانب الروسي فالأخير يرفض التدخل، بحجة أن الاعتقال تمّ بسببٍ جنائي أو من أجل التجنيد الاجباري».

ولا تعتمد الشرطة العسكرية على عناصرها فقط، بل عمدت إلى تشكيل ميليشيات موالية لها، ففي مطلع العام الحالي قامت موسكو بتشكيل ميليشيا محلية في مدينة دوما تحت مسمى «أصدقاء موسكو»؛ حيث فتحت باب التطوع للشبّان الذي أجروا «تسوية»، وخصّصت لكلٍّ منهم راتباً قدره 75 ألف ليرة سورية؛ بغية العمل على ضبط الأمن والمشاركة في الاعتقالات ونصب الحواجز وقمع أي حركة تظاهر أو عصيان في وجه نظام الأسد وملاحقة المتخلفين عن الخدمة العسكرية، إضافةً إلى المشاركة في القتال على الجبهات.

وبالنسبة للشبان الذين انتسبوا إلى الميليشيات الموالية لروسيا طمعاً بالرواتب والنفوذ، فقد تفاجأوا فيما بعد بأنّهم وقعوا في الفخ، حيث ظنوا في البداية أنّ مهامهم ستكون ضمن المناطق التي يقيمون فيها، لكن سرعان ما اكتشفوا أن روسيا عملت على تجنيدهم للاستفادة منهم في مهام خارجية أيضاً.

وأفادت شبكة «صوت العاصمة» أنّ روسيا قد أرسلت خلال الفترة الماضية ثلاث دفعاتٍ متتالية لمتطوعين من أبناء أحياء وبلدات جنوب دمشق والغوطتين الشرقية والغربية، وذلك للقتال إلى جانبها في مدينتي طرابلس وبنغازي الليبيتين، ضمن عقودٍ تمتدّ لثلاثة أشهر، مقابل 1000 دولار شهرياً للشخص الواحد. مشيرةً إلى أنّ القوات الروسية تتجهّز أيضاً لإرسال دفعةٍ رابعةٍ من أبناء بلدات جنوب دمشق للقتال إلى جانب «قوات حفتر» في ليبيا، وذلك بعد أسبوعين من عودة إحدى المجموعات إلى سوريا عقب انتهاء مدة عقود أفرادها.

في المجمل، بات واضحاً أنّ روسيا سعت لاستغلال الشرطة العسكرية كأداةٍ للتقرب من المدنيين أكثر، ولتجميل صورتها أمام العالم والتغطية على المجازر والانتهاكات التي ترتكبها، حيث قتلت 6859 مدنياً منذ تدخلها في سوريا حتى أيلول (سبتمبر) الحالي، وذلك بحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان. وبالتالي فإنّ الشرطة الروسية هي عبارة عن لعبة بيد موسكو روّجت بأنها مجرد قوات فصل بين مناطق النظام والمعارضة والحفاظ على الأمن، بينما هي جزءٌ من الاستراتيجية الروسية الهادفة إلى تثبيت نفوذها في البلاد.