أرشيف للعدالة والتاريخ

 

تأسّس الأرشيف السوري في العام 2016 بمبادرةٍ من نشطاء سوريين في مجال حقوق الإنسان؛ بهدف حفظ وإدارة وتحليل الوثائق البصريّة المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الأخرى المُرتكبة في سوريا من قبل جميع الأطراف، وكذلك من أجل بناء ذاكرة رقمية وأداة تساهم في دعم قضايا المناصرة والمساءلة القانونية وبناء التقارير الصحفية بالاستناد إلى الأدلة.

ويعتمد العاملون في الأرشيف على منهجية للبحث، تتضمن أدواتٍ وطرائق مفتوحة المصدر للتحقيقات، وآلية توضح سير عمل الأدلة، وكذلك على مُخطّط تفصيلي للبيانات الوصفيّة. جميع محتويات الأرشيف يمكن الولوج إليها من خلال الموقع المُتاح بشكلٍ مجاني لجميع المُتصفّحين، وباللغتين العربية والإنكليزية، حيث يمكن رؤية محتويات الأرشيف والتحقيقات وإحصائيات المواد الرقمية المؤرشفة، فضلاً عن تلك التي تمت أرشفتها بعد استرجاعها من الضياع لفترة من الزمن.

أجرت الجمهورية حواراً مطوّلاً مع هادي خطيب، مؤسس ومدير الأرشيف السوري، شرح خلاله طبيعة عمل فريق الأرشيف وآلية الأرشفة وتخزين البيانات والحفاظ على استدامتها وتقديمها كمصدرٍ مفتوح للعموم. يقول خطيب إنّ فكرة المشروع جاءت خلال عمله مع إحدى المؤسسات الألمانية المختصة بأمن البيانات والتحقق الرقمي ومن ثمّ مع مؤسسة إيطالية تعمل على توثيق انتهاكات حقوق الانسان، حيث كان على تماسٍّ مباشر بعددٍ من المحامين والقضاة المنشقين والصحافيين الذين يقصدون تلك المؤسسات رغبةً في توثيق جزء من عملهم، أو استرجاع معلوماتٍ أضاعوها أو تدمّرت نتيجة دمار الأجهزة التي خُزّنت عليها أو قرصنة حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتالي كان لا بد من التفكير بأرشيف يحفظ هذه المعلومات ويخزنها بشكلٍ منهجي في مكانٍ آمن.

ويضيف خطيب: «بشكلٍ أولي كان هنالك حاجة لعدم بقاء هذه المعلومات مبعثرةً في فضاء الإنترنت أو على أقراص صلبة (هاردات)، بل جمعها وإتاحة الولوج إليها والاستفادة منها، وكان أول ما بدأ الأرشيف بالعمل على تخزينه وتوثيقه هو قاعدة بيانات تؤرشف الانتهاكات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، وحتى لا نقع في المطب نفسه الذي وقع فيه صحافيون وقضاة ومحامون ومؤسسات فقدوا معلوماتٍ يمتلكونها بعد أن خزنوها على مواقع التواصل الاجتماعي أو في مساحات لا يملكون أيّ سيطرةٍ عليها، فقد عملنا على امتلاك بينة تحتية مستقلة وغير مرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي نُخزَّن عليها المعلومات وفق منهجية صحيحة بحيث تكون غير مُعرّضة للحذف أو التلف».

وعن هذه البنية التحتية التي يمتلكها الأرشيف يقول خطيب: «لدينا مُخدّمات مُستقلة؛ هي عبارة عن مخدم أونلاين وآخر غير مرتبط بالإنترنت، فضلاً عن مخدم ثالث طويل الأمد. بالنسبة للمخدم الأول، فهو يربطنا بالمؤسسة المُستضيفة لفترة زمنية محددة، أما باقي المخدمات فنحن من اشتراها ونقوم بإدارتها، والمخدم الثالث طويل الأمد هو من طبيعة المُخدمات نفسها التي تشتريها مواقع التواصل الاجتماعي للاحتفاظ بالمعلومات بشكلٍ رخيص ومستدام يضمن بقاءها على المدى الطويل مُخزنةً في شرائط، وباستثناء مخدم الأونلاين الذي يضمن الوصول إلى المعلومات من قبل جميع الناس، فليس هنالك مصروفات كبيرة نحن مضطرون لدفعها من أجل الحفاظ على محتويات الأرشيف».

يتابع خطيب: «بالتقنيات الحالية يمكن ضمان بقاء المعلومات لمدة ثلاثين سنة، وفي مرحلة لاحقة يمكن نقلها إلى مخدمات جديدة تضمن بقاءها لثلاثين سنة أخرى في كلّ مرة، ولا يحتاج الأمر مبالغ كبيرة من أجل نقل المعلومات لسيرفرات جديدة، لأنّه يكفي شراء الأشرطة وضمان بقاء أكثر من نسخةٍ منها في مقر الأرشيف وفي أماكن مختلفة؛ سواء في معاهد أو جامعات أو مؤسسات. وبالفعل تواصلنا مع جامعات للاحتفاظ بنسخ احتياطية، وفي الوقت الحالي نسعى لإيجاد صيغة تعاقدية مع جامعة بيركلي بكاليفورنيا من أجل الاحتفاظ بنسخة مُشفّرة عن الأرشيف لديهم، ليتم العودة إليها في حال تضررت إحدى النسخ الموجودة في مكتبنا أو في مكان آخر».

ماذا عن المواد التي ضاعت؟

ضاع كثيرٌ من المحتوى البصري الذي وثّق ما حدث في سوريا خلال سنوات الثورة الماضية، لا سيّما بعد أن أقدم موقع يوتيوب على حذف مقاطع فيديو وحسابات كثيرة كانت موجودةً على المنصة، ولا بدّ من العمل على استعادة هذه المعلومات. يقول خطيب: «تعود إمكانية استعادة أي معلومات إلى طبيعة الآلية التي خُزّنت بموجبها، فبالنسبة للمواد التي ضاعت بسبب موت الأشخاص المحتفظين بها على أقراص صلبة أو أجهزة كمبيوتر مزوّدة بكلمات سر، فيمكن اعتبارها بمثابة الضائعة بشكلٍ نهائي، وهنالك أيضاً ضياعٌ يعود إلى تلف الأجهزة نفسها. شكلٌ آخر من ضياع المعلومات يحدث نتيجة قرصنة حسابات مَنْ خزّنوها على منصات معينة، وهناك مواد حُذفت من على مواقع التواصل الاجتماعي. يعمل الأرشيف حالياً على استعادة المواد التي حُذفت من مواقع التواصل الاجتماعي أو التي تمت قرصنتها، ولكن من غير الممكن استعادة هذه المواد من دون أن تُعلمنا الجهات التي تملكها بضياعها وتزويدنا بكامل المعلومات المتعلقة بحساباتهم، وإلا فستكون هذه المواد قد ضاعت بشكلٍ نهائي».

ومن خلال الأرقام المنشورة على موقع الأرشيف السوري نرى أنّ العاملين فيه استطاعوا استعادة أكثر من مئتي ألف مقطع مصوّر من شركة غوغل منذ العام 2016 حتى الآن، ولكن هل توجد آلية لمعرفة إذا ما جرى حذف بعض المحتوى الذي يخزنه ناشطون على الإنترنت؟ يجيب خطيب بأنّ لدى الأرشيف قاعدة بيانات يتابع من خلالها 5 آلاف مصدرٍ سوري، وأي حذف للمعلومات من هذه المصادر يمكن معرفته والتواصل مع شركة غوغل أوتوماتيكياً لاستعادتها، فضلاً عن ذلك أطلق الأرشيف حملاتٍ صغيرة على مواقع التواصل الاجتماعي يطلب فيها من أصحاب المحتوى التواصل معه في حال أضاعوا أو فقدوا معلوماتٍ خزّنوها على مواقع التواصل.

وعلى الرغم من أنّ المواد الموجودة لدى الأرشيف السوري تتجاوز ثلاثة ملايين، بين مقاطع فيديو وصور وشهادات ومنشورات، فإنّ أرقاماً أكثر من هذه بكثير قد ضاعت ومن الصعب جداً استعادتها، كما أنّ الأرشيف لم يتمكن حتى اليوم من التحقق واستخدام أكثر من خمسة آلاف مادة في تحقيقاته، وهذه المواد تشمل الفيديوهات والصور وتغريدات في تويتر أو منشورات في فيسبوك أو تلغرام.

الشراكات والمستفيدون والمتعاونون

بدأ الأرشيف السوري العام الفائت بالتواصل مع قنوات عديدة تبثّ صوراً وفيديوهات منذ العام 2011، وذلك من أجل ضمان أرشفة المواد التي بحوزة هذه القنوات والتنسيق مع القائمين عليها لاتّباع منهجية موحدة لعملية الأرشفة، تمكّنُ من تنظيم المعلومات والوصول إليها بشكلٍ سهل، وكذلك بغية بناء ذاكرة رقمية يتم الرجوع إليها.

ويعمل الأرشيف مع جامعات وطلاب متطوعين يساعدون فريق العمل على مواصلة جهوده وتوسعتها، ومن خلال برامج التطوع والشراكات الاستراتيجية مع المؤسسات الأجنبية والسورية والجامعات والمعاهد، يسعى القائمون على الأرشيف لضمان استدامة مشروعهم.

أمّا معلومات الأرشيف فستبقى، بحسب خطيب، متاحةً لكل من يستطيع توظيفها بشكل مفيد، بينما يتمّ التركيز حالياُ على التواصل مع جهات قانونية تستفيد من الفيديوهات والتحليل البصري الذي يقدمه الأرشيف؛ يقول خطيب: «على الرغم من قلة الأثر القانوني للمواد التي يمتلكها الأرشيف قياساً بالأدلة الجنائية التي تمتلكها أطراف معينة وحكومات ولجان تحقيق، فقد سبق للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بليبيا إصدار مذكرات تفتيش بحق مجرمي حرب بالرجوع إلى منشورات في فيسبوك، ومن هنا تأتي أهمية عمل الأرشيف».

وبالنسبة لحقوق ملكية المواد الموجودة في الأرشيف فهي، وفقاً لمدير الأرشيف، تعود للأشخاص الذين صوروها من صحافيين وناشطين، وهنالك اتفاقيات موقعة مع بعضهم حول آلية الاستفادة منها، وهذا ليس فقط ضماناً لحق هؤلاء، وإنما أيضاً لأنّ استخدام هذه المواد كمستند حقوقي وقانوني يحتاج إلى وجود المصدر بوصفه الشاهد الذي يملك معلومات كبيرة عن الصور والفيديوهات، والأرشيف لا يكتفي بالجهة التي نشرت المحتوى، وإنما يراعي تسلسل العمل على المحتوى إلى أن وصل إلى الشكل الذي أُرشف بموجبه.

أهداف الأرشيف السوري

لا يقلل هادي خطيب من ضرورة الذاكرة والتأريخ لما حدث ويحدث في سوريا، غير أنّ الجانب القضائي والانتهاكات ضد حقوق الانسان هي الشاغل الأكبر لفريق الأرشيف، ولذا يعتبر مدير الأرشيف أنّ أول أهدافهم هو أن تُستخدم معلومات الأرشيف من قبل المحاكم الدولية والمؤسسات الحقوقية لملاحقة مجرمي الحرب في سوريا، وكذلك أن تُوظّف في دعم عمليات البحث المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان.

وفي الوقت نفسه، يعتبر هادي خطيب أنّ من المهم استخدام الأرشيف في طرح سرد بديل عن السرد الزائف الذي يروّجه النظام وروسيا وإيران وحلفاؤهم، لا سيما مشروع وثيقة وطن الذي تديره بثينة شعبان، ويمكن للأرشيف المشاركة في بناء هذا السرد من خلال التنسيق مع الجهات التي تعمل على بنائه وتوفير الفيديوهات والصور المُوثقة فيه والمُتحقق من صحتها.

فضلاً عن ذلك، يقول خطيب: «يتواصل معنا مؤرّخون وقضاة ومنظمات مثل منظمة العفو الدولية، ويمكن لمخرجات عملنا أن تكون مدخلاتٍ لعمل هؤلاء. أيضاً يستفيد من الأرشيف مهندسون ومصممو ديكور يريدون أن يعرفوا، على سبيل المثال، كيف سقط أحد المباني، وذلك من أجل توظيف ذلك في أعمال فنية وسينمائية».

هل سيبقى محتوى الأرشيف متاحاً للعموم؟

يبقى هذا السؤال معلقاً ومن دون إجابة واضحة، وذلك بالرغم من كثرة النقاشات التي تدور حوله بين أعضاء فريق الأرشيف، ولكنّ الثابت هو أنّ الوصول للأرشيف سيبقى مجانياً دائماً. أمّا عن بقاء الأرشيف متاحاً للعموم فيجيب هادي خطيب: «بدايةً لا يجب أن يتم تجاهل ما حدث، ويجب الاعتراف به، والأرشيف يجب أن يبقى بلا شك، ويجب أن يبقى الوصول إليه متاحاً من دون بذل المال. المعايير الحالية لاستخدام الأرشيف مرتبطة بآلية توظيف المواد الموجودة فيه ونوعية المخرجات وكيفية طرحها للعموم، ولكن من الضروري التفكير إذا ما كان جيداً بقاء الأرشيف متاحاً للعموم بهذا الشكل البصري المؤلم والمليء بالدماء، ولعلّ ذلك مُتعلّق بالزمن ومجريات العدالة والتطورات التي ستصل سوريا إليها.