أبي الذي مات لاجئاً وضاع قبره

 

ربما لا يجدر بنا الكتابة عن الأموات كي لا تتألم أرواحهم في تذكرنا القاسي لأيامهم الأخيرة، لكن أبي حالة خاصة، سيكون من الصعب الاستمرار في كتمان معاناته في قلبي طوال العمر، خصوصاً أن ما عاشه خلال سنواته الأخيرة، لاجئاً، ربما سأعيشه طوال عمري القادم وسأموت عليه.

مع اقتراب كل عام جديد، نتهيأ في عائلتنا لإحياء ذكرى وفاة أبي، التي دخلت عامها الرابع مع بداية 2020، لتخبرنا أن العمر يمضي عكس قطار الذكريات الذي يتوقف عند محطة الموت، تلك التي تجمّد كل الحكايات التي نملكها مع المتوفى لتصبح غُرزاً عالقة في أدمغتنا التي تأبى أن تذوبها.

اعتاد أبي خلال سني عمره على رحيل أبنائه العشرة. كان لا يمضي عام دون أن يودع واحداً منهم إلى غربة جديدة يقصد بها رزقه الذي كان قد انقطع من بلدنا سوريا، نتيجة القساوة التي كنا نعانيها مجتمعياً واقتصادياً، في دولة كان كل ما فيها منهوب لصالح الفئة الطاغية.

كان يجلس على كرسيه الذي أتذكره تماماً، مُدّعياً أنه غير معني برحيل فلذة جديدة من فلذات كبده لتصارع الحياة في غربتها، ضامراً دموعه داخل نظرته القاسية التي عرفتُ ضرورتها متأخراً، مكتفياً بنهي أمي البكّاءة عن العويل على أولادها، طالباً منها أن تدعو الله بأن يوفقهم. كانت تلك المواقف تتكرر بشكل شبه سنوي في منزلنا، فإخوتي التسعة وأنا، جميعنا سافر مغترباً، وأبي بصلابته كان يلجأ إلى الله سراً ليوفقنا. كان ذلك أول لجوء حقيقي لأبي.

طوى والدي سِنيَّ عمره حالماً بعودة قريبة لأولاده ليكونوا من حوله مجدداً، أقنعهم بالزواج، الذي اعتقد أنه سيكون بداية لعودة استقرارهم في البلد، لكنهم خذلوه مضطرين، فاغتربوا بعائلاتهم الجديدة معلنين أن الحياة لم تعد ممكنة في شامنا التي كانت، كلما زاد بنا العمر، تضيق بأرضها علينا.

لم تختطفنا الحرب. حين جاءت كان أبي أكثر الآباء فرحاً في سوريا، فبحكم طبيعة الإنسان وغريزته، اطمأن أبي أن أولاده لن يصيبهم مكروه بحكم اغترابهم وهجرتهم. كان فرحه ناقصاً، لأنه لا يستطيع أن يكون معهم، ويحتمي بهم، وهو الكهل الذي وصل إلى سنٍ لم يعد فيه قادراً على احتمال الإهانة، إلا أنه كان مستعداً لأن يبقى لوحده طوال الوقت، شرط أن لا يحدث لأولاده مكروه.

أتذكره حين قال لي، وأنا أعد حقيبتي للسفر خارج البلاد هارباً من احتمال اعتقال، ومطروداً من الجامعة لأني خالفت أحلام الأستاذة الشبيحة نهلة عيسى في أن أكون مثلها، فحقدت عليَّ مُقسِمةً أنها ستسلمني لأقرب فرع أمني حين تراني: «سنهرب جميعاً في القريب العاجل لأننا نواجه قتلة لا يمكن مقارعة إجرامهم».

أتذكر ضحكتي التي أكدت له أنها أشهر فقط وسنعود جميعاً، لنحتفل بالنصر، وأتذكر نظرته اليائسة من أحلامي الوردية، التي أصبحت يائسة بدورها بعد ذلك بسنوات قليلة.

لم يكن أبي قادراً على وداعي، تركني لأخرج صامتاً، حاملاً حقيبتي وأحلامي، دون أن أعي ما قاله لي، أو أعتقد أنه سيذكرني به بعد أشهر قليلة حين اضطرتني ظروف الحرب لأن أخرجه وأمي من البلد، بمساع حثيثة من إخوتي الذين خافوا على أهلهم فقرروا أنه لا بد من النجاة بهم.

قابلتُهُ في مطار القاهرة، كان منكسراً دون بكاء، يمشي بتثاقل خطوات العمر، يتوقف ليرتاح دون أن يحصل على راحته الحقيقية، يتفرج على البلاد الجديدة التي لم يفكر يوما بالمجيء إليها، وهو الذي كان يعتقد أن زيارة لدمشق هي أعظم الغايات، وأن حجاً إلى الكعبة سيكون فضلاً من الله لا يوازيه فضل.

لم يعتد أبي على الغربة، كان يشعر يومياً أن شيئاً ما قد فرض عليه، يلومنا كل يوم على المصير الذي ألقيناه فيه، طالباً العودة إلى مسقط رأسه حمص، وهو الذي لا يعرف أن حمصَ كانت تُدكّ يومياً في ذلك الوقت، وأن ما في عقله عنها لم يعد إلا كومة أحجار مدمرة لمدينة صارت غريبة عن أبنائها.

لم يتابع أبي أخبار الثورة والحرب التي تبعتها بعد ذلك، وهو الذي كان يجلس يومياً ليمارس عادته في مشاهدة نشرة أخبار الثامنة والنصف مساء. ربما لم يعد يجد نفعاً في الأخبار. كان يفضل أن يجلس بهدوء كي يبتعد عن كل ما يؤذيه نفسياً، خصوصاً أنه صار من الآن فصاعداً لاجئاً يحمل كرتاً أصفر يشبه الأيام الصفراء التي نعيشها، يعيش في منزل مُستأجر، ولا يعرف لهجة المصريين التي يسمعها من شرفة المنزل.

كان إحساسه بالغربة عميقاً، يضمر جسده كل يوم. لا يشاهد من البلاد التي أتاها غير الشارع الذي سكن فيه، يسترق السمع إلى الباعة الجوالين، محاولاً إضفاء المرح على بعض حياته عبر تقليد لهجتهم دون أن يُتقنها، أو يعرف معنى كلمة مثل «روبابيكا» التي ينادي بها باعة الأشياء المستعملة في الشوارع المصرية.

تمضي السنوات، ويمرض أبي قبل سنة من موته. كانت الوعكة التي أذنت ببداية النهاية. صحيحٌ أنه لم يمت حينها، لكنه خسر الكثير من نفسه في المستشفى التي عومل فيها على أساس أنه لاجئ، فوُضِعَ في غرف الدرجة الثانية، وأُهمل حتى وصل إلى حافة الموت، وأنقذه صراخي في وجه الأطباء الذين خافوا من الفضيحة فنقلوه إلى غرفة أفضل، ومعاملة أكثر إنسانية.

عاد أبي إلى المنزل بعدها. كان يشعر للمرة الأولى أن الحياة هنا أكثر صعوبة، خصوصا وأن أبناءه العشرة، الذين ادخرهم لمثل هذه الأيام، لم يستطيعوا أن يأتوا إليه في مصر، التي صارت تحتاج لتأشيرة دخول لا يمكن الحصول عليها للسوريين.

كان المرض يأكل من جسده، إلى أن جاءت تلك الساعة التي لم يعد هناك ما يؤكل فيها، ليأكل الموت روحه بعد 23 يوماً من المعاناة في مستشفى لم يكن يستطيع التفاهم فيه مع مراقبيه في العناية المركزة بسبب اللهجة المحكية التي خانته مجدداً.

مات أبي ودُفن في ليل بارد من ليالي يناير القاسية. لا شواهد للمقابر هنا، هي أرقام توضع للموتى المدفونين في مقابر المسلمين العمومية.

وُوري الثرى، ومنحنا حارس المقبرة رقماً لكي نزور القبر فيه كلما أردنا، محذراً إيانا ألا نأتي فرادى لأن المقبرة تمتلئ بالبلطجية في كل الأوقات.

أخبرتُ صديقاً لي قبل أيام أني أريد زيارة قبر أبي، أخذني بسيارته، دخلنا المقبرة التي امتلأت بآلاف القبور، مضيتُ إلى الحارس الذي تغير خلال الأعوام الماضية عن الذي استقبلنا أول مرة، سألته عن الرقم فأشار بيديه أنه لا يعرف، مكملاً ببرود أن عليَّ البحث.

مشيتُ قليلاً بين القبور. الأرقام ضائعة عن الكثير منها. لا أحد يكترث بالموتى هنا، لاعتقاد أن الذين باتوا تحت الأرض هم أكثر راحة من الذين فوقها.

بحثتُ لساعة من الزمن، يئستُ من إيجاد القبر الذي تمنيت أن أراه، لأكتب على أحجاره «هنا يرقد أبي الذي مات لاجئاً».