«المصالحة» بوصفها استمراراً للحرب

 

انتشر مصطلح «المصالحة» على نطاق واسع في سوريا خلال الأعوام الأخيرة، بعد أن استخدمه النظام طارحاً من خلاله مخارج، أو خطوات إجرائية أخيرة، لطي صفحة المواجهات المسلحة بينه وبين الفصائل المعارضة على امتداد الخريطة السورية. وتقضي اتفاقات «المصالحات» بتهجير الرافضين لها من مناطق القتال، مقابل بقاء الذين يقبلون بها تحت نفوذ النظام، الذي قدم ضمانات لهم في البداية، لكنه سرعان ما انتهك سريعاً أغلب ضماناته تلك.

ولا تعيش المناطق التي شهدت «مصالحات» في محيط دمشق وريف حمص والمنطقة الجنوبية أوضاعاً متطابقة، بل إن هناك تفاوتاً بين منطقة وأخرى، يرجع إلى عوامل عديدة من بينها ظروف إبرام الاتفاقات وعدد الأشخاص الذين اختاروا البقاء والموقع الجغرافي لكل منطقة، لكن هناك شيئاً مشتركاً يجمعها كلها، وهو أن سياسة سوق الشبان إلى الخدمة العسكرية واحدة، وأن اتفاقات المصالحة وضمانتها لا تقدم للمطلوبين أمنياً بسبب عملهم السابق، العسكري أو المدني، حصانة من أي انتهاك.

وقد فرض النظام على المطلوبين للخدمة العسكرية أو المطلوبين أمنياً في مناطق المصالحات، الحصول على «ورقة تسوية» يُفترض أن تُتيح لهم التنقل على الحواجز دون الاعتقال والمساءلة. وتعطي هذه الورقة للمطلوبين للخدمة العسكرية مهلة مدتها ستة أشهر، عليهم خلالها تأجيل خدمتهم بشكل قانوني لداعي الدراسة أو غيرها، أو الالتحاق بالخدمة عند انتهائها. وتقول مصادرنا المحلية في مناطق «المصالحات» إن «من يلتحق من تلقاء نفسه بعد انتهاء هذه المدة، يُعامل بطريقة أفضل ممن يُعتقل بسبب تخلفه عن الالتحاق، وقد يتم فرز الملتحقين طوعاً في مناطق أكثر أمناً وأقل سخونة».

أما المطلوبون أمنياً، وهم العناصر المنشقون سابقاً عن الجيش والقياديون في الفصائل، أو الذين ارتبطت أسماؤهم بالنشاط الإعلامي والإغاثي، فإن «ورقة التسوية لا تُمنح لهم بسهولة، ويتم اعتقالهم في بعض الأحيان وسوقهم إلى الأفرع الأمنية للتحقيق معهم»، بحسب مصادر محلية، تقول إن هدف النظام من هذا التضييق هو «منع أي احتمال لحصول حراك في المستقبل ضده، فيقوم من خلاله بغربلة مناطق المصالحات لضمان الولاء، وإبعاد شبح الحراك العسكري أو المدني ضده».

وكان النظام قد أصدر «عفواً» عن المنشقين والفارين من الخدمة في تشرين الأول 2018، يُسقط «كامل العقوبة عن مرتكبي جرائم الفرار الداخلي والخارجي المنصوص عليها في قانون العقوبات العسكرية»، لكن هذا القرار لم يشمل «المتوارين عن الأنظار والفارين من وجه العدالة»، إلا إذا سلموا أنفسهم خلال 4 أشهر بالنسبة للفرار الداخلي، و6 أشهر بالنسبة للفرار الخارجي.

ويقول أحد المنشقين الذين التحقوا بجيش النظام بعد صدور العفو للجمهورية: «التحقنا في الأسبوع الأخير من العفو الذي أصدره النظام، على أساس أن لا يتم التعرض لنا». مضيفاً: «لقد فوجئنا باستقبالنا بالشتائم، ثم نقلنا للأفرع الأمنية. ساقنا جنود النظام إلى أحد الأفرع، وجرى التحقيق معنا هناك حول أحداث السنوات الماضية». مشيراً إلى أنهم تعرضوا للإهانة والضرب كما لو أنهم لم يسلمو أنفسهم طوعاً، ثم خرجوا بعد 25 يوماً، وفُرزت الغالبية العظمى منهم إلى مناطق المواجهات مع داعش في البادية والمنطقة الشرقية، أو مناطق المواجهة مع فصائل المعارضة في إدلب».

ويروي عنصر من النظام ما حصل مع أحد الملتحقين عبر «التسويات»، قائلاً إن الأخير «التحق بالخدمة عبر تسوية جرت في منطقته، وتم سوقه وفرزه للحراسة، لكنه خرج إلى الحراسة دون أن يُقدَّم له أي سلاح. النظام عموماً لا يسلّم المنشقين أسلحة بعد التحاقهم بالخدمة»، مشيراً إلى أن الضباط «يعاملون هذا الشاب بشكل سيء ويهينونه»، وأن أحد الضباط قال له: «صرلك سبع سنين مسلّح وعم تقتل فينا... مفكر إنو رح تتعامل متلك متل غيرك... بدي ربي فيك الجيش السوري».

دفعت هذه السلوكيات والوقائع المتكررة مئات الشبان المطلوبين للخدمة العسكرية أو المنشقين أو المطلوبين أمنياً، للالتجاء إلى مناطق من محافظتي درعا والقنيطرة في الجنوب السوري، لا تستطيع قوات النظام وأجهزته الأمنية دخولها بسهولة، خشية حصول صدامات مع الأهالي ومسلحي فصائل المعارضة السابقين في المنطقة، التي يُعتبر استقرارها حساساً بالنسبة لإسرائيل الموجودة على تخومها، وروسيا التي تلعب دور الضامن فيها برقابة أشد من باقي المناطق. ولم تشهد تلك المناطق تهجيراً واسع النطاق كما في الغوطة الشرقية مثلاً، وما زال الموقف العام فيها مناهضاً للنظام، الذي يسيطر عليها شكلياً من خلال حواجز في محيط بلداتها وقراها.

ناشط إعلامي في الجنوب السوري، قال في حديث للجمهورية إن شخصاً ما قد أوردَ اسمه في تقرير أمني، بسبب عمله الإعلامي المناهض للنظام في السابق، وإنه حاول عدة مرات إبرام تسوية لكنه لم يستطع، رغم أنه لم يحمل السلاح إطلاقاً، مضيفاً أن النظام «يعتبر أن العمل في النشاط المدني لا يقلّ خطورة عن العمل المسلح، ولا يتهاون مع النشطاء في هذا المجال».

ويشير الناشط إلى أنه لا يستطيع التحرك إلا في نطاق ضيق جداً، بسبب خوفه من الاعتقال، وسط غموض في المستقبل الذي لا يحمل الحاضر أي إشارات مطمئنة بخصوصه، مؤكداً أن هذا ينسحب على مئات الأشخاص المعروفين بعملهم سابقاً في المجال الإغاثي والإعلامي المناهض للنظام.

وفضلاً عن الحالات الفردية، يقول الناشط إن هناك إجراءات جمعية يتخذها النظام ليضيق فيها على عموم سكان بعض المناطق، كأبناء داريا والغوطة الشرقية الذين لم يذهبوا إلى الشمال، إذ أنه يمنع أبناء داريا حتى اللحظة من العودة إلى منازلهم، رغم مرور ثلاث سنوات على سيطرته على المنطقة. لافتاً إلى أن هذا الوضع الضاغط مؤشر واضح على أن الاستقرار لا يتم بالنسبة للنظام إلا من خلال غربلة و«مجانسة» المجتمع، وإنهاء الأصوات المعارضة كلها؛ وإلى أنه من المستحيل الوصول إلى حل معقول بوجود عقلية كهذه، إذ تنهار كل الجهود المبذولة سعياً لحل سياسي أمامها.

تفترض كلمة «مصالحة» لغوياً وجود خصمين «يتصالحان» بعد نزاع بينهما، لكن سياسة النظام حيال من عملوا ضده إعلامياً أو عسكرياً أو حتى إغاثياً، تجرد الكلمة من معناها تماماً، وتجعلها وسيلة أخرى لمواصلة الحرب واصطياد الخصوم والتنكيل بهم بدل التصالح معهم. كثيرون في سوريا أولئك الذين تعبوا من الحرب بعد أن أدركوا قسوة المواجهة غير العادلة، وهم يسيرون اليوم في طريق «المصالحات» بعيون قلقة من خناجر الانتقام التي تلمع قبالتهم في الأفق.