أطفال خارج المدرسة

 


تقوم عدد من مدارس التعليم الأساسي في إدلب وريف حلب الغربي باستيعاب الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة، ودمجهم ضمن التعليم العام، وذلك على الرغم من كل ما تواجهه مدارس المنطقة من ظروف معقدة. ولكن خلال العام الدراسي الماضي، وفي الأسابيع الأولى من العام الدراسي الحالي، تَسبَّبَ إغلاق المدارس بحرمان هؤلاء الأطفال من الخدمات التعليمية الأساسية، نتيجة عدم تكيف نظام التعليم عن بعد مع أوضاعهم، وحاجتهم لوجود معلمين مختصين ومصادر تعليمية خاصة موجودة في المدرسة فقط. ذلك بالإضافة طبعاً إلى المشاكل التي عانى منها كل الطلاب في إدلب نتيجة تلقي الدروس عبر الانترنت، وعلى رأسها عدم توفر هذه الخدمة لدى جزء كبير من السكان، ما تسبب بعدم وصول التعليم إلى آلاف الأطفال.

تقول وحدة تنسيق الدعم بأنّ مدارس شمال سوريا (تشمل أرقامها إدلب وشمال حلب والجزيرة السورية) عام 2019 استقبلت 5554 طفلاً من ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن التعليم العام. ولا تستوعب برامج الدمج المدعومة من عدة منظمات كافة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة في شمال غرب سوريا حتى اللحظة، فعدا عن الصعوبات التي تواجهها المدارس بالتكيف مع تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة في ظل الظروف المحيطة بالمنطقة، فإنّ قلة الدعم عن قطاع التعليم بشكل عام، وعن هذا القطاع بشكل أساسي، تسبّبت بعدم وصول هذه الخدمة إلى معظم الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة في الوقت الحالي.

ويُفيد تقرير وحدة تنسيق الدعم الصادر نهاية عام 2019 بأنّ عدد الأطفال المحرومين من التعليم في شمال غرب سوريا يبلغ 0.5 مليون، وهو عدد هائل في الحقيقة، قد يشكل نصف عدد الأطفال في المنطقة. ترتفع النسبة حسب تقديرات مختصين إلى أكثر من ذلك فيما يخص الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة.

تقول الأخصائية الاجتماعية والتربوية كبرياء الساعور للجمهورية: «دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، من وجهة نظرنا كعاملين في قطاع التعليم، هو تنفيذ لأحد أبسط حقوق الطفل، التعلّم. الهدف الأكبر هو تعزيز مهارات الأطفال الاجتماعية ودمجهم في المجتمع وتنمية قدرات الاعتماد على الذات لديهم. عندما نقوم بعزل الأطفال ذوي الاحتياجات في مدارس خاصة، فإن ذلك سيؤدي إلى عزلهم اجتماعياً أيضاً، بينما يساهم وصولهم للتعليم في المدارس العامة في تنمية قدرات التواصل الاجتماعي. الفلسفة التي يستند إليها التعليم الحديث هي أن المدرسة يجب أن تتكيف مع الأطفال وليس العكس، لذلك فإنّ هذا ينعكس أيضاً على تطوير بيئة المدرسة ومهارات المعلمين، ما يجعل قدراتهم على التعامل مع الاختلافات بين الطلاب أكبر، وإمكانياتهم على تطوير أدوات التعليم أكبر».

وقد تحدّثَ محمد عرفات، منسق التعليم الخاص (تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة) في منظمة حراس الطفولة، للجمهورية حول جهود منظمته في هذا المجال: «برنامج التعليم الذي ننفذه غير قادر على استيعاب كلّ الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة في المناطق التي نعمل فيها، لقد تأثر برنامج الدمج بشكل كبير بسبب جائحة كورونا، حيث تمّ استبدال الصفوف الفيزيائية بدروس عبر الإنترنت استخدمت غرف برنامج الواتساب للتواصل مع الأهل والأطفال. لقد لحظنا تراجعاً في أداء الأطفال بسبب تلك الظروف، التي أبقت الأطفال من ذوي الاحتياجات في منازلهم من دون الحضور إلى المدرسة ومشاركة أقرانهم في أنشطة اجتماعية أو أنشطة تعليمية».

أوقفت جائحة كورونا الخطط التي كانت المنظمة قد أعدّتها لتوسيع العمل في برنامج الدمج الذي يشمل اليوم أكثر من 500 طفل، ثم جاء وصول الجائحة إلى إدلب ليؤدي إلى وقف تمويل برنامج الدمج بشكل نهائي من قبل المانحين. وتقوم منظمة حراس الطفولة اليوم بتمويل هذا البرنامج من التمويل الخاص، بعد أن توقف كل الدعم المقدم لهذا البرنامج عبر الأمم المتحدة، وهو ما يشكّل ضغطاً على عمل المنظمات العاملة في القطاع، وما قد يضطر بعضها إلى إيقاف برنامج الدمج نهائياً في مدارسها.

«مُجمَّع قطاع التعليم1 هو المسؤول عن توزيع الدعم المقدم من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية على المنظمات المحلية، وهو لا يَعتبر أن التعليم الخاص جزءٌ من قطاع التعليم، بل يعتبره جزءاً من قطاع الحماية، وهو ما يؤثر على حجم واستمرارية الدعم المالي المقدم لهذا البرنامج المهم، لأن تمويل قطاع الحماية هو الأكثر تأثراً بتغيّر أولويات التمويل»؛ تقول ليلى حسو مسؤولة المناصرة في منظمة حراس الطفولة.

بطريقة أو بأخرى، سيؤدي توجه مُجمَّع التعليم المسؤول عن شمال غرب سوريا إلى إضعاف دور المدارس في دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ويبدو واضحاً الآن أن تغيير طريقة النظر إلى هذا القطاع الهام من قبل المانحيين الدوليين قد باتت ضرورة أساسية، بدونها لن تستطيع المدارس في إدلب استقبال أعداد أكبر من الأطفال، من بينهم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

يواجه قطاع التعليم في كل سوريا تحديات كبيرة جداً تفوق قدرة العاملين فيه على مواجهتها، وفي إدلب تحديداً تسبّب النزوح الكبير للسكان خلال العمليات العسكرية نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي بتحويل الضغط السكاني إلى شمال المحافظة، بالإضافة إلى تحوّل عدد من المدارس إلى مراكز لاستيعاب النازحين، الذين بلغ عددهم أكثر من مليون نازح بداية العام 2020. كما تسبَّبَ استهداف المدارس بالقصف بشكل مباشر أيضاً بتراجع قدرتها على الاستيعاب، ليأتي وقف الدعم المخصص لمدارس في مرحلة الحلقة الثانية من التعليم الأساسي ومرحلة التعليم الثانوي، ويلقي بمزيد من الصعوبات على هذا القطاع المهدد بالتوقف. في هذه البيئة الصعبة، يواجه التعليم الخاص مشاكل أكبر من غيره، تهدد بأن تنهي هذا البرنامج نهائياً، ما سيتسبب بخروج كامل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من التعليم العام في إدلب وريف حلب الغربي.

  • 1. The Southern Turkey Education Cluster (Syria response).