أخطار أزمة كورونا على مستقبل العمل

 

يترافق عيد العمال هذا العام مع ظروفٍ استثنائية خلّفها تفشّي وباء كورونا، وما أعقبه من سياسات الإغلاق وحظر التجوال التي عمّت معظم دول العالم، وهو ما قضى بمرور الأول من أيار (مايو)، بخلاف المعتاد، يوماً عادياً تغيب عنه الصيغ الاحتجاجية والنضالية العمالية التي اتّسم بها، إذ لم نشهد مظاهرات واعتصامات وشعارات دَرَجَ العمال والنقابات على رفعها في الشوارع، مطالبين بتحسين ظروف وشروط العمل. وتتمثّل هذه المطالب اليوم، بشكلها المُلحّ، في ضرورة توزيع الأجور بشكل أكثر عدالة، وتوفير أنظمة ضمان صحي في متناول جميع العمال، وذلك على خلفية انتشار كورونا.

الحال أنّ هذا يأتي في ظلّ مخاوف حقيقية على مصير مئات ملايين العمال حول العالم، وما ستخلّفه أزمةٌ اقتصادية عالمية محتملة في أعقاب الخروج من أزمة كورونا على مستقبل وفرص وظروف العمل وحقوق العمال حول العالم، تفوق بآثارها ما يعانيه العمال جرّاء أزمة كورونا. وكانت منظمة العمل الدولية قد رصدت، في أحدث تقاريرها عن القطاعات الأكثر تأثراً بأزمة كورونا، أنّ ما يعادل 305 مليون وظيفة بدوامٍ كامل سيكون مصيرها الإلغاء في النصف الثاني من عام 2020، وهو معدلٌ يفوق بكثير الأثر الذي أحدثته الأزمة المالية عامي 2008-2009.

أما في ظلّ الوضع المؤقت الذي نعيشه اليوم، فيتأثر بفعل أزمة كورونا أكثر من 81% من القوى العاملة عالمياً، والبالغ عددها 3.3 مليار شخص، جرّاء الإغلاق الكلي أو الجزئي لأماكن العمل. كما أنّ فئة العمال الأكثر تضرّراً هي العمالة غير المنظمة، والتي تشمل أكثر من نصف عدد العمال حول العالم. وتقدّر منظمة العمل الدولية أنّ أزمة كورونا قد حرمت 1.6 مليار من هذه العمالة غير المنظمة البالغ عددها 2 مليار عامل من مصدر رزقهم الوحيد، وقد باتت حياتهم مهددة نتيجة عدم وجود مصدر مالي بديل وحرمانهم من إعانات البطالة والرعاية الاجتماعية.

في الجانب الآخر، أدّت أزمة الإغلاق الحالية إلى اتخاذ عددٍ كبير من دول العالم إجراءاتٍ لمساعدة الفئات والقطاعات المتضررة من تعطّل النشاط الاقتصادي، لا سيما في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وذك في إعادة اعتبارٍ لمفهوم الدولة المُتدخلة في عددٍ من مراكز العالم الليبرالي. ولكن يبقى السؤال حول إمكانية استمرار هذا الدعم بعد الخروج من أزمة كورونا دون الخروج من تبعاتها الاقتصادية، لا سيما أنّ جميع الإجراءات المُتّخذة تركّز على الفترة الحالية، ومن دون تقديم خطط وتطمينات حقيقية للعمال تتعلّق بمرحلة ما بعد الخروج من حالة الإغلاق.

الخوف من أزمة اقتصادية وتغيّر في طبيعة العمل

إنّ أزمة كورونا اليوم، وبالرغم من آثارها القاسية، فإنّها بالنسبة لكثير من العمال مرحلة مؤقتة ستنقضي بعد فترةٍ وجيزة، ومن المأمول أن تعقبها إعادة تدوير العجلة الاقتصادية بما يقتضي إعادة العمال إلى وظائفهم، فضلاً عن توليد فرص عمل جديدة لتدارك آثار التعطّل الحالي. ولكنّ ذلك قد يصطدم بمرحلة ركود اقتصادي عالمي يؤدّي إلى تغيّر في طبيعة سوق العمل، والشروع بتسريح أعداد كبيرة من العمال، وقد بدأت إرهاصات ذلك فعلياً في عددٍ من دول الخليج النفطية ومؤسسات السياحة والطيران، التي شرعت في التخلي عن موظفيها.

وإذا تباطأت الدول في تنسيق جهودها لتجنّب هكذا سيناريو، فإنّ النتائج القاسية والكارثية المترتبة على ذلك خلال النصف الثاني من العام الحالي ستكون بمثابة أزمة فقرٍ عالمية، تُذكّر بالأيام السوداء التي تسبّب بها الكساد الكبير أو أزمة العام 2008 في الحدود الدنيا. وإذا كان بعض المختصين يقلّلون من هذا الاحتمال، فإنّ نظرةً سريعةً على ما حلّ بأسواق النفط الأميركية قبل أيام ستكون مؤشراً على أنّ الأمور ربّما تسير نحو سيناريوهاتٍ تبدو حالياً غير متوقعة وبعيدة عن المنطق.

كما أنّ مستقبل العمالة لا يواجه فقط تهديدات العقابيل الاقتصادية لأزمة كورونا، فهنالك الجزء المتعلّق بالعبر المستخلصة من أزمة وباء كورونا، والتي قد تكون في حدّ ذاتها ذات آثار قاسية على مستقبل العمل والعمال، حيث يتصدّر النقاش هذه الأيام ضرورة التركيز على إشاعة نمط العمل من المنزل واعتماده على نحوٍ واسع، وهو على الرغم من مساهمته في توفير الأموال وتخفيف التلوّث نتيجة تراجع حجم التنقلات، فلا يمكن تجاهل الآثار النفسية والصحية المترتبة عليه، كما أنّه يُعطي الحافز لكثير من المؤسسات لتخفيض الأجور بدعوى انخفاض نفقات العاملين فيها. يُضاف أيضاً أنّ أرباب العمل قد لا يتعاملون مع العمل المنزلي بالتقدير نفسه الذي يحظى به العمل ضمن المساحات المخصصة له.

وفي السياق ذاته، أبرزت الأزمة الحالية حاجةً لدى العديد من القطاعات الإنتاجية إلى ضرورة اعتماد أشكال متقدمة من الأتمتة وزيادة حضور العامل غير البشري فيها، بهدف تجنّب تعطّلٍ مماثلٍ لما تشهده هذه القطاعات حالياً، وهو ما سيعني مستقبلاً تسريحاً متزايداً للعمال، وتقليصاً متزايداً لحجم فرص العمل ومعدلاتٍ أعلى من البطالة.

سياسات المُقرِضين

تحتاج كثيرٌ من الاقتصادات خلال المرحلة المُقبلة إلى الحصول على أموال عبر الاقتراض من مؤسسات دولية لتجاوز آثار أزمة كورونا والتراجع الاقتصادي، ولذا ستلجأ عشرات الدول إلى صندوق النقد الدولي أملاً في الحصول على أموالٍ تساعدها في إعادة مزاولة النشاط الاقتصادي واستعادة حركة الإنتاج. وستكون هذه الدول مُضطرةً لتطبيق سياسات الصندوق، التي غالباً ما تترافق بشروطٍ متعلّقة بإعادة هيكلة قطاع العمل والاستغناء عن أجزاء من العمالة لترشيق القطاعات المستفيدة من القروض وتحسين إنتاجيتها، وبذلك ستنعكس المشاكل الحكومية المتمثلة في سوء إدارة وتوظيف القوى العاملة، وهو حال معظم الدول النامية، إلى تهديدٍ حقيقي سيكون ضحيته شريحة العمال في هذه الدول، وهو ما تُحذر منه منظمة العمل الدولية، معتبرةً أنّ التحدّي الأكبر بعد الخروج من أزمة كورونا هو اتّباع إجراءات دولية موحّدة تُفضي إلى محافظة العمال والموظفين على مصادر دخلهم، وهي المطالب التي اعتاد العمال رفعها في مثل هذا اليوم من كلّ عام، غير أن فيروس كورونا قد حرمهم من التعبير عنها في الفضاءات العامة.