أشباح الوحدة الكثيرة

قد تكون القراءة فعلاً ذاتياً وانقطاعاً عن الحياة اليومية الروتينية؛ فعل استغراق مع الذات، شغوفاً باكتشاف حياة أخرى، أو البحث عن فكرة جديدة بين جلدتي الكتاب، لكن عندما نكتب عن كتاب ما لنناقش الأفكار التي وردت فيه، تصبح القراءة فعل تواصل وحوار، منفتحاً على عدد لامنتهٍ من القراءات والآراء.

تنظم الجمهورية.نت بالتعاون مع مكتبة خان الجنوب في برلين سلسلة قراءات ومراجعات دورية لكتب صدرت حديثاً باللغة العربية، وذلك عبر دعوة مجموعة كتاب وكاتبات لقراءة كتب مقترحة ومراجعتها وفتح نقاش حولها وحول مواضيعها.

«قررت الكتابة عن كاتبات يشاركنني الشعور بالوحدة، سقطت كل منهن في فخاخ الجنون او الانتحار أو اضطراب الهوية أو ذنب الأمومة» (ص13).

لم تكن قراءة كتاب نورا ناجي الكاتبات والوحدة عملية سهلة على الإطلاق على الرغم من قلة عدد صفحاته وتنقله بين عشر مقاطع للحديث عن عشر كاتبات مفكرات روائيات وعلاقتهن بالوحدة، والانعزال، والهشاشة.

فالكتاب الذي يفتح منذ اللحظة الأولى على هواجس الكاتبة وصراعها مع الوحدة وتبعاتها من اكتئئابٍ أو أفكار انتحارية، يحاول في مقاطعه المتتالية أن يرسم صورة لمحاولات مختلفة لنساء مفكرات أو متمردات أثناء بحثهن عن التوازن ضمن حياتهن وسياقهن، ثم الاشتباك مع أشكال مختلفة من الوحدة، أو العزلة، ومدى تأثيرها عليهن.

نورا نفسها ككاتبة مع العزلة

يقول فهرس الكتاب أنه يناقش الوحدة والعزلة مع عشر كاتبات هنّ: عنايات الزيات، إيمان مرسال، فاليري سولانس، مي زيادة، إيلينا فيرانتي، نوال السعداوي، سوزان سونتاج، أروى صالح، رضوى عاشور، فيرجينيا وولف. ولكن النقاش الأساسي الذي فتح الباب نحو صلب موضوعة الكتابة والوحدة، هو نقاش نورا ناجي نفسها.

تبدأ نورا بالحديث عن حياتها، لحظة كتابتها لأول روايتها «الجدار»، وحياتها في مدينة إنتشون في كوريا الجنوبية، خوفها على نفسها وعلى طفلتها من أفكارها، لتتابع في مقدمة الكتاب في بحثها في هذه الوحدة التي تشعر بها، عن هذه الأفكار التي تجتاح نفسها.

«كنت أعاني من هواجس قاسية، أفكر في طرق لإيذاء نفسي، وربما أفكار أخرى مرعبة تتعلق بطفلتي» (ص10)

وبالتالي يمكن تسمية نورا الكاتبة الإحدى عشر في هذا الكتاب، فهي في بحثها عن تموضوعات الوحدة في كتابات النساء الأخريات، كانت تتلمس التقاطعات التي تلاقي أحاسيسها بأحاسيسهن، وسعيها إلى مناقشة الأمومة أحياناً والانكسارات الفكرية أو حتى الشخصية أحياناً أخرى، هو سعي لفض أسئلتها الشخصية، فينتج هذا الكتاب كتهويدة لذات الكاتبة حتى تستكين، لتجد سلاماً في مشاركة الألم والحديث عنه، أو حتى الجرأة في نقاش وجودي فردي وحميمي.

تتالى الصفحات ويصير الكتاب كتاباً عن الشراكة في الوحدة، عن جمع الوحدة المفردة الذاتية لتصبح عزلة كبيرة تضم الجميع، وهكذا تسقط قوة هذه الوحدة، لدى الكاتبة على أقل تقدير

«للكتابة فعل التطهير في نفسي، لأني بعد أن انتهيت اكتشفت أنني أصبحت أكثر هدوءاً. الغريب أنني توقفت عن الشعور بالفزع من فكرة الوحدة، بت قادرة على التأقلم معها، بل وتمنيها أحياناً» (ص109)

الكتابة فعل شاق

في رحلة نورا، أي في هذا الكتاب، تحضر الكاتبات العشر بأشكال مختلفة، تبدأ من قراءات نورا لهن، ثم تختلط حياتهن الشخصية بمؤلفاتهن، فتحاول الكاتبة أن تتبع خيوطاً تجدها هي مثيرة للاهتمام، ولكن ما يجمع كل شيء بالنسبة لها غير الفكرة الأساسية في بحث علاقة الكاتبات مع الوحدة، هو تصريح يتكرر دوماً عن الكتابة كفعل متعب وتشريحي.

«طاقة الكتابة يمكن أن تكون خطيرة، يمكن أن تتسبب في أفكار مرعبة وهواجس اكتئابية» (ص24)

«روح الكتابة تعمل مثل جهاز ’إكس راي‘، تظهر باطن العالم، وباطن العالم مظلم وقبيح مليء بالهفوات والعثرات والقسوة» (ص77)

فعل الكتابة الذي يجمع نساء هذا الكتاب مرتبط فعلاً بعدة أبعاد، لعل أولها أنهن نساء من أزمنة مختلفة وسياقات حياتية متعددة، والكتابة تتنوع بينهن من كونها رفض وغضب، أو تمرد واستنكار، أو حتى مناجاة وبحث عن خلاص، الكتابة كأداة نسوية في مواجهة الواقع، أو أحياناً للهروب منه أو حتى التعقيب عليه من بعيد، ولهذا ربما كان من اختيارات نورا عنايات الزيات صاحبة الرواية اليتيمة «الحب والصمت»، و فاليري سولانس صاحبة مخطوطة لم تنشر، بالإضافة لنوال السعداوي ورضوى عاشور وسوزان سونتاج المنتجات بشكل كبير، هذه المقارنة الكمية لا أهمية لها سوى تبئير العدسة حول فعل الكتابة نفسه، دون الاهتمام بأعداد المنتج النهائي، ولذا فإن جميع الكاتبات في الكتاب، كنّ يسألن أنفسهن أسئلة في فلك واحد، هي قدرة الكتابة في عالم أبوي وذكوري.

إجابات متعددة لسؤال الوحدة

تنوعت أشكال الوحدة التي رصدتها الكاتبة، فتضمنت لحظات انتحار كما حدث مع عنايات الزيات وفرجينا وولف وأروى صالح، أو ثقل الأمومة كما مع إيمان مرسال وإيلينا فيرانتي وسوزان سونتاج، ومع الصراع بين الحيزين العام والخاص كما في فصلي نوال السعداوي ورضوى عاشور، وغربة الأفكار في فصل مي زيادة.

وفي كل فصل على صغر مساحته حاولت الكاتبة سرد حياة الكاتبات مبنية على رؤية خاصة بها، ماذا قرأت عنهن ولهن، كيف يمكنها أن تفسر بعض أفعالهن، أو حتى كيف تربطهن بمواقف معينة لها شخصياً، فكانت الفصول انتقائية لفكرة أو اثنتين من عموم حياة الكاتبات، والاشتباك مع تلك الأفكار كان في البحث عن جواب سؤال الوحدة.

«طوال فترة كتابتي لهذا الكتاب، كنت أحاول الرد على السؤال الدائم: لماذا تعاني الكاتبات بالذات من وحدة شديد؟» (ص72)

ولكن الكاتبة وفي بحثها المحموم عن هذه الإجابة كانت تقفز لاستنتاجات ربما كانت متسرعة، كانت وكأنها تناقش انطباعها العام عما تقرأ وتسمع عن ومن الكاتبات، فتتحيز في لحظة وتسامح في لحظة أخرى، بانفعال شديد، ربما لارتباط الموضوعة هذه بشكل أساسي وحميمي بها، ومع محاولات الكاتبة ألا تنقد بشكل صريح أي من الكاتبات كانت هنالك لحظات دفاع أو استنكار واضحة ولكن منقوصة كما لو كانت آتية من آلية محاكمة غير مذكورة في الكتاب، فبقيت الاستنتاجات دون ذكر كيف بنيت.

قد يربكنا ما سبق من استنتاجات متسرعة في التعرف على الكاتبات إذا كانت المرة الأولى التي نسمع فيها عنهن، ولكن وعلى الصعيد الآخر لا يقدم الكتاب نفسه على أنه محاولة للتعريف بهؤلاء الكاتبات، فهو وبشكل ضمني يناقش معنا ما بعد القراءة لكتاباتهن، أو حتى ما بعد قراءة نقد كتابتهن.

خاتمة

أغراني اسم الكتاب في الوهلة الأولى، كان عنواناً شيقاً مع أسماء مجموعة من الكاتبات المتنوعات، البحث المحموم على ما يشبهنا حتى في عزلتنا كانت فكرة لماحة، وهكذا كانت قراءة الكتاب الذي جاء في 115 صفحة من القطع الصغير واقتسام لحظات الوحدة مع هذا العدد من الكاتبات رحلة تفتح أفقاً للتفكير وللمشاركة، للنظر في تشكل الوعي المكتئب أو الحزين أو حتى المضطرب للكاتبات، وإن كانت سرعة الأحاديث عن نقاط مفصلية وجوهرية أحياناً غير موفقة وتحتاج إلى تأني أكبر في طرح أفكار مثل نسوية مي زيادة، أو صراع نوال السعداوي مع المجتمع، أو حتى غضب فاليري سونتلاس على الرجال أجمع، وهي نقاط كانت برأيي تحتاج إلى إحكام أكثر أو سرد أطول وهو ما لم يكن ممكن مع منطق الكتاب، ولكنها جعلته يتغير في فصول بدت أضعف من باقي الفصول.

كان الكتاب شراكة في الوحدة، لحظة عن الارتباك في عزلة نتشاركها جمعياً، وهي فكرة ظلت عالقة معي بعد قراءة الكتاب، فكرة يمكن العمل عليها، والبحث في تفاصيلها وهو أمر يحسب للكاتبة بالتأكيد.