أربع صور من الوباء في سوريا

 

ظهرت خلال الأيام القليلة الماضية أربع صورٍ متزامنة تقريباً، من مناطق ظلّت طوال الأعوام التسعة الماضية تحت سيطرة النظام السوري، ومن أوساط لم تتمرّد عليه، بل ظلّ أبناؤها مستودعاً بشرياً يستخدمه في حربه المفتوحة على ما تبقّى من السوريين.

الصورة الأولى  

يُقرّر النظام منح «مكرُمة» جديدة لعوائل المقاتلين الذين أُزهقت أعمارهم في معارك الدفاع عن السلطة، وتشمل المكرمة أيضاً أولئك الذين أُصيبوا بإعاقاتٍ دائمة تتجاوز نسبتها 40%، غير أنّها تقتصر على محافظة اللاذقية دون سواها. تسارع الجهات المعنية لاستصدار «بطاقات شرف» من أجل تنظيم الحصول على المُكرمة، التي تتمثّل في إمكانية الحصول على جرّة غازٍ واحدة، ولمرّةٍ واحدة، ليس مجاناً، وإنما بسعرٍ مدعومٍ مماثلٍ لسعرها بموجب البطاقات الذكية.

بهذا تكون قد تعدّدت وتنوّعت المكرمات التي تحصّل عليها أهالي القتلى في صفوف قوات النظام؛ صناديق برتقال ولوحات جدارية وساعات حائط، وأخيراً جرّة غازٍ بسعرٍ مدعوم. يجدر السؤال هنا؛ ألا يعي النظام، بعد سنواتٍ من الحرب ومرارة الفقد، أنّه يُهين أهالي ضحاياه الفقراء بهذه التصرفات!   

الصورة الثانية

يقف العالم على قدمٍ واحدة أمام جائحة كورونا، وينكر النظام السوري، بدايةً، وجود حالات إصابة بالفيروس في البلاد، وتخرج أعلى سلطةٍ طبية في البلاد لتقول إنّ الجيش الذي قضى على الجراثيم لن يعجزه محض فيروس. يستعيد هنا وزير الصحة في حكومة النظام وصفَ بشار الأسد التحقيري للسوريين المناوئين لحكمه على أنّهم جراثيم. انتصرت سوريا الأسد على الجراثيم، وها هي تُعدّ العدة لمواجهة الفيروسات، فاطربوا أيها السوريون!

لاحقاً، يزداد الغمز المحلي والدولي من كتم مؤسسات النظام لأمر الكورونا كما لو أنّه خرقٌ أمني، وتحت ضغط المعلومات التي يسرّبها السوريون إلى وسائل الإعلام من مشاهداتهم اليومية. يستجيب النظام معترفاً بأول إصابةٍ لعشرينيةٍ قادمةٍ من خارج البلاد، دون أن يُفصح عن الجهة التي قدمتْ منها، ليعود ويعترف بعد ذلك بأنها عائدة من بريطانيا، وها هو أخيراً يُعلن وصول عدد المصابين، أمس الخميس، إلى خمس حالات، معتّماً على أيّ تفاصيل تتعلّق بهم.

في الشوارع، تطوف سيّارات البلديات ورجالٌ يحملون مضخاتٍ ترشُّ الشوارع بموادٍ قيل إنها معقّمة، في مشاهد لم نرَ لها مثيلاً في أي بلد؛ في سوريا يعقّمون الهواء حيناً، ويعقمون الشوارع حيناً آخر ببضع أسطواناتٍ صغيرة، كما لو أنّ البلاد بحجم بستان مشمش. يُشبّه روّاد مواقع التواصل الاجتماعي ما يحدث بعملية رشّ المبيدات الحشرية، ويضيفون بأنّ النظام لا يفرّق بين الحشرة والفيروس.

الصورة الثالثة

تتناقل وسائل الإعلام صوراً ومقاطع مصوّرة لمركز الحجر الصحي في بلدة الدوير بريف دمشق. تظهر اللقطات غياباً لأبسط مقومات الحياة، لا الوقاية، عن المركز؛ الماء. فضلاً عن ذلك، يُحجر على كلّ ثمانية أشخاص لا يُعرف بينهم السليم من المصاب في غرفةٍ واحدة، ومن دون أن يحصل البعض منهم على كمّامات، بينما تملأ القمامة أرجاء المكان. الأسوأ من كلّ هذا هو ما يقوله المصابون أنفسهم: «لم يفحصنا أحد». تصل الصور التي ملأت الفضاءات العامة إلى الجهات المختصة، فتدفع بمغسلةٍ جديدة وبعضاً من قطع الصابون إلى المكان، ثمّ لا يتغيّر شيء.

في المقطع المصوّر نفسه، يقول أحد المحجور عليهم في مركز الدوير بأنّهم لو كانوا «دواب» كانت الحكومة ستتعامل معهم بطريقةٍ أفضل. 

الصورة الرابعة

نشرت اللجنة الاقتصادية في مجلس الوزراء، على صفحتها في فيسبوك، بياناً تقول فيه إنها حضّرت نفسها لمواجهة وباء كورونا من خلال رصد 100 مليار ليرة سورية. وتضيف اللجنة أنّ هدفها من رصد هذه الأموال هو «ضمان استمرار العملية الإنتاجية للصناعات الغذائية والطبية (المعقمات والمطهرات) في القطاعين العام والخاص، وضمان تقديمها بجودةٍ عاليةٍ للمواطنين وتواتر توريدات المواد الأولية اللازمة للإنتاج بانسيابية».

يغيب عن بيان اللجنة توضيح أنّ ما تقوم به في هذا الإطار لا يندرج تحت أيّ خطّةٍ لمواجهة احتمال تفشّي وباء في البلاد، فالتجار أيضاً حضّروا أنفسهم ورصدوا مبالغ كبيرة للاستثمار في المعقمات والمطهرات التي سيزداد الطلب عليها. هذا نشاطٌ تجاري؛ استثمارٌ مؤكّد الربح في ظلّ الأزمة، وليس أبداً استجابةً حكوميةً طارئة. ربّما تتفوق الحكومة على التجار في هذا المضمار في كونها أكثر انسيابية، كما تورد في بيانها.     

*****

يواصل الإعلام الرسمي ملاحقة عمليات تعقيم باصات النقل الداخلي وتوثيقها بالكاميرا، قبل أن يصدُر قرارٌ بوقفها الكامل عن العمل، كما لا تكفّ شاشة التلفزيون الرسمي عن استضافة «مختصين» يطمئنون الناس بأنّ سوريا ما تزال خاليةً من الكورونا، في حين يُكلّف المراسل شادي حلوة بإهانة المارّة وتقريعهم في شوارع حلب.

أما إجراءات النظام الأخرى، فشملت أولاً إغلاق المدارس والجامعات وتالياً الحدود، فضلاً عن تخفيض أعداد الموظفين في الدوائر الحكومية، ثمّ شُرع أول أمس الأربعاء بتنفيذ قرارٍ بحظر التجوال في عموم مناطق البلاد الخاضعة لسيطرة النظام منذ السادسة مساءً وحتى السادسة صباحاً. كما تسري في البلاد شائعاتٌ عن حظرٍ كاملٍ للتجوال قد يُطبّق خلال الأيام القليلة القادمة. لا تنفي أو تؤكّد ذلك أيّ جهةٍ في النظام، ولا يخرج بشار الأسد، كما فعل باقي الرؤساء في جميع دول العالم، ليشرح الآليات التي ستستجيب من خلالها سوريا للوباء، أو ليجيبنا من أين سيأكل المياومون السوريون، وهم بالملايين، إذا توقفوا عن العمل!

يُدلّل اتّخاذ إجراءات منع التجوال وغيرها على أنّ مستجدّات الوضع الصحي المتعلق بفيروس كورونا المُستجد مغايرةٌ لما يُعلن عنه النظام بشكلٍ رسمي (وهو ما لا نتمناه بطبيعة الحال)، ولكن لا أحد على الأرض يمتلك إمكانية إظهار الحقائق سوى النظام نفسه، من خلال فروعه الأمنية وليس وزارة الصحة، إذ تنقل صحيفة العربي الجديد عن موظّفٍ في منظمة الصحة العالمية قوله إنّهم لا يجرؤون في المنظمة الدولية على إعلان المعلومات المتوفرة لديهم حول حجم انتشار كورونا في سوريا؛ لأنّ ذلك يعني وضع المسؤولين في فرع المنظمة بدمشق على متن أوّل طائرةٍ متجهةٍ إلى بلادهم.

تعيش سوريا الوباء الأسدي منذ سنين طويلة، واللقاح معروف، لكن لا أحد يرغب في تقديمه.