أبعاد العنف الجنسي ضد النساء

 

عند الساعة الرابعة فجراً تقريباً، سمعنا دقات على باب المنزل أقلقت غفوتنا لشدة ما كانت عنيفة. ركضت صديقتي نحو الباب، لتجد زوجة حارس العقار أمامها تسأل عن إحدى الفتيات المقيمات معنا وتطلب منها النزول معها إلى الشارع، حيث تقف مجموعة من حوالي 30 شاباً أصروا على أنهم لن يبرحوا المكان إلا بعد الحصول على الفتاة.

في محاولة لاستيعاب الموقف، دخلت صديقتي لتوقظ الضيفة التي تقيم لدينا بضعة أيام في زيارة خاطفة للقاهرة، ولِتستفهم عمّا حدث، لنعرف أن ضيفتنا الشابة، أثناء عودتها برفقة أحد أصدقائها الذي أوصلها بسيارته حتى باب المنزل، تعرضت لهجوم جماعي من مجموعة من الشباب، الذين التفوا حول سيارة الشاب وقاموا بضربه وتكسير سيارته، وقام أحدهم بجذب الفتاة ليأخذوها معهم، لكن لحسن الحظ استطاعت الضيفة الإفلات من قبضتهم والركض إلى داخل البيت، حيث تمكنت من الهروب منهم.

بطبيعة الحال، دارت كل السيناريوهات المظلمة في رأسنا عن مصير الفتاة إذا وقعت في أيدي هؤلاء الوحوش. إلى أين كانوا سيصطحبونها؟ ماذا كانوا يفكرون كي يجرؤوا على التعدي على شاب داخل سيارته التي تحمل شعار وزارة الداخلية، أي مع احتمالية أن يكون ضابطاً وأن يكون مسلحاً؟ هل كانت الفتاة ستتعرّضُ لاغتصاب جماعي؟ هل كانوا سيفلتونها بعد تنفيذ جريمتهم أم سيتخلّصون منها بطريقة ما؟ وهل علينا أن نبدأ بالبحث عن مكان آخر ننتقل إليه بعد أن فقدنا الأمان في منزلنا، وحتى لا يتعرض لنا هؤلاء مرة أخرى؟ أسئلة كثيرة راودتنا لأيام كثيرة حتى بعد انتهاء الموقف.

جعلتني هذه الحادثة أسترجع كل جرائم الاعتداءات الجنسية التي تتعرض لها النساء في مصر. فمع كل جريمة من هذه الجرائم، نبدأ في سماع بعض التبريرات المجتمعية للمعتدي، كملابس الفتاة وتدني المستوى التعليمي أو الاجتماعي أو الاقتصادي للمجرم، وغيرها من المبررات التي وضعتها البنية المجتمعية الذكورية، بما يخلق حالة من التماهي مع جرائم العنف ضد النساء، وتحميل إما الناجية/ الضحية، أو المجتمع، أو أياً كان، مسؤولية هذه الجرائم، عدا المجرم الحقيقي الذي ارتكبها.

رغبة أم جريمة؟

مع انتشار الموجة الأخيرة من شهادات الناجيات من العنف الجنسي، وظهور العديد من الجرائم على السطح بعد مرور سنوات على وقوعها، كان هناك تساؤل مشتركٌ بين أكثر من صديق لي، وهو: ما هي المتعة التي يجنيها المغتصب من ممارسة جنسية بغير رضا؟ ولماذا ينفذ مغتصبون جرائمهم على فتيات بالإكراه رغم توفر فرص ممارسة جنس رضائي لهم؟ تأخذنا هذه التساؤلات للتفكير أكثر في ماهية جرائم العنف الجنسي، وإذا ما كانت مرتبطة بالشهوة الجنسية لدى المعتدي أم أنها مجرد جريمة عنف يمارسها شخصٌ معتدٍ لأنه يستضعف ضحيته ويتعامل مع هذه الجرائم كوسيلة لفرض سيطرته عليها.

إذا بحثنا على غوغل عن معنى مفهوم العنف، فسنجد أعداداً لا حصر لها من المقالات والدراسات الأكاديمية والأبحاث العلمية التي تتناول مفهوم العنف في سياقات مختلفة، وسنجد الكثير من التعريفات المتعلقة بالعنف في إطار كل سياق وزاوية بحث منفردة. لكن، في النهاية، تجتمع كل التعريفات على أن مفهوم العنف هو تعبير صارم عن استخدام القوة التي تُمارَس من قبل أفراد أو جماعات لإجبار أفراد أو جماعات على القيام بأشياء أو سلوكيات بالإكراه، وهذه القوة قد تكون مادية أو معنوية، كما أن هناك تعريفاً يقترحه بيير فيو للعنف، كـ «ضغط جسدي أو المعنوي، ذو طابع فردي أو جماعي، ينزله الإنسان بالإنسان، بالقدر الذي يحيله إلى مساس بممارسة حق أقر بأنه حق أساسي، أو بتصور للنمو الإنساني الممكن في فترة معينة»، أي أن العنف هو أي فعل من شأنه انتهاك أحد الحقوق الأساسية للإنسان، والحط من كرامته.

أما الطرح القانوني لمفهوم العنف فيشير إلى «استخدام الضغط أو القوة استخداماً غير مشروع، أو غير مطابق للقانون، من شأنه التأثير على إرادة العنف، ومن هذا الضغط والقوة تنشأ الفوضى فلا يعترف الناس بشرعية الواجبات ما دامت الحقوق غير مُعترَف بها، فتنتشر العلاقات العدائية في المجتمع وتنشأ مجموعات أو تكتلات تتفق على صيغة تفرض  بها إرادتها على الأفراد والجماعات، فينصبُّ عنفها على الأفراد، أو على الممتلكات، قصد إخضاع السلطة أو الجماعات الأخرى»، وفق ما ورد في دراسة حول مفهوم العنف الاجتماعي في البحوث السوسيولوجية بين الطرح العلمي والطرح الأيديولوجي، نشرتها المجلة العلمية لجامعة الجزائر في 2018. لذا فإن الرؤية القانونية للعنف تضفي عليه البعد التشريعي، من حيث اعتباره جريمة منفردة بذاتها كفعل خارج عن القانون يستوجب العقوبة.

بالرجوع إلى جرائم العنف الجنسي، فيقصد بها، بحسب منظمة الصحة العالمية، «أي علاقة جنسية، أو محاولة للحصول على علاقة جنسية، أو أيّة تعليقات أو تمهيدات جنسية، أو أيّة أعمال ترمي إلى الاتجار بجنس الشخص، أو أعمال موجّهة ضدّ جنسه باستخدام الإكراه، يقترفها شخص آخر مهما كانت العلاقة القائمة بينهما وفي أيّ مكان»، ويقاربه التعريف الذي طرحته مؤسسة نظرة للدراسات النسوية، للعنف الجنسي على أنه «أي فعل أو اعتداء جنسي غير مرغوب فيه باستخدام القوة أو بالإكراه، التعليقات والتعديات الجنسية غير المرغوب فيها، والمتاجرة بالبشر أو الأفعال التي تتعارض مع الميل الجنسي للأشخاص، بغض النظر عن علاقة المعتدي بالمعتدى عليه».

حول ماهية تلك الجرائم، تشير مؤسسة فرجينيا الغربية للمعلومات والخدمات المتعلقة بجرائم الاغتصاب (FRIS) إلى أن الاعتداء الجنسي هو جريمة عنف وسلطة ناتجة عن الرغبة في التحكم في إنسان آخر في أكثر مساحاته شخصيةً، ولا علاقة لها بالرغبة الجنسية التي لا يمكن السيطرة عليها، حيث أن معظم جرائم الاغتصاب يتم التخطيط لها مسبقاً، فيُفاجِئ المغتصبون ضحاياهم عن طريق الإمساك بهنّ على حين غرة، أو التلاعب بهنّ أو تخديرهنّ، أو الاستفادة من أنشطتهنّ اليومية، أو بالكذب. فليس ما ترتديه الفتاة أو تفعله هو الذي يسبب الاغتصاب، والدليل على ذلك أن قلة من المغتصبين المدانين يتذكرون حتى ماذا كانت الناجية/ الضحية ترتدي من ملابس، أو كيف كانت تبدو.

وبحسب (FRIS)، وهي تحالف يضم أكثر من كيان في فرجينيا الغربية بهدف تقوية الخدمات وتطوير التدخلات والبرامج اللازمة لمواجهة العنف الجنسي بأشكاله، فإن جرائم العنف الجنسي هي «جرائم مدمرة» يمكن أن تحدث لأي شخص في أي سن وفي أي مكان وزمان، كما أنه ليس من الضروري أن يكون الجناة من الغرباء، بل يمكن أن يكونوا من الأقارب والمعارف والأصدقاء وأفراد العائلة.

مما سبق، يمكن استخلاص أن العنف الجنسي جريمة مجردة، لا علاقة لها بالرغبة الجنسية لمرتكبيها؛ فالمتعة الجنسية لا تأتي من علاقات غير رضائية، أما الاعتداءات الجنسية بكل أشكالها فهي جرائم قائمة بحد ذاتها وتستوجب العقوبة، كونها تتعدى على أحد الحقوق الأساسية للإنسان وقمع إرادته الحرة.

استباحة مطلقة

لا شك أن العنف الجنسي يُعَدُّ جزءاً من الصورة الأكبر للعنف المجتمعي الذي يفرضه السياق الأبوي والسلطة الذكورية على النساء وأجسادهن باعتبارها أكثر المساحات الشخصية للإنسان، لذا فالسيطرة عليها تعني السيطرة على المرأة بالكامل، فما هي إرادة شخص لا يمتلك جسده الخاص ولا يحق له التحكم به كما شاء، بل ولا يستطيع حمايته من الانتهاك؟ّ

تؤكد ذلك الباحثة والمنظرة النسوية الأميركية آيريس ماريون يونغ، حيث تشير إلى أن المرأة في المجتمعات المتحيزة جنسياً، التي تتعامل مع المرأة على أنها مجرد جسد، تعيش دائماً خطر غزو مساحة جسدها، وأن الشكل الأكثر تطرفاً لهذا الغزو هو التهديد بالاغتصاب، لكننا نتعرض يومياً لاحتمالية الغزو الجسدي بأشكال مختلفة. وبما أنه لا يمكن اختزال الوجود الجسدي الأنثوي في مجرد الحيز الذي يشغله هذا الجسد في الفراغ، بل يرتبط بالمحددات التاريخية والاجتماعية والثقافية له، فهناك جزء من هذا الوجود يتمثل في الدفاع ضد الغزو والانتهاك.

تجادل يونغ في بحثها بعنوان «الرمي مثل فتاة»، الذي تتتبّع فيه ظواهر حركة تَنَاقُل الجسد الأنثوي والفضاء المكاني، أن النساء يَمِلنَ إلى عدم وضع أجسادهّن بالكامل في مهمة بدنية بالسهولة والطبيعية نفسها مثل الرجال؛ حيث أنه غالباً ما تقترب النساء من المشاركة الجسدية مع الأشياء بالخجل وعدم اليقين والتردد، ذلك أننا عادة نفتقر إلى الثقة الكاملة في أجسادنا لحملنا إلى أهدافنا، وهو ما يجعل النساء في المجتمعات المتحيزة للذكور «معوقات جسدياً» بقدر ما نعيش وجودنا وفقاً للتعريف الذي تحدده لنا الثقافة الأبوية.

أجسادنا تشكل عبئاً علينا في الحركة في هذه المجتمعات، فنحن حبيسات هذه الأجساد ومستباحات على كل المستويات. لا نشعر بالأمان تجاه أجسادنا الخاصة، وغالباً ما نشعر بالتهديد من أنها ستخذلنا يوماً ما، فلا نستطيع الإيمان بها بشكل كامل.

الطبقة لا تحمي النساء

في سياق الحديث عن الحادثة التي تعرضنا لها مؤخراً، تجدر الإشارة إلى أنها تمت في شارع من شوارع إحدى الأحياء السكنية التي تصنف ضمن ما يسمى بالطبقة الاجتماعية العليا. وكنا قد انتقلنا أنا وصديقتي إلى المنزل الذي نقطنه حالياً، في هذه المنطقة تحديداً، اعتقاداً منا بأن الوجود في هذه المناطق قد يوفر لنا حماية نسبية من جرائم العنف والتحرش الجنسي المنتشرة في شوارع المحروسة المختلفة، حتى ولو كلفنا ذلك أعباء اقتصادية مرهقة تستوجب العمل لساعات طويلة متواصلة من أجل توفير التزامات هذا المسكن. لكننا قررنا أن نتحمل هذا العبء على أي حال مقابل الحصول على بعض الأمان والخصوصية، التي من المفترض أنها حقوق أساسية لكل مواطن. لكن هذه الحقوق لا تأتينا، كنساء، مجاناً، بل يجب علينا أن ندفع ثمناً باهظاً مقابلها.

بعد وقوع هذا الحادث، بدأنا في مراجعة أنفسنا بشأن الحماية التي توفرها الطبقة الاجتماعية، فها نحن وسط أحد الأحياء التي تسمى «الراقية»، ونتعرّض لِاعتداء جماعي أمام باب منزلنا وفي وجود أحد الأشخاص المنتمين لكيان يمثل أحد أوجه السلطة في البلاد، وهو رجل في الوقت نفسه -إذا كان هناك اعتقادٌ بأن هناك حماية أخرى يوفرها الرجال للنساء- ومع ذلك تم انتهاك حرمتنا وحرمة بيتنا على مرأى ومسمع من الجميع، وفي ظل سكون تام لم تكسره إلا أصوات قرع الباب علينا في نومنا للمطالبة بأخذ فتاة من بيننا وتسليمها للمعتدين.

وبرغم أن تقاطعية العنف الجنسي والطبقة الاجتماعية قد تفرض على بعض النساء أشكالاً من العنف مختلفة عن أخريات، إلا أن العنف يظل واحداً في جميع السياقات، فأينما وُجدت الأنثى وجد العنف الجنسي. في مقال بعنوان «الاغتصاب والاحترام»، يتناول أفكاراً حول العنف الجنسي وعلاقته بالطبقة الاجتماعية، نشر في عام 2009، تقول أستاذة الدراسات الجندرية أليسون فيبس، إن «أساطير الاغتصاب» الأصلية التي وضعها هربرت فيلد في السبعينيات تفيد بأن هناك نوعاً من النساء أهل لأن يكنّ مغتصبات، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون العنف وسيلة لإظهار الذكورة في وجه المرأة القوية المسيطرة، حيث أن المعتدي يسعى إلى بصم الهوية الجنسية لـ «الضحية الأنثوية» عليها.

على العكس، فالطبقة الاجتماعية قد توفر حصانة للمعتدي وليس الناجية، ولنا في قضية جريمة الفيرمونت خير دليل على ذلك، حيث استطاع معظم المتورطين فيها الفرار من البلاد بعدما نُشرت أسماؤهم وصورهم على مواقع التواصل الاجتماعي. بالإضافة إلى ذلك، قامت النيابة العامة بإلقاء القبض على شاهدات القضية، وتحويلهنّ من شاهدات إلى متهمات بتعاطي المخدرات والتحريض على الفسق والفجور وإقامة حفلات جنس جماعي وغيرها، فضلاً عن تعرض بعض الشهود لانتهاكات شملت كشوف العذرية والفحوص الشرجية، بحسب تقارير صحفية؛ في الوقت الذي لم يحرك فيه المجلس القومي للمرأة ساكناً بعد أن قام بتشجيع الناجيات على الإبلاغ عن وقائع العنف الجنسي التي يتعرضن لها، وكأنها رسالة مبطنة تفيد بأن ذلك هو عقاب كل من تسول له نفسه التطاول على أصحاب الطبقات الاجتماعية العليا.

نستذكر أيضاً حادثة التحرش الشهيرة لـ «فتاة التجمع» التي وقعت عام 2018 في أحد أحياء الطبقة الاجتماعية العليا، حيث انتشر حينها التساؤل الذي أشعل مواقع التواصل الاجتماعي: «في التجمع وبيحصل كدة؟» على اعتبار أن حي التجمع يقطنه «علية القوم». لكننا رأينا جميعاً أنه يمكن أن يكون «في التجمع وبيحصل كدة عادي».

ولا ننسى بالطبع الحادثة التي فجرت موجة الحديث عن العنف الجنسي الأخيرة، وهي قضية المتهم بالاغتصاب أحمد بسام زكي، بعد تعديه على حوالي 100 فتاة جنسياً، رغم انتمائه للطبقة الاجتماعية نفسها، التي، لسذاجتنا، افترضنا أنها قد تحمي النساء من العنف؛ والتحاقه بالجامعة الأمريكية في القاهرة. وبرغم انتماء بعض الناجيات في هذه القضية إلى طبقة المتهم نفسها، إلا أن ذلك لم يحمِهِنَّ من ممارسة جرائمه، ما يدل على أن واقع النساء اليومي غير مرتبط حكماً بالطبقة أو المستوى التعليمي أو المادي أو غيره، إنما قوامه الأساسي هو العنف.. العنف فقط، لا غير.