أكثر من تسامح

فيلومينا أسد (1955) كاتبة وباحثة أكاديمية هولندية من أصل سورينامي. درست الأنثروبولوجيا، وحازت على شهادة الدكتوراه في العلوم الإنسانية. تعتبر فيلومينا رائدة في طرح قضايا العنصرية العرقية والنسوية التقاطعية في هولندا. وقد صدرت أطروحتها في كتاب العنصرية العادية (1990)، والذي أثار وقتئذ جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية الهولندية. غادرت بعد ذلك إلى الولايات المتحدة، وهي تعمل الآن في جامعة أنتيوك كبروفيسورة في الدراسات الجندرية والعرقية والقيادة. تعتبر أعمال فيلومينا أسد مرجعاً للدراسات الإثنية والحركة المناهضة للعنصرية.

صدرت مقالتها «أكثر من تسامح» ضمن كتابها الاختلاف (1994)، وقد تمت ترجمتها عن اللغة الهولندية.

مقدمة

حين نتحدث عن العنصرية في هولندا، يستغرب رفاقنا غير الهولنديين. ولكن أليست هولندا مثالاً مشرقاً عن التسامح؟ إلى حدٍ ما يمكنني الإجابة على هذا التساؤل بنعم. هولندا مجتمع متسامح، ويتمتع الناس فيه بقدر من الحرية غير موجود في عدد (كبير) من البلدان. ومع ذلك، فإن التسامح ليس معطى إيجابياً بالضرورة، فالأمر يتعلق بالسياق. السؤال الذي يطرح نفسه هو مع «مَن» نقارن، و«ماذا» و«لماذا» يطمح الإنسان إلى التسامح؟ وفوق ذلك سوف يخطئ المرء حين يظن أن التسامح ينفي العنصرية. حول هذه الأشياء سوف أكتب في هذا الفصل. وهدفي أن أكشف أن أمثولة التسامح أكثر تعقيداً من الصيت الحسن الذي تتمتع به. وكمثال أطرح بعض الرؤى المؤسِّسة للسياسات الهولندية المتبعة بخصوص المهاجرين القادمين من المستعمرات ومنطقة البحر الأبيض المتوسط.

الهجرة

الهجرة معطى بشري. ولا يحتاج المرء هذه الأيام سوى إلى فتح الجريدة حتى تتقافز العناوين العريضة حول اللجوء وطالبي اللجوء أمام عينيه. موازين السلطة الحالية في العالم تضع الهجرات في إطارٍ يختلف عن خمسمائة سنة خلت. ومع ذلك نحن أمام النسخة الجديدة لظاهرة قديمة. فجراء الجوع والملاحقة والفقر وإغراءات الأراضي الشاسعة ووعود النمو الاقتصادي، استقر ملايين الأوروبيين كمهاجرين في شمال أميركا وجنوبها وفي أفريقيا وآسيا وأستراليا ونيوزيلندا. ذهبوا إلى هناك كي يبقوا، وقد خلّفوا هناك آثارهم التي لا تمّحي.

ولأن أوروبا ذهبت إلى هناك ومكثت، جاء الناس من هناك إلى هنا. ليس منطقياً أن نختلف على شرعية المهاجرين وحقوقهم هنا بالقدر نفسه الذي لا يمكننا أن نطالب الفرنسيين في كندا أن يعودوا إلى فرنسا، أو أن يعود الإنكليز والإيرلنديون والإيطاليون والبولنديون والألمان في الولايات المتحدة إلى أوطانهم الأصلية، أو أن يرد الإسبان والبرتغاليون الأراضي في أميركا الشمالية والجنوبية إلى الهنود الحمر.

كما توجد سيناريوهات مختلفة لاستيعاب المهاجرين. ذلك أن الحكومات (بسند من العلماء) طورت عدة نماذج بهذا الصدد، من بينها نموذج الانصهار ونموذج الاندماج ونموذج التعددية الثقافية. تتقاطع هذه النماذج فيما بينها، حيث أنها جميعها تدل على نوع من الحرج حيال الاختلاف الثقافي أو الإثني. فيتم إما إهمال الاختلاف الثقافي (عمى ألوان ثقافي في النموذج الانصهاري والاندماجي) أو المبالغة به (حتمية ثقافية في نموذج التعددية الثقافية). غير أن هذه النماذج لا تترك مجالاً كافياً للأقليات الإثنية كي تتخذ خياراتها بنفسها وتحقق درجة من التسيير الذاتي. فضلاً عن أنها جميعها لا تنتبه (بشكل كاف) إلى مشاكل العنصرية. وقد تفيد مناقشة الوضع الهولندي في استبيان بعض الأمور، ولكن قبل ذلك سوف أتطرق باختصار إلى ماهية العنصرية الحديثة.  

عنصرية متحضّرة؟

أن توجد عنصرية في المجتمع لا يعني أن ذلك المجتمع يتألف من أناس عنصريين. فحين نتحدث عن المجتمع الرأسمالي، فنحن نصف ميزة جوهرية في ذلك المجتمع دون أن نزعم أن جميع أفراده «رأسماليون». كذلك لا يفضي افتراض أن العنصرية ظاهرة عادية إلى الاعتقاد بأن «عنصرياً» يقبع في كل شخص جلده «أبيض». تفكير كهذا ساذج، لأنه يجعل من العنصرية صفة شخصية، إن لم تكن وراثية، بينما هي ظاهرة ثقافية ذات تعبيرات بنيوية.

وتتخذ العنصرية أشكالاً مختلفة بحسب الظروف التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولطالما انطوت الفكرة والتطبيق السائد في القرن التاسع عشر حول سيطرة «العرق القوقازي (الأبيض)» على مكونٍ ثقافي وعرقي في آنٍ. ويشمل المكوّن العرقي تصنيف «الأعراق» بطريقة تراتبية وفق ما يسمى بالصفات الوراثية، أي الثابتة. وفي الوقت نفسه تم ربط فكرة «العرق» بأسلوب المعيشة وبقيم ثقافية من قبيل النظرة إلى التطور والنمو. وقد شكلت هذه الأفكار المكوّن الثقافي للعنصرية.

صرنا حالياً نعلم أنه لا وجود للأعراق وأن الثقافة معطى متغير. ومع ذلك ما زالت الفكرة السائدة هي أن الثقافات المنحدرة من أوروبا (الغربية) متقدمة على بقية العالم. وحسب القيم والمعايير والأعراف يتم تصنيف جماعة إثنية أو ثقافية أعلى أو أدنى على مقياس النمو والتطور. ويمكننا القول إن المكوّن الثقافي أصبح مع الوقت أكثر بروزاً من المكوّن العرقي. حتى يبدو أحياناً كما لو أن الناس مهووسون بالاختلافات الواقعية أو المزعومة بين سكان البلد الأصليين وغير الأصليين. يتم تزويد الخلفية الإثنية أو الثقافية بالصفات ذاتها المرتبطة بفكرة «العرق»، فيحصل أن تمثّل الأقليات الإثنية في التفكير السائد «نوعاً» مختلفاً من البشر، إلى درجة أن تصبح عاداتهم (ومظهرهم المختلف) عقبة أمام إدماجهم.

وهكذا يتحول «الآخرون» والملوّنون والمهاجرون القادمون من الجنوب إلى صور نمطية تهدد القيم والمعايير والتقاليد الأوروبية في الخطاب السائد. ذلك أن خلق صورة العدو، أو «الآخر»، ليس ظاهرة جديدة في التاريخ الثقافي الأوروبي. «الآخر» هو الأقل قيمة، وممثّل «الشر» الذي ينبغي محاربته. وفي مقابله لدينا الفكرة الراسخة حول تفوق الأوروبي. ولذلك لا يمكن للسياسات الموجهة نحو الأقليات الإثنية (القادمة من الجنوب) إلا أن تنطوي على زجّ عناصر مغايرة ثقافياً في المنظومة الاجتماعية القائمة أو طردها منها. 

السياسات

تشمل أكبر المجموعات المهاجرة من الجنوب أولئك الذين وصلوا بعد استقلال بلدهم من المستعمر الهولندي، كالقادمين من أندونيسيا (1950-1960)، وجزر الملوك (1950-1960)، والسورينام (1970-1980)، والأنتيل وجزيرة أروبا (1970-1980). أما المجموعة الثانية، فقد استقرت هنا في إطار هجرة العمال من منطقة البحر المتوسط إلى شمال غرب أوروبا، وهم في أغلبيتهم أتراك ومغاربة (1960-1970). وإذا جمعنا كل هذه المجموعات سوف نصل إلى نسبة 6% من مجموع سكان هولندا، إلا أن نسبتهم في المدن الكبيرة تتراوح ما بين الـ 10 و30 %. النسبة الأكبر هي في أمستردام وتبلغ قرابة الـ 30 %.

وقد كان تعامل الحكومة الهولندية مع القادمين من المستعمرات السابقة يختلف عن تعاملها مع القادمين من منطقة البحر المتوسط. يتعلق الأمر بالدرجة الأولى بالتغييرات التي طرأت على الوضع الاقتصادي في هولندا. باختصار، ثمة فرق بين فترة ما قبل 1970 وما بعدها. أما النقطة الثانية، فتتعلق بأسباب الهجرة ووضع المهاجرين في هولندا.      

كانت سياسة الانصهار من نصيب الأندونيسيين. ويترتب على النموذج الانصهاري ألا يوجد مكان في المجتمع سوى لثقافة وطنية واحدة، وعلى الجميع أن يتأقلم. لذلك اعتمدت دائرة الأجانب معايير عرقية وثقافية في قبول المهاجرين، ففرّقت بين الذين هم أقرب «عرقياً» أو أبعد. الأخيرون هم الذين اختلطت دماؤهم ولقبوا في تلك الفترة بـ«الخلاسيين». وكانت المجموعة الأولى (الأفتح لوناً) مرحّباً بها أكثر من المجموعة الثانية. وقد تم توزيعهم في جميع أرجاء البلد، حرصاً على عدم تشكّل ثقافة مغايرة للثقافة الهولندية. يمكن القول إن هذا النهج جزء من سياسة الانصهار، لأن عائلة ملوّنة واحدة في الحي سوف تخشى من التفاخر بالهوية الأندونيسية أكثر من الذين يعيشون ضمن مجموعة أكبر من الأندونيسيين. كان واضحاً لكلٍ من الحكومة والمهاجرين أنهم سوف يستقرون هنا بشكل دائم، لذلك أرادت الحكومة أن يصبحوا «غير مرئيين» اجتماعياً وثقافياً بأسرع وقت ممكن، وأشرفت عليهم كي تسرّع من تأقلمهم. وتبعاً للعادات الهولندية الخاصة بأدوار الجنسين، فقد تلقى الرجال دورات مهنية والنساء دروساً في التدبير المنزلي والنظافة. غير أن عدداً كبيراً من الرجال بقوا عاطلين عن العمل أو اضطروا للقبول بالمهن ذات التصنيف المنخفض. كثيرون بلعوا العنصرية وظلوا صامتين.   

أما بالنسبة للقادمين من جزر الملوك، فقد اتبعت الحكومة سياسة الفصل معهم ووضعتهم في مخيمات. والسبب هو أن كلاً من الهولنديين والمهاجرين أنفسهم كانوا يظنون أن الإقامة سوف تكون مؤقتة. وينطبق الشيء نفسه على العمال المغاربة والأتراك الذين استُجلِبوا إلى هولندا كي يقوموا بالعمل القذر. عاشوا منعزلين في ظروف قاسية، وفي بعض الأحيان كان سكنهم أشبه بقن الدجاج. وقد اتبعت الحكومة سياسة سلبية، وغضت الطرف عن الشركات الهولندية التي فضّلت أن تجتذب الأيادي العاملة الرخيصة من الخارج.

وفي السبعينات بدأت الهجرة السورينامية إلى هولندا. ففي عام 1975 حصلت السورينام على حريتها الدستورية، غير أن الاقتصاد كان قد بدأ يتقهقر سريعاً منذ الستينات. لذلك فضّل قرابة ثلث سكان السورينام الضمان الاقتصادي والاجتماعي في هولندا. في بادئ الأمر حاولت المؤسسات التعامل معهم كما فعلت مع الأندونيسيين من قبل، إلا أن السوريناميين قاوموا ذلك.  

غير أن عملية اختطاف القطار التي جرت في منتصف السبعينات سببت انقلاباً في سياسة الحكومة. وخشية الإرهاب والفوضى كان من الضروري وضع سياسة للتعامل مع الأقليات. فضلاً عن أنه صار جلياً أن جزءاً كبيراً من القادمين الجدد سوف يستقر بشكل دائم في هولندا. تبنّت الحكومة وقتها سياسة الاندماج، ووعد صانعو السياسة أن «الاندماج سوف يتم مع الحفاظ على الهوية». وفحوى الفرضية هي أنه صحيح أن للمجتمع ثقافة هولندية مسيطرة، إلا أنه ينبغي أن تكون لدينا درجة معينة من التسامح حيال بعض عناصر الثقافات الأخرى. ومقارنة مع النموذج الانصهاري بدا النمودج الاندماجي كأنه تحسن. ذلك أن التركيبة الأولى كانت تتطلب تأقلماً كاملاً مع نبذ الثقافة الأم. بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان النموذج الاندماجي مختلفاً فعلاً. حيث أن التركيز على مسألة الحفاظ على الثقافة الأم كان يغطي على أن المجموعة المسيطرة هي التي تحدد شروط ودرجة تساهل المجتمع مع الهويات المغايرة. كما نشأ تناقض عجيب حين تعذر تحقيق وعد الحفاظ على الثقافة الأم بسبب السياسات التي نصّت على أن تطبق المؤسسات القيم والمعايير الهولندية وتشجع عليها. بمعنى آخر، سياسة الاندماج حصرت الاستمرارية المرجوة لثقافة السوريناميين والأتراك والمغاربة في المجال الخاص.

وفي الثمانينات ظهر خطاب ينادي بالتعددية الثقافية. في الرؤية التعددية لا تعتبر الثقافة مجرد مسألة خاصة، وإنما قضية عامة. فالأجدر بالديمقراطية التعددية أن تسمح بمأسسة الاختلاف الثقافي، حيث أن أهم معيار ملزم في نموذج التعددية الثقافية هو التسامح مع الاختلاف. الفكرة هي أن التسامح المتبادل سوف يفضي إلى التناغم داخل المجتمع، لكنها لم تكن تنطوي على أن احترام المختلف وتقبله ضروري كذلك. «عش، ودع غيرك يعيش»، كان شعارها. «وإذا تركتني بحالي، سوف أتركك بحالك». ياله من سعي نبيل في حال كان ثمة نوع من التوازن من ناحية سلطة المجموعات السكانية واستقلاليتها وقدرتها على اتخاذ القرار.  

غير أن الأمر يختلف حين لا يكون هناك مساواة إثنية. ففي جميع مؤسسات المجتمع يسيطر الهولنديون الأصليون، والنتيجة هي أن يصبح التسامح في أساسه، كالنموذج الاندماجي، عبارة عن احتفاظ الجماعة المسيطرة على حق تحديد شروط التسامح وحدوده. وهكذا يبقى تحرر الجماعات الإثنية الأخرى معتمداً على موافقة الجماعة المسيطرة.

ويسمى نموذج التعددية الثقافية بالنموذج الهجين. ففي إطار ذلك النموذج يتم التركيز على قبول الاختلاف الثقافي، ولكن يمكن بحسب المكان والزمان ومصالح الجماعات أن يوجد بالتوازي انصهار أو اندماج أو فصل أو عزل. هذا النموذج معقد إلى درجة كبيرة إذن. ومع أننا نتحدث طيلة الوقت عن نموذج، إلا أننا نقصد كذلك الواقع اليومي الذي يتم فيه عزل أفراد الجماعات الإثنية ضمن سياق معين (فصل)، أو أن يختاروا التركيز على جماعتهم فقط (انفصالية). ويحصل كذلك في بعض الحالات أن يتم الضغط عليهم بغرض التأقلم التام (الانصهار). وقد يتمتعون ببعض الحرية ليعبروا عن ثقافتهم ضمن ظروف تأقلموا عليها . وثمة قاسم مشترك بين جميع هذه البدائل في الثقافة التعددية: الوضع الراهن للثقافة السائدة يبقى غير قابل للنقاش، وسلوك الأكثرية غير قابل للنقاش، والعنصرية غير قابلة للنقاش. كل هذه الأبعاد ممكنة في نموذج التعددية الثقافية، لأن ثمة قطع بين ما تقوله الأكثرية وما تفعله، بين خطاب المساواة ضمن التنوع وبين التطبيق الذي يشكل امتداداً للخطوط التاريخية للعنصرية والإمبريالية والمركزية الأوروبية.

الاختلاف الثقافي، نعم، شريطة ألا نحسّ بشيء

يمكننا الملاحظة مما ورد أعلاه أن وجود اعتراف بحق الخصوصية الثقافية قد يترافق بنفي ذلك الحق في الوقت ذاته، كما يحصل ذلك من خلال المطالبة بالتأقلم. تتم المبالغة أحياناً بالتركيز على الاختلاف («الأتراك مختلفون جداً، ولن يتغير ذلك أبداً»)، بينما لا يرغب أحد بمواجهة ذلك «الاختلاف» («رجاء تكلم اللغة التركية في منزلك فقط»). هذه التناقضات تُعاش كذلك في الحياة اليومية. لديك جواز سفر هولندي، ولكنك تُسأل دائماً من أين أنت، ولماذا جئت إلى هنا، ولماذا لا تعود. البعض يرى أنك أصبحت أوروبياً أكثر من اللزوم، والبعض الآخر يرى أنك ما زلت سورينامياً أو مغربياً أكثر من اللزوم. لن ترضي أحداً، لأنهم يرون في «الآخر» الاختلاف بالدرجة الأولى (بغض النظر عما إذا كان الاختلاف واقعياً أو متخيلاً)، ويرون في الاختلاف انحرافاً. ومن ناحية أخرى لا يمكن للمرء أن يرى «الآخر» كندٍ إلا من خلال تجاهل الاختلافات، بحيث لا يتم تصنيف ذلك «الآخر»، بل وضعه في خانة سكان البلد الأصليين (بالنسبة لي أنت لست تركياً أبداً). يا لها من معضلة إذن.

غير أن نموذج التعددية الثقافية هو نموذج للتحكم. المهم في الأمر هو الإدارة (كيف تتعامل مع القادمين من ثقافات أخرى)، والسيطرة على الجماعات الإثنية غير الأصلية (وضع الحدود بين المقبول وغير المقبول تبعاً للقيم والمعايير الهولندية).

التسامح وإدارة النزاعات

إن المجتمع الذي يضمّ جماعات مختلفة لديها أهداف وسبل حياة مختلفة، يتطلب من التفكير التعددي اتفاقات وإجراءات يلتزم بها الجميع. فالبديل سيكون الفوضى والصراع. ونموذج التعددية الثقافية ينصّ على أن تعيش الجماعات المختلفة إلى جانب بعضها بسلام، شريطة أن يحترموا معيار التسامح. والتسامح يُفهم هنا كموقف ينبذ الأحكام المسبقة والعنصرية، ويمكن التدرّب عليه من خلال تبادل المعلومات حول خلفياتنا الثقافية. والتفهم المرجو من ذلك التبادل سوف يحمي من الأحكام المسبقة والعنصرية. ويمكنني عرض ذلك من خلال الاستدلال الدائري الذي يميز خطاب التعددية الثقافية:

1. نقص المعلومات حول الثقافات الأخرى يؤدي إلى الأحكام المسبقة.

2. الأحكام المسبقة تسبب عدم التسامح.

3. عدم التسامح يؤدي إلى تصادم اجتماعي.

4. يتم تجنب الصراع من خلال فهم الخلفية الثقافية لبعضنا بعضاً.  

وهكذا ينصبّ جلّ الاهتمام على الفهم وجمع المعلومات حول الثقافات الأخرى. ولكن السؤال الذي لا يُطرح هو: كيف تنظر الثقافة السائدة إلى نفسها ضمن الثقافات الأخرى؟ ذلك أن إطار التفكير يحدد جزئياً ما الذي يفعله الناس بالمعلومات التي يجمعونها حول الاختلافات الثقافية. هل ثمة مركزية أوروبية أو عنصرية، وهل يمكن مناقشة تلك المواضيع؟ فحين تكون العنصرية من المواضيع المحرّمة فسوف تساعد معالجةُ المعلومات ذهنياً على تثبيت جميع الأحكامَ المسبقة بدلاً من أن تفندها. كذلك سوف تبقى مسائل السلطة والبنية خارج النقاش. إن المبالغة بالتركيز على الاختلاف الثقافي يعطي انطباعاً كما لو أن الخلفية الثقافية أو الإثنية هي المعطى الأساسي لتقسيم البشر. وهكذا يتم تجاهل الطبقة الاجتماعية والجنس والجيل والاختلافات الأخرى بين الجماعات، ويُنكر تأثيرها على هوية الإنسان ومكانته في المجتمع. ولذلك لا يوجد في نموذج التعددية الثقافية مجال كافٍ لمكافحة اللامساواة البنيوية. فكلمة «التسامح» السحرية لا تفعل شيئاً حيال التهميش الذي تعاني منه الأقليات الإثنية، في سوق العمل على سبيل المثال.

فضلاً عن أن أمثولة التسامح لديها وجهان يمكنّاها من إنكار العنصرية المتضَمَنة فيها. من ناحية يتوقع المرء من الجماعة المسيطرة أن تتساهل مع الجماعات الإثنية الأخرى، وبالعكس يُنتظر من الأقليات الإثنية أن تؤمن بحسن نوايا المجموعة المسيطرة. ونظراً لتلك «النوايا الطيبة» ينبغي على الأقليات أن تثق بأنه لا يوجد شيء اسمه عنصرية. من الواضح أن الأخذ والعطاء على هذا المنوال ينكر اختلال موازين السلطة بين الجماعة المسيطرة والأقليات. والنتيجة القصوى هي أن تُطالب الأقليات أن تتسامح مع تعبيرات العنصرية.       

إن لمعيار التسامح وظيفة واضحة في تأكيد الثقافة السائدة، ومن بينها العنصرية. وهكذا تصبح أمثولة التسامح أداة للتحكم، وتُطالب الجماعات المسيطر عليها أن تتبناها. وكما سبق أن قلت، فإنه لا يمكن أن يكون للتسامح آثار إيجابية إلا في حال كانت الأطراف المعنية تمتلك القدر نفسه من السلطة. وهنا يصبح التسامح مع خصائص بعضنا بعضاً عبوراً فورياً. لكن قصة التسامح غدت جزءاً من الهوية الذاتية للجماعة المسيطرة، مما يجعل طرحها للنقاش صعباً. أسطورة التسامح تجعل الأشخاص الذين يتماهون بها لا يتقبلون النقد، فهم على الأرجح مقتنعون بـ«نواياهم الحسنة» في سبيل تحقيق معيار التسامح. حيث أن التسامح يتكلم بلغة النوايا الطيبة، إلا أن تطبيقه يعني فحص الأقليات الإثنية وفرزها وتصنيفها ومحاكمتها وفقاً لمسطرة الجماعة المسيطرة.     

التسامح كتطبيق

وبما أن العنصرية غالباً ما يتم إنكارها، أصبحت قصة التسامح مجرد واجهة. ذلك أنه بعد خمسة عشر عاماً من سياسة الأقليات، ازداد تهميش الأقليات في سوق العمل، بينما تحسّن وضع الهولنديين البيض. جزء كبير من المال المخصّص للأقليات تحوّل إلى رواتب للهولنديين الأصليين. حتى في ما يسمى بمنظمات الأقليات والمجالس واللجان وهياكل التشاور المختلفة التي تساند سياسة الأقليات يتسلم كثير من الهولنديين الأصليين المناصب القيادية. وحسب قول هؤلاء، فإن حاجتهم تزداد مع الوقت إلى معلومات حول الأقليات الإثنية، كي يتمكنوا من التعامل معها بشكل أفضل.

تستطيع المؤسسات، وبخاصة في المدن الكبيرة، أن تطلب المساندة المالية كي تدرِّب الهولنديين على التعامل مع الثقافات المختلفة. وكذلك يحق لهم استجذاب الوسطاء من الجماعات الإثنية بشكل مؤقت، لتكييف الخدمات مع ارتفاع الزبائنية من تلك الأقليات. وهكذا تنمو في المؤسسات العامة «بؤر» إثنية، وهذا ما أسميه بأثننة القطاعات والوظائف في المجتمع.

من المهم أن نفهم الأثننة من الناحية العملية، كي نرى أن مبدأ التسامح يقوّي اللامساواة الإثنية.

الأثننة تعني تهميش وحدات معينة لأنه تم التعرف عليها كـ«إثنية». ويمكن التسامح مع البؤر الإثنية طالما بقيت في الهامش. وهكذا يصبح لدينا رياضة إثنية، فروع دراسية إثنية للطلاب الإثنيين، وأعمال الرفاهية الاجتماعية الإثنية، وهلم جراً. وذلك لأن الأثننة تداعب الأحاسيس الذاتية بالتسامح، كما تقدم البؤرُ الإثنية تبعاً لتلك الرؤية الدليلَ على الانفتاح والمرونة. ولكن من ناحية ثانية، سرعان ما تصبح الأقليات التي تقوم بالوظائف الإثنية في المؤسسات العامة عبارة عن عملة رمزية. وضمن المؤسسات العامة يُدفع أفراد الجماعات الإثنية بشكل دائم تقريباً باتجاه العمل الإثني، بينما يعتبر هذا العمل أقل قيمة من غيره. وحين يتمأسس البعد الإثني، يتخلى الزملاء البيض عن مسؤولية العمل مع الجماعات الإثنية. وهكذا يصبح لدينا العمل «العادي» والعمل «الإثني»، رغم أن كلاهما يحتفظان بالمنهجيات ووجهات النظر التي تم تطويرها من خلال منظور أبيض ومتمركز أوروبياً. فيبقى التنظيم كما هو، ويتعلم الجميع «إدارة» الاختلاف الثقافي بحيث لا تتصادم الثقافة التنظيمية القائمة مع «الآخرين». كذلك لا تُطرح للنقاش المعاييرُ البيضاء التي من البدهي أن تكون هي الأفضل.   

الاستنتاجات

لقد أثرتُ بعض التحفظات على أمثولة التسامح، وقلت إن خطاب التسامح يساهم في إنكار العنصرية وتهميش الأقليات. ولكن عملياً أخشى أن يتحول نموذج التعددية الثقافية إلى أداة «حضارية» للإبقاء على اللامساواة. باختصار، تلعب الآليات التالية دوراً هاماً في ذلك:

1. يفترض التسامح سلطة الطرف المتسامِح.

2. تشرعن فكرة التسامح التفريق بين الذين ينتمون إلينا والذين لا ينتمون.     

3. لا يعني التسامح بالضرورة أن ثمة تقبلاً متبادلاً. وكنتيجة لذلك يصبح معيار التسامح واجهة لتهميش «الآخر».

4. يفترض التسامح صواب القيم والمعايير السائدة.

5. يخفي التركيز على المجتمع المتسامح أنه يوجد إقصاء بنيوي لبعض الجماعات الإثنية. ويحبط هذا الإنكار أي محاولة للاعتراض أو المقاومة.

وفي الختام سوف أورد بعض الفرضيات التي قد تدفع بالتفكير إلى اتجاه آخر:

أ- لا تركيز على الاختلاف دون الاعتراف بالتقاطعات.

إن التركيز المبالغ به على الاختلافات يؤكد بشكل غير مباشر على تفوق الثقافة السائدة المفترض. ولا فرق عندئذ بين الفروق الواقعية أو المتوهمة. لذلك قد يكسر التأكيد على القيم والمعايير والأهداف والتجارب المشتركة ذلك التثبيت المفرط. من المهم أن نسمح لبعضنا أن نخرج من تصنيفات الحتمية الثقافية، لأن لدينا هويات أوسع من مجرد كوننا سكان البلد الأصليين أو غير الأصليين.    

ب- القبول أفضل من التسامح.

 ليس بالضرورة أن يغذّي التسامح احترامنا لبعضنا بعضاً. والمجتمع الذي يحصل فيه المرء على تقدير خصائصه الثقافية والفردية، يمنح المجال للنقد المتبادل البنّاء بدلاً من الرافض أو التحطيمي. من السذاجة بمكان أن ننكر احتمال حدوث صراعات بين المعايير والقيم. وهذا لا ينسحب فقط على المجال الإثني، وإنما كذلك على الصعيد الجنساني والطبقي والفروق بين الأجيال والأفكار حول الجنس. لا يحق لنا سوى أن نتوق إلى تواجدٍ مُرضٍ في مجتمعنا، وهذه مسؤوليتنا الفردية والجماعية. إن قبول هذا المعطى يفتح الطريق إلى نقاش متكافئ ومساومة حول الشروط الجانبية لمجتمع أكثر عدالة.

ج- ليست «سياسة الأقليات»، وإنما «سياسة العدالة».

من الواضح ما المقصود بسياسات الأقليات وبحوث الأقليات. فموضوع البحث والسياسية ليست تلك الجوانب التهميشية للمجتمع، وإنما الإجراءات والاستراتيجيات التي تمكّن القبضة على سلوك الأقليات الإثنية. يمكننا التحدث عن سياسات التحكم إذن. من المهم أن نبقى متنبهين لخطابات الاندماج والتعددية الثقافية التي تؤشكل ثقافات الأقليات بشكل أحادي، ولا تنظر في ثقافة الجماعة السائدة. لا فائدة من سياسة الأقليات في حين لا تتمتع الأقليات الإثنية بالحماية من العنصرية.    

د- لا مواقف فاترة، وإنما مطالبة بالمساحة من أجل التسيير الذاتي.

هذا هو التحدي الذي تواجهه الأقليات الإثنية. وخطوة باتجاه التسيير الذاتي تكون عبر تطوير ونشر وتنفيذ (عملي) للرؤية الخاصة حول المجتمع العادل. ويمكننا القول إن الأمر يتطلب من الجماعات الإثنية في هولندا مزيداً من الجرأة والمبادرة وثقة أكبر في الدفاع عن حقوقها.