أستانا: فشل متوقع

 

أصدر مكتب المبعوث الخاص إلى سوريا أمس الخميس بياناً أفاد فيه بفشل التوصل إلى اتفاق حول اللجنة الدستورية خلال جولة أستانا الأخيرة، معتبراً أن هذا الاجتماع كان «فرصة ضائعة» على الشعب السوري. لكن بالمقابل، قال أحمد طعمة، رئيس وفد المعارضة إلى أستانا، خلال مؤتمر صحفي عقده في أستانا على هامش الاجتماعات، إن هناك تقدماً على هذا الملف ستظهر نتائجه لاحقاً، فيما قالت وكالة إنترفاكس الروسية أنه تم الاتفاق على 142 اسماً من أصل 150.

وكانت اجتماعات الجولة الحادية عشرة من مؤتمر أستانا للضامنين الثلاث (تركيا وروسيا وإيران) قد عُقدت خلال يومي الثلاثاء والأربعاء الفائتين، بحضور وفد النظام ووفد المعارضة، وبحضور الأردن والأمم المتحدة كمراقبَين. وكان ستيفان ديمستورا حضر الاجتماعات بالتشاور مع الأمين العام للأمم المتحدة، كمحاولة أخيرة خلال ما تبقى من فترة عمله كمبعوث خاص إلى سوريا، التي تنتهي اليوم، من أجل الوصول إلى اتفاق حول اللجنة الدستورية. لكن يبدو أن اجتماعات أستانا التي هيمن عليها ملف محافظة إدلب ووضع اتفاق سوتشي، لم تنجح في التوصل إلى أي جديد فعلاً حول اللجنة الدستورية.

من جهة أخرى، صرّح مصدر تركي لموقع الجزيرة قبل الاجتماعات بيوم واحد، أن «تركيا والمعارضة تريدان الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق نار دائم في إدلب وشمال غرب سوريا»، إلا أن المؤتمر لم يصل إلى مثل هذا الاتفاق أيضاً، بل إن التصريحات التي صدرت عن مبعوث النظام بشار الجعفري خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة الكازاخية، حمّلت تركيا مسؤولية ما أسماها الخروقات لاتفاق سوتشي، كما أنه ركز خلال المؤتمر على ما قال إنه هجوم بالأسلحة الكيماوية استهدفَ أحياء في مدينة حلب، متهماً فصائل المعارضة بتنفيذه.

في مثل هذه الأجواء، يبدو أن مسار اللجنة الدستورية لا يدفع ثمن الموقف الإيراني المتشدد من اتفاق سوتشي فقط، بل إن مسار أستانا برمته يواجه اليوم عقدة رئيسية، هي التقارب بين أنقرة وواشنطن في الفترة الأخيرة، الذي يدفعُ كلاً من طهران وموسكو لزيادة الضغط على تركيا في ما يتعلق باتفاق سوتشي، ويدفعُ روسيا للتساهل أمام الخروقات الواسعة التي تنفذها الميليشيات التابعة لإيران ضمن المنطقة منزوعة السلاح الثقيل في إدلب وريف حماه الشمالي.

وفي الوقت الذي يعاني منه الاقتصاد الإيراني من وضع صعب نتيجة العقوبات الأمريكية، يبدو أن طهران تريد زيادة الضغط في عدة ملفات إقليمية في كل من سوريا ولبنان واليمن، للحصول على صفقة تنقذ اقتصادها، الأمر الذي يتجلّى عبر زيادة العدائية لدى إيران وحلفها.

وهكذا يبدو أن اتفاق سوتشي يتعرض اليوم لأكبر ضغوط منذ توقيعه في أيلول/سبتمبر الماضي، وهو الأمر الذي قد يضع تركيا عند مفترق طرق، إذ إن بِدء عمليات عسكرية واسعة في إدلب قد يجعل من حضورها في مسار أستانا أمراً لا فائدة منه، خاصة وأن استراتيجية التقارب مع واشنطن ليست أمراً عابراً أو تحولاً مؤقتاً.

ثمة توازنات هشّة تسيطر على الموقف في سوريا والمنطقة، وهي التي تحمي الحدّ الأدنى من التوافقات التي تؤدي إلى عدم تفجر الأوضاع من جديد. ويعتمدُ بقاءُ هذه التوازنات حتى الآن على أهمية التحالف الثلاثي بالنسبة للدول الثلاث، التي تجمعها حتى اللحظة مصالح متبادلة بالغة التعقيد.

إيران التي تتعرض لضغوط اقتصادية تريد الخروج منها بأسرع طريقة، تعلم أن تركيا هي ممر نادر لتجاوز العقوبات إذا ما استمرت لفترة طويلة. فيما تريد موسكو أن تلعب أنقرة دور الوساطة بينها وبين أوكرانيا في الأزمة الأخيرة، كما أنها لا تملك شريكاً بديلاً عن أنقرة في سوريا، خاصةً مع انسحاب واشنطن ودول أوروبا من أي مبادرة تريد موسكو العمل عليها بما يتوافق مع استراتيجيتها وهدفها الرئيسي في سوريا، وهو الإبقاء على الوضع كما هو عليه، وإعادة الحياة لنظام الأسد على الصعيد الدبلوماسي والسياسي. أما أنقرة التي عادت للتقارب مع واشنطن، فهي لم تحقق حتى اللحظة جميع أهدافها بعد أن انتقلت أنظارها نحو شرق الفرات، ما يجعل من بقاء حلفها مع موسكو وطهران وسيلة جيدة للضغط على الولايات المتحدة في ملفات حساسة بالنسبة لتركيا.

يمكن لأي طرف من هذه المعادلة أن يتجه نحو التصعيد إذا ما رأى أنه لا جدوى من استمرارها، وهو ما سينهي مسار أستانا عملياً في حال حدوثه. وفي مثل هذا السيناريو، فإننا قد نشهد تطورات متسارعة تتجاوز هذه التوازنات الهشّة، التي تحمي حتى اللحظة ما تبقى من اتفاقات جنّبت شمال غرب سوريا معارك واسعة، سيدفع السكّان ثمنها الرئيسي.