أريد أن أكون حيث أريد.. هنا أو هناك

في الملف الثاني في الجمهورية، ننشر «شهادات نساء» عن الحرب السورية. في كل من هذه الشهادات قصة شخصية مكتوبة أو مسجلة لنساء عمّا حدث ويحدث في سوريا اليوم. 

لا ندّعي هنا أن مجموع القصص يقدّم رؤية شاملة أو نموذجية عن وضع المرأة في الحرب، كما أننا لا نركّز على مآسي الحرب وويلاتها فقط. في هذه القصص تأملات عن الدين والحرية، وعن الحرب وآثارها، وعن الماضي والمستقبل في سوريا، وغيرها من العناوين. ما نريده من هذا الملف الصغير هو أن نسهم في النقاش الدائر، عن طريق هذه القصص المختلفة، حول دور المرأة في الحرب، وأثر الحرب عليها، والنقاش حول النسوية في سوريا، وغيرها من الأسئلة؛ علّ «شهادات نساء» تكون مفتاحاً لفهم أعمق لهذه الأسئلة. 

ستنشر الجمهورية، في هذا الملف الذي يعدّه عدي الزعبي، مقالاً أسبوعياً لمدة ستة أسابيع، نُشر منها حتى الآن: «عن سجينات عدرا المنسيّات» لـ ميسا صالح ؛«يسألونكِ عن خلع الحجاب» لـ ياسمين نايف مرعي؛ «من يمتلك جدل تحرير المرأة في سوريا اليوم؟» لـ مزنة النائب؛«أمكنة تنهض، أمكنة تتداعى» لـ جولان حاجي.

لنا تواريخ وذكريات وحتى مواقف لا تُنسى، تأخذُ حيّزاً من ذاكرتنا وتحافظ عليه –على الرغم من اختلافها– إما لذة أو ألماً. إحداها هو تاريخ اعتقالي 10-1-2014. صباح يوم جمعة.

أدركُ من خلال الوقت الذي يمضي أنني لا زلت هناك، كما أدركُ تماماً أن جسدي هو من تحرَّر، لكن روحي لا زالت عائمةً هناك ولم تنل حريتها بعد. لازال المكان ببروده، بكل تفاصيله يعترضُ أحلامي، يبعثُ رسائلَ تحاول أن تجد لها منفذاً لتخرج، لتصرخ، لتعبّر، لتعيدَ حبكة الحكاية، علّها تنتهي على وفاق، وينتهي الكتابُ نهايةً تراجيدية معتادة.

كانت تجربة قاسية جداً، لم أشعر بالخوف إطلاقاً، ولم تراودني أي أحاسيس حتى. ربما لأنني قرأتُ خلال مراهقتي عن تجارب الاعتقال وأدوات التعذيب والسجّان والمنفردة، ولا زالت في ذاكرتي بعض تلك القراءات مثل مقاومة لسهى بشارة والحريم السياسي لفاطمة المرنيسي.. أقولُ ربما.

استيقظتُ صباحاً مع كأس متة وبدأتُ أدرس، عندما طرقَ الباب رجل لا أعرفه، ومع أنني نظرت من العين الساحرة، لكن لم يعتريني أيّ شعور. فتحتُ الباب، ودخل الرجل وخلفه أربعة أشخاص كانوا مختبئين على زاوية الدرج، وهنا شعرتُ بالصدمة التي استمرت معي مدة أسبوع، كنتُ فقط مصدومةً ولم أستوعب ما جرى.

وضعوا غطاءاً على عيوني ووضعوني في سيارة، وطلبوا مني ألّا آتي بأيّ حركة، وأني سأدفع ثمن أي شيء أقوم به. بدأتُ أفكر، ترى لو كنت عمياء هل كان سيختلف الوضع؟ أم أن أي شيء مسلوب، هو الجوهر الذي نركز تفكيرنا عليه، ونحاول استرجاعه ولو خلسة؟

دخلتُ باب الفرع، كنت أسيرُ فقط وأستمعُ للأصوات التي يصدرونها. وقفتُ في الممرّ لمدة ربع ساعة، دخلتُ غرفةً فيها شخصان بدآ بضربي، لم أعرف لماذا، وصرت أفكر عنهم: «أكيد هيدا استقبالن لألي لخاف من أول مرة، بس يا ترى شو بعدين؟"». استخدما عصاة صاعقة بالكهرباء مع ضربٍ ولبط، وبعد انتهائهما أخرجاني وأوقفاني مرةً أخرى.

بعد ذلك أنزلوني طابقين تحت الأرض، وطلبوا من فتاة تفتيشي، ولكنها لم تجد بحوزتي شيئاً.

مع أنني قد تعرضتُ لتحرشاتٍ منذ لحظة خروجي من المنزل، لكنني لم أشعر بشيء، ربما أن ما كان يهمني في تلك اللحظات هو الصمود، التماسك، اللامبالاة. لم أشعر أنه جسدي، تخيلته مقلمتي وهم ينتهكونها الآن، حسمتُ المسألةَ على أنها أمرٌ طبيعي!

دخلتُ مهجعاً فيه أكثر من 35 فتاة، تقلّ أعدادهم وتكثر حسب الأيام والتواريخ والمداهمات، لتصل إلى 45 في غرفة صغيرة، إلى درجة أن ننامَ على جنب واحد، أو بالتناوب.

صُدمتُ مرةً أخرى عندما أدخلوني للمهجع، وجوهٌ كثيرة خالية من كل شيء، رائحةٌ فظيعة لأن الحمام في المهجع نفسه. أول فكرة اقتحمت ذهني المذهول كانت سؤالاً: كيف لنا أن نستمتع بأيامنا ولحظاتنا، ونحن نعرف بوجود أشخاص في أمكنةٍ كهذه، قد يطول بقاؤهم أو يقصر؟

كنت أول «إرهابية» أدخلُ إلى فرع الأمن الجنائي، أخبروني أن اسمي منذ الآن هو أميرة خليف، وأن عليَّ أن أنسى اسمي وهويتي. شعرتُ باللاهوية، أنني لا أحد، مجرد اسمٍ وجسدٍ وفراغ.

بقيتُ سبعة أيام كما لو أنني مجرد جسدٍ يجلس في زاوية، أُصغي فقط لأصوات التعذيب الصادرة من الممرّ القريب جداً مني، اعترتني فكرةُ أنني نائمة وأنه كابوس سينتهي غداً، لكنه كان كابوساً طويلاً لم ينته إلا بعد 11 شهراً و18 يوماً.

كنت أتعرضُ للتعذيب ثلاث مرات في اليوم، أولها كآخرها، دوشٌ بارد جداً. كان المحقق يقول لي: «صباح الخير.. عندي هون دوش بارد، شرّفي اتدوشي وفكري». كان يفتحُ لي صنبور الماء ويضعني تحته ويذهب، كنتُ أرتجفُ من شدّة البرد وأحاولُ التفكيرَ بأشياء حلوة، وأحاولُ الحركةَ علّها تأتيني ببعض الدفء. إحدى المرات قررت أن ألعب بصنبور الماء، فبعد أن فتحه ورحل، حركتُ الجهة اليسرى للدوش وتوقعتُ أن ينزل الماء الساخن، لكنني لم أشعر بشيء، بعد قليل عادَ وطلبَ مني أن أغلقَ الماء وأخرج، فحركتُ مسكة الدوش وأغلقتُها وبقي الماء ينزل، فقال لي: «ولي ش... عمتشغّلي المي السخنة؟!»، قلتُ له: «والله ما نزل شي ولا دفيت، ليكني عم أرجف وزرقة»، وأخذتُ نصيبي من الضرب بعد ذلك. خطرَت لي إمكانية أن أتحولَ إلى شخصٍ يخاف الاستحمام بعد خروجي من السجن، بدأتُ أخافُ مع بداية التعذيب الجسدي.

لم تكن الفتياتُ في المهجع تُكلمنني، كنَّ  ممنوعات من التحدّث معي. بعد سبعة أيام كانت أول مرة يأخذونني فيها إالى مكتب المحقق في الأعلى، أخبرني أنه يعرف كل شيء عني، وطلبَ مني أن أسجّل حساباتي الخاصة، وأفتحَ كمبيوتري وأعطيه كلمات المرور.

أحضرَ لي شخصاً من الجيش السوري الالكتروني، الذي لم يكن يعرفُ حتى كيف يفتحُ حسابي، كان هذا الشخص يفحصُ حسابي على الفيسبوك، ورأى محادثةً موجهة لي من شخص اسمه «جبهة تحرير حلب»، وكان قد أرسل لي فقط جملة السلام عليكم ولم أقم بالرد عليه أبداً، فقال لي: «أنتِ تتعاملين مع جبهات في حلب، وأنت عينٌ لأخيك المطلوب في فرع الأمن السياسي، وهو ترككِ في سوريا كي تكوني جاسوسةً وتخبريه بكل شيء».

وبعد فترةٍ من التعذيب المعتاد، قرّروا أن يشبحوني في الهواء، ربطوا يداي بحبلٍ وعلقوني، وعرّفوني على «الأخضر الابراهيمي»، الذي سمعت عنه كثيراً ولم أكن أرغبُ بالتعرف عليه يوماً.

لم أشعر بإهانة من طرق التعذيب التي تعرضتُ لها، ما أوجعني هو ألفاظهم التي لم أعتد لا على سماعها ولا على نُطقها، شعرتُ بأنني شيءٌ يملكونه، يحاولون إيذاء جسدي ليتسرب الألم إلى داخلي- المكان الذي لا يستطيعون النفاذ إليه-.

أوجعني أنني لا أستطيع أن أُدافعَ عن نفسي، أو حتى أن أطلبَ منهم ألّا يتكلموا معي بهذه الطريقة. كنتُ أرغبُ بالصراخ، بالتعبير عن استيائي، بالبكاء بصوت عالٍ دون خجل، أن أمسك يده وأخبره ألا يقترب أكثر، أو أنني لا أريد أن أراه اليوم وغداً، أو أريدُ الخروج لأرى السماء وأدخن سيجارة، وأجلسَ لمدة خمس دقائق دون أصوات.

أرهقتني ساعاتُ التحقيق التي تطول ولا تنتهي، لحظاتُ فتحِ باب المهجع واختيار الضحية، أصواتُ من يُعذّبون، وقوفي في ممرِّ التعذيب. كانوا يوقفونني لساعات وأنا مطمّشة العينين لأسمعَ أصوات الآخرين، ويطلبون مني أن أفكر. كيف لي أن أفكر وغيري يتألم، يصرخ، يناجي، يستغيث؟

بعد شهرٍ وأسبوع وضعوني على بساط الريح، كانت أقسى طُرُقِ التعذيب ألماً. وبعد أن انتهوا أجبروني على السير على قدمَيّ، ووضعوا لي ملحاً انكليزياً حتى لا تتورما، أو ربما حتى يستطيعوا استخدامهما في التعذيب مرةً أخرى، لكنني تصنّعت أنني أعرج عليهما لمدة أسبوع، حتى لا أجربها مرة أخرى.

إحدى الروايات التي بقيت في ذاكرتي رواية امرأةٍ من حماة، كانت تعيشُ مع زوجها وأطفالها في لبنان، قررت زيارة أهلها مع ولديها، أخبرتني أنهم أخذوها على الحدود بسبب تقرير كيدي كاذب من قريبتها، ولا تعرف شيئاً عن ولديها، كانت تبكي كثيراً وتتوقف عندما تحصل على سيجارة.

فتاةٌ أخرى كانت تعيش في جرمانا، تُهمتها سلب سيارات، علماً أنها لا تملك رخصة قيادة، كانت تعيرني من ملابسها بعد كل دوش حمام بارد.

بعد فترة، جاء المحقق ونادى على اسمي بشكل فجائي، وطلبَ أن يخرجوني من المهجع، شعرتُ بقدماي ترتجفان، توقعتُ أن يضعني على بساط الريح مرة أخرى، لكنه كان يبتسم ولا يحمل وجهه أيّ تعبير، جميعُ الفتيات في الداخل كنَّ يصفنه بالجذاب، كنتُ أقول: «أراه قبيحاً إلى أبعد حد، ألا يكفي أنه يشارك في تعذيبنا ووجعنا وصراخنا، ألا يكفي أنه عديم الإنسانية لتكرهوه، ألا تؤثر فيكنَّ صوت من يصرخ ويستغيثهم ليوقفوا ضربه، أو ليعطوه رشفة ماء». اقتربَ مني المحقق عندما رآني، ووضع يده على كتفي وقال: «ليكي يا أميرة، أنا جاية أعطيكي عرض، وقبل ما أجي لعندك رحت لعند حازم وشيار. نحنا قررنا نعمل تصوير تلفزيوني منشان تخلصوا من هون وتروحوا لعدرا، وبعدا تسطفلوا انشالله بتروحوا لجهنم، وإذا ما وافقتوا، قسماً بالله بخليكن اتختخوا هون وتعفنوا ولا حدا يدرى فيكن، وخليكن تموتوا هون متل الكلاب. شو قلتي؟ بدكن تطلعوا من هون ولا لأ؟ ليكي معك وقت من هلأ لناديلك، واذا قلتي أي حنبدا بكرا الصبح».

أحياناً من صعوبة الموقف والانفعالات القوية التي تستحضرها الذاكرة، لا نستطيعُ وصف حالة أو إحساس، ربما لأن الانفعال المُستحضر لم تتعرف عليه الذاكرة وعجزت عن تسميته، أو ربما أيضاً لأن هذا الانفعالَ الجديد قد جمعَ جزءاً من كل انفعال سابق مخزون من الذاكرة، وأصبحَ مستحيلاً على الذاكرة إمكانية تسمية المشاعر، أو وصفُ القالب العام للموقف.

في 15/3/2015 قُمنا بتسجيل فيديو حول الفبركة الاعلامية على برنامج العين الساهرة، لينتهي التعذيب بعد ذلك، وننتظر برقية لإرسالنا الى سجن عدرا العام. شعرتُ يومها بالخسارة، كنتُ أريدُ أن أقول: اتركني لا أريد التكلّم، لا أريد الخروج، لكنني أردتُ الخروج من هناك، ودفعتُ ثمن ذلك.

كان لدي ليلٌ طويل ووقتٌ يمرُّ ببطءِ سلحفاة، كان كافياً كي أفكرَ في كل ما أردت التفكير فيه، وفي كل ما لم أرد التفكير فيه أيضاً، حياتي، لحظاتي، حبيبي، أهلي، أصدقائي، جميع التفاصيل. حاولتُ أن أبني أملاً يشاركني زاويتي، يخفف من وحدتي، ألّا أفقد أو أخسر ما أناضلُ من أجله، ما أعيشُ له، ألّا أشبههم، وأنني سأخرج من هذا الظلام.

«بوسعهم أن يُكرهوك على قول أي شيء يريدونه، ولكنهم لا يستطيعون إكراهك على أن تؤمن بما تقول، فليس لهم سلطةٌ ينفذون بها إلى كيانك».

لم يكن هناكَ وقتٌ معين قد أمضيه وبعدها أخرج، لقد عُرضت على القاضي مرة واحدة ومن بعدها تم توقيفي. أجملُ ما في الأمل وأسوأه في آنٍ واحد أننا نستطيع أن نبني الأمل من لا شيء، وحتى عندما نشعر بالخذلان والضياع، هنالك دائماً ممرٌّ ضيق ينبثق منه نور.

منذ اعتقالي إلى الآن، لا أشعر سوى بقمرٍ مهاجرٍ من مكانٍ إلى مكان، لا أنتمي لا إلى هنا ولا إلى هناك، لا ذاكرة لي حول الماضي، فذاكرتي الحالية آنيةٌ جداً. لا أعرفُ كل شيء، لكن ما أعرفه أنني لا زلت أحاول استرجاع ما بقي مني هناك.

علمتني الحياة هناك أن أعطي دون مقابل، وألّا أنتظر المقابل، أن أتضامنَ بإصغاء، أن أتقبَّل الآخر. حاولتُ أن أجد الله لكنه لم يجدني، أو أن أجدَ شيئاً يساعدني لكني لم أجد سواي. تعلمتُ أن أفكر بإيجابية، وأن أتعاملَ مع طول الوقت البطيء.

لا زلتُ أحاول العودة من هناك، لأنني هنا ولا أريد أن أبقى هناك. أريد هناك عندما أريد، وأريدُ هنا حيث أريد. لا أريد أن أكون هناك لأنني هناك، ولا هنا لأنني هنا.

أريدُ أن أكون حيث أريد، لا أكثر ولا أقل.

من حجمِ الظلمِ الذي رأيته وسمعته، من الوجوهِ التي استغاثت واستغاثت دون ردّ، من صدى أصواتٍ تناجي ببراءة: «دعوني.. لم أفعل شيئاً أُعاقب عليه هكذا! لماذا تضربونني؟ لماذا تذلونني؟ ماذا فعلت؟ منشان الله يا سيدي تركوني! ببوس إيدك ببوس رجليك! عندي ولاد وعيلة مالهم غيري! منشان الله تركني حاجة تعبت تعبت!»، من قسوتهم وظلمهم وانعدام إنسانيتهم، أريدُ أن أقول: كنتُ ولا زلت مع الثورة، ولكن الأمرَ اختلفَ بعد تجربتي في السجن، يستحيلُ أن نرضى بنظامٍ كهذا، وبرئيسٍ قاتلٍ سفاحٍ دمويٍ مُنتهكٍ لحقوق الإنسان. أريدُ لسوريا أن تتحرر وينتهي ما تعانيه من قصفٍ بالبراميل والطيران الروسي الفاجر، أريدُ أن يبتعدَ عن أهلها الخوفُ والقلقُ المترصدُ مع كل قذيفة، أريدُ لأطفالها أن يحلموا بحلمٍ معتاد لا صاروخ فيه ولا بندقية، حلمٍ لا دم فيه، حلمٍ هادئٍ كنومهم.

أعلمُ أن لكل شيء ثمنه، سننال الحرية ولو بعد حين.