أخفى من اللطف الخفي

 

في التسعينيات، وربما إلى الآن، كان مهربك الوحيد، أيها الكاتب، عندما يسألك أحدهم عن رأيك في كتابه، أن تقول: لطيف.

كان هذا وصفاً مائعاً يهدف لتفادي التعبير عن الرأي الحقيقي في عمل لم يترك فيك تأثيراً يُذكَر. عنت الكلمة أن العمل «ليس سيئاً»، وكان وقعها على المستمع أنه «ليس عظيماً».

لم يكن هذا مهرباً مكتملاً بالتالي، إذ سرعان ما نَفَر الكثيرون من الكلمة، التي اقترنت في أدمغتهم بما هو متوسط و«ميديوكَر».

نُسيَت هنا المعاني الأصلية، إن كانت توجد أصلاً، وأحدها معنى السريان الرائق والمنعش للهواء.

صحيح أن اللطيف ليس عظيماً ولا ملحمياً، ولكنه ليس تافهاً أيضاً. ليس شرطاً أن تكون الأشياء كلها إما بشعة أو رائعة يا شباب.

ولكن لا مشاحة في الاصطلاح، هكذا أذكّر نفسي على الناحية الأخرى: طالما أن ما أراد المتكلم قوله هو عينه ما فهمه المستمع، فالتواصل لا يزال سارياً والدنيا لا تزال بخير.

* * * * *

ثمة علاقة صوتية، ومعنوية، بين اللطف والخفّة. تشيع في كثير من اللهجات العربية تقفية «اللطيف» مع «الخفيف»، وتشيع في الأغاني المصرية تقفية «الخفافة» مع «اللطافة».

بعد الاعتراضات على مطلع أغنية أم كلثوم «الخلاعة والدلاعة مذهبي»، تغيّر هذا إلى «الخفافة واللطافة مذهبي». وتقول إحدى الممثلات في فيلم مصري قديم لا أذكره: إيش جاب الخفافة واللطافة للسقالة وتقل الدم؟

في المثال الأخير، يقف اللطف والخفة معاً أمام «الثقل»، ويُعبَّر عن الأخير بلفظي «التقل» «والسقالة».

من باب تلافي الوصف الصريح، يوصف المجنون في لهجات عربية عدة بأن «عقله خفيف»، لأن التعقل، على الناحية الأخرى، مرتبط بالثِقَل والاتزان والارتكاز على الأرض.

وصحيح أن ثمة علاقة قوية بين ما هو «لطيف» وما هو «خفيف»، ولكن هناك اختلافات أيضاً، فالخفة - ولتعلّقها بالوزن بالدرجة الأولى - تكون «خفة على»: أسأل الله أن يكون هذا الكلام خفيفاً على قلبك، وأن يكون الطعام خفيفاً على معدتك، أما «اللطف»، في المقابل، فلا يعتليك، وإنما يسري داخلك، كأنه محقون في الدم، أو من حولك، كما في نسمات الهواء.

لا أحد يعرف من أين يأتي «اللطف»، ذلك أنه، كما يرتبط بالخفة، فهو يرتبط بالخفاء كذلك.

* * * * *

إلى جانب «العقل الخفيف»، كثيراً ما وُصف «المجنون» في مصر بأنه «عنده لطف»، إذ رأى الناس في الجنون شيئاً من الخفاء وعدم الوضوح.

ولكن «اللطف»، ككناية عن الجنون، يُصيب بالمرة هدفاً آخر، وهو الاتصال بالله. كثيراً ما يُرَى المجانين والقدّيسون كأنهم أخوية واحدة قادرة على التواصل مع بعض؛ يجمع بين الطائفتين نبذُهما للعقلانية وإنصاتهما لأصوات من عوالم أخرى غير عالمنا.

من هنا يحب المتصوفة جذر «لطف»، والمقترن لديهم بـ«الخفاء»، فيقال في الدعاء الشهير «يا خَفِيَّ الألطاف»، ويقول ابن الفارض عن الحب: «وكتمتُه عني، فلو أبديتُه / لوجدتَه أخفى من اللطف الخفي».

يقول المرء في مصر وهو يتنفس الصعداء: «قدّر ولطف»، كأن ثمة وجهين لله هنا، أحدهما يرسم الأقدار في لوحه المحفوظ، أما الآخر، وبهدف التخفيف من حدتها، فيضع عليها قبل تحقّقها لمساتِه الرهيفة غير المرئية.

يبدو لي أن طموح الإسلام في تصوُّر إله شديد التنزُّه عن الأجسام قد تجلى أحسن ما تجلى في اسم الله «اللطيف». ويَعرف من يناديه باسمه هذا أنه لا ينادي الله المنتقم أو الجبار، وإنما ينادي إلهاً محمولاً في نسمات الهواء، هو الأقدر - لخفائه - على مواجهة الأخطار ذات الطابع الغيبي والميتافيزيقي، مثل الليل والجن والجنون.

هل تكون لكلمة «لطف» علاقة ما بـ«الطيف» و«الأطياف»؟

* * * * *

سواء في الواقع أو في المسلسلات، وبهدف تجنّب النطق بكلمة «الحب» شديدة الدرامية، توصف مراحل المواعدة الأولى بين الشاب والفتاة بمرحلة «الاستلطاف». وفي معرض كلامهم عن السكس، يشدّد الكثير من الرجال المصريين على ضرورة «الملاطفة والمداعبة»، وتُقال هكذا، ومجرد قولها هكذا يعطي المتكلم الإحساس أنه أنضج وأكثر خبرة ممن يكلّمه، إذ لم يعد عقله مشغولاً حصراً بلحظة الإيلاج كما هم المراهقون والثيران والبهائم، وإنما بما هو أرهف وأدق.

كأن الاستلطاف حب صغير، وكأن الملاطفة سكس صغير.

«الطاء» و«الفاء» وحدهما يفيدان «الصِّغَر». تضاف بعدهما لام فيصبح لديك «طفل»، وتضاف اللام قبلهما فيصبح لديك «لُطف».

«لَطُف الشيء»، أي «دَقَّ وصَغُر». وعندما ترد  كلمة «لطائف» في عنوان كتاب أو مقال، مثل «لطائف جحا» أو التاريخ أو القرآن، يعرف القارئ أنه في سبيله لقراءة نهفة مضحكة، أو قصة روحانية مؤثرة، أو تفسير لم يخطر بباله لحادثة تاريخية ما، ولكن في كل الأحوال، فما سيقرأه سيكون ذكياً وقصيراً في الوقت نفسه، أو أن هذا ما تعده به الكلمة على الأقل.

يحدث كثيراً أن يقرِن العقل البشري بين الطيبة والغباء والضخامة، وقد أتى «اللطف»، بصفة الصِغَر التي فيه، ليحل هذا الإشكال، فالشخص اللطيف طيب وذكي في الوقت نفسه، حسّاس ودبلوماسي ويُحسِن اختيار كلماته. ولأن اللطف يسري ولا يهجم، ولأنه يصعب تحديد مصدره، فقد لا يدعك الشخص اللطيف تنتبه إلى طيبته؛ ستبتسم فقط دون أن تعرف لماذا ابتسمت. 

ولكن مع إضافة عنصر الذكاء، والقريب في المعنى من المكر والدهاء، تولّدَ عن «اللطف» إشكال آخر، إذ يشيع التحذير من كل مَن هو لطيف ثعباني. يُظهر النعومة ويُبطن الغدر.

بصفة النعومة التي فيه، تنزُّ من الـ«لطف» أحيانًا سوائل دهنية؛ وصف تشيزي لأشخاص تشيزيين، فتحاط بالكلمة بالتالي حلقات من الزيف وعدم التصديق، ومن هنا يحب الكثير من الفنانين والأدباء نفي صفة اللطف عن أنفسهم، ولكنهم لا يحبون أبدًا، على الناحية الأخرى، أن ينفوا عن أنفسهم صفة الصراحة، ولو بدت حادة، وربما وبالأخص لو بدت حادة، إذ اللطف – في وجهه القبيح– مقلوب الحدة، كائن زلق وكاذب ومداهن لا يؤلم ولا يتألم.