«أشدّاء» على الهيئة

 

لم تكشف الشهادة التي تقدّم بها «أبو العبد أشدّاء» قبل أيام عن أي جديد تقريباً، فالقيادي في تنظيم هيئة تحرير الشام أعاد في حديثه رواية بعض ما بات معروفاً عن مشروع تنظيمه، من أنه مشروع تسلطي يهدف إلى السيطرة على الموارد الاقتصادية واحتكار القرار السياسي والمدني والعسكري والأمني في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في الشمال السوري، لكن المتابعة التي لاقتها تلك الشهادة ترجع إلى التساؤلات التي طرحتها حول غايات أبي العبد منها، وحول المؤشرات التي تعطيها بخصوص الأوضاع داخل التنظيم وبخصوص مستقبله.

لم يكن عبد المعين كحّال المعروف بأبي العبد أشدّاء في الواقع إلّا شخصاً فاعلاً في مشروع الهيئة هذا نفسه، ولا تشير سيرته إلى أي تمايز عن مشروع كهذا، فهو كان قيادياً في فصيل «مجاهدو أشدّاء» الذي تشكّل إبان سنوات الثورة الأولى في حي السكري بمدينة حلب، ومعروفٌ أنه نفّذ حكماً بالجلد على شخصين بتهمة عدم إغلاق متجريهما أثناء صلاة الجمعة، وبات في أحد المراحل الحاكم الفعلي لحي السكري، حيث مارس جنوده التضييق على السكان هناك، وصار يمثّل الجانب الاستخباراتي لحركة أحرار الشام الإسلامية بعد انضمامه إليها، حتى أنه أصبح مشرفاً على سجنها في مدينة حلب لاحقاً.

وقد استقطب أبو العبد وقتها ثلاثة من أبرز المجاهدين المصريين في سوريا، الذين كانوا حين ذاك في صفوف حركة أحرار الشام قبل أن ينضموا جميعاً لهيئة تحرير الشام، وهم أبو اليقظان والفرغلي وأبو شعيب، الذين سبقوه أخيراً إلى ترك الهيئة والالتحاق بتنظيم حراس الدين التابع للقاعدة، الذي انشق معظم عناصره عن تحرير الشام بعد فكّ بيعتها لتنظيم القاعدة عام 2018.

 تحت اسم «كي لا تغرق السفينة»، وجّه القيادي كلمته تلك لعناصر الهيئة بشكل غير مباشر محاولاً التقرب منهم، ويرى الدكتور عبد الرحمن الحاج، الباحث والأكاديمي المختص بالحركات الدينية والإسلام السياسي المعاصر، أن أبو العبد لا يسعى لإنشاء تنظيم جديد، لأن «فرصة إنشاء تنظيم متشدد آخر فات وقتها لسببين، أولهما أن القاعدة لديها عدة تنظيمات متشددة في سوريا وبالتالي فإن بإمكانه الانتقال إليها كما انتقل آخرون، والثاني أن فرصة نجاح تنظيم سوري قاعدي باتت معدومة، في ظل مناخ عام يحمل القاعدة المسؤولية عن الوضع الذي آل إليه الوضع في سوريا».

ويشير الدكتور الحاج في حديثه مع الجمهورية إلى أن أبو العبد قال كلمته وهو يعلم أنها اللحظات الأخيرة له في الهيئة، أو اللحظات الأخيرة له قبل الاعتقال، وهو ما حدث بعدها فعلاً، لكنّه «كان يسعى إلى إضعاف الثقة بالقيادة وتأليب المقاتلين عليها، لذلك ركز في معظم حديثه على الفجوة بين مدخول التنظيم ومعاشات المقاتلين؛ والغرضُ المُحتمل لمثل هذا السلوك، إذا تم استبعاد الخلافات الشخصية المحتملة جداً، هو أنه فعلَ ذلك بغرض الانفصال عن مركب يعتقد أنه سيغرق في بحر السياسات والرغبات الدولية».

وهذا ما بدا واضحاً فعلاً من خلال كلمته، إذ أشار فيها إلى أن الهيئة بدأت تنساق لرغبات بعض الدول، وسلّمت مناطق شرق السكة في ريف إدلب الشرقي، ثم صمدت عندما أراد لها الداعم ذلك في ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، وكانت على علم بهجوم النظام جنوب إدلب قبل أشهر، لكنها لم تتخذ الإجراءات العسكرية المناسبة.

أما حسن الدغيم، الباحث في شؤون الجماعات الجهادية، فيقول إن هناك في الهيئة تيارات متضاربة وهذا أدى إلى انشقاقات في صفوفها، وتأتي حركة أبي العبد في هذا السياق، لاعتقاده أنه لم يعد مرغوباً فيه، إذ يسعى التنظيم إلى تحجيم المتشددين في صفوفه، وعلى وجه الخصوص من يُسمون بالمهاجرين الذين التحق المئات منهم بتنظيم حراس الدين، التنظيم القاعدي الذي كان أشدّاء ينوي الالتحاق به على الأرجح لولا اعتقاله.

ويضيف الدغيم أن محاولة الهيئة تبديل جلدها وتنفيذ الاتفاقيات الدولية كأستانة وسوتشي حملت كثيرين من حاملي الفكر الجهادي على النأي بأنفسهم عنها، أو الالتحاق بفصائل أخرى ما زالت متمسكة بالمبدأ الذي أُسِّسَت من أجله الهيئة، الذي هو على حد قول أبي العبد «تأسيس كيان سنّيّ في سوريا». كما يشير الدغيم في حديثه للجمهورية إلى أن الهيئة عملت في كثير من الأحيان على اغتيال شخصيات متشددة لم تستطع إسكاتها، بالإضافة إلى أن هناك العشرات من الأشخاص الذين كانوا أعضاء في الهيئة، وهم الآن معتقلون في سجن العقاب وغيره من السجون المنتشرة في أرياف إدلب وحلب، وخاصة في جبل الزاوية.

وبحسب دراسة صادرة عن مركز عمران للدراسات في 17 أيلول الجاري، ترصد عمليات الاغتيال بين شهري شباط وتموز في إدلب، فإن محاولات الاغتيال في المحافظة وما حولها بلغت 52 محاولة خلال 6 أشهر من الرصد، حققت 29 منها غايتها بتصفية الجهة المُستهدفة، بينما فشلت 23 منها في أهدافها. وأضافت الدراسة أن أغلب عمليات الاغتيال في مناطق نفوذ تحرير الشام كانت عمليات دقيقة، سواء على مستوى استهداف قيادات في الهيئة أو على مستوى استهداف شخصيات مدنية وعسكرية خارجها، وأشارت إلى أنه ثمة اتهامات للهيئة نفسها بالمسؤولية عن اغتيال عدد من الشخصيات والقادة فيها.

على صعيد آخر، يقول الصحافي محمد السلوم للجمهورية إن «ما وُصِف بـ "مكاشفات أبو العبد" لم تأت بسبب غيرته على المدنيين الذين يعيشون في مناطق الهيئة، بل هم آخر ما يهمه، لكنها جاءت في سياق غيرته على ما وصفه بـ"المشروع الجهادي" وغيرته على الهدف الذي أُسِّسَت من أجله الهيئة».

يضيف السلوم أن «هناك تياراً واحداً رئيسياً يتحكم بالهيئة في الواقع، ويبدو أن أشدّاء كان خارج هذا التيار، إذ كان عسكرياً بحتاً بعيداً عن دوائر صنع القرار، ثم جاءت وقائع تقدّم قوات النظام الأخير في المنطقة وتخفيض المخصصات العسكرية والأوامر بالانسحاب لتكون وقائع غير مفهومة بالنسبة له، واضّطرته للخروج والحديث عن أشياء لم يجد لها تفسيراً منطقياً، بعد محاولات البحث عن إجابات يبدو أن زعيم الهيئة أبو محمد الجولاني لم يجد نفسه مضطراً لتقديمها».

تأتي شهادة أبي العبد أشدّاء إذن في سياق تفكك وتداعي التيار الأكثر التزاماً بالفكر الجهادي والأكثر ولاءً للقاعدة داخل هيئة تحرير الشام، وذلك لصالح صعود تنظيم حراس الدين، الذي سيكون الذريعة الرئيسية لاستمرار الحرب على الشمال السوري حتى في حال تفكيك هيئة تحرير الشام، كما أنه سيصبح أكثر فأكثر هدفاً جديداً للحرب الدولية على الإرهاب، وهو ما تؤكده غارة التحالف الدولي على مقر لحراس الدين قرب إدلب قبل أكثر من شهر، ويؤكده تخصيص الولايات المتحدة جائزة مالية لمن يدلي بمعلومات عن ثلاثة من كبار قياديي التنظيم.