أمهات لاجئات: خسارات بلا ضجيج

 

كنِسوية شرسة (كما يصفني زوجي)! سقطت نظرياتي الجاهزة حول الأمومة وعمل المرأة والواجبات المنزلية، في مواجهة واقع اللجوء أو واقع الأمومة؛ لست متأكدة أي هذين الواقعين يأتي تأثيره في المرتبة الأولى. ورغم ما حالفنا من حظ في رحلة لجوئنا، إلا أنني أستطيع القول إن قهرية اللجوء لم تخفف في أي وقت وطأتها علينا كعائلة صغيرة، نطمح فيها كزوجين لتحقيق ذاتنا.  

ومع كل مفاجآت الأمومة من تغيرات سببها الهرمونات، ومن زيادة في الوزن وقلة في النوم، بالإضافة إلى اكتئاب ما بعد الولادة الذي هزّ كياني كأم حديثة، وجدنا أنفسنا في فرنسا في مواجهة تعقيدات نظام رعاية الأطفال. هذا النظام الذي يشكل تحدياً بالنسبة للأمهات العاملات الفرنسيات، اللواتي لا تجد كثيرات منهنّ فرصة لتسجيل أطفالهنّ فيه، إذ يندر توافر حضانة لديها شاغر لاستقبال الأطفال الجدد. ولم يكن حالنا أفضل كلاجئين، فحتى يستطيع الوالدان تسجيل أطفالهما في حضانة الأطفال، يُفترض أن يكون لديهما عمل ثابت، إضافة إلى ضرورة تسجيل اسم الطفل حتى قبل ولادته على قائمة الانتظار، علّ الحظ يحالف والديه.

إذن، هنا بدأت رحلتي في الحلقة المفرغة التي تلتفّ وسط حاجتنا لتعلم اللغة من أجل الحصول على فرصة عمل يصعب العثور عليها، ومن أجل تسهيل اندماجنا في وطن اللجوء، وكل ذلك دون وجود طرف ثالث يساهم في رعاية طفلتنا أثناء محاولتنا دراسة اللغة الفرنسية، التي يكفي تعقيدها حتى تسقط آمالنا أمام أسوارها، دون ذكر ما سلف من دوار البحر أثناء البحث عن أرض ثابتة.  

وضمن هذه الدوامة الشريرة، كان تطبيق نظريات عدم تعارض عمل المرأة مع أمومتها ضرباً من ضروب المستحيل. فبالإضافة إلى الاحتياج المادي الحقيقي للعمل، المترافق مع غلاء الحياة في باريس وارتفاع معدل البطالة الذي يؤرق ساكنيها، كانت رغبتي لتحقيق ذاتي، التي لطالما سعيتُ لها كأمرأة عربية تواجه مجتمعاً ذكورياً متصلباً، تتداعى في مواجهة سدّ المنفى الإسمنتي! 

لم أكن أتخيل كنسوية متحمسة وإنسانة تحتفل بالحياة ومعجزات الأمومة، أن تصبح أبسط التفاصيل مثل دراسة لغة جديدة وإيجاد الوقت الكافي للتعلم والقراءة، أموراً خيالية مثل الحصول على مصباح علاء الدين. وكلاجئة في مدينة رأسمالية تقسو على مواطنيها، ورغم طبيعتي الاجتماعية الحيوية، ظلّت العزلة تحدياً عجزت عن مواجهته والخروج منه. 

رحتُ أسعى للقيام بعمل بسيط في الترجمة أساهم من خلاله في مصاريف المنزل، التي عمل زوجي على تغطية معظمها من خلال عمله كـ freelance؛ لكن هذا السعي صار عبئاً يثقل كاهلي، ويتعارض مع محاولة الترفيه عن طفلتي التي تضجّ بحيوية القطط الباحثة عن مغامرات الحياة في زوايا شقتنا الصغيرة. فضولها الجميل ومتعتها بالاكتشاف كانت تعاكس صمتي الملول من عبء تحمّل الساعات الطويلة في مجالستها، رغم عشقي اللامتناهي لعذوبتها. وهكذا بات شعوري بالرغبة في الإنتاج والعمل وتحقيق الذات يخنق متعتي بالأمومة؛ حلمي الأقدم والأعمق والأجمل.

وفي هذا الصمت المنزلي البعيد عن حيوية باريس، التي أعجز عن التمتع بضجيج مقاهيها التي يندر تواجد كرسي أطفال فيها، وحيث يمنعنا البرد عن التنزه في الحدائق، كنتُ أتساءل عن جدوى شهادتي واللغات التي أتقنها، وكنتُ قد استغللتها لإيجاد وصفات طعام جديدة على الإنترنت أشنع استغلال، تشهد عليه الكيلوات المكتسبة في أجنابنا. في باريس الحلوة، باتت أسوأ كوابيسي حقيقةً؛ أصبحتُ ربة منزل يائسة دون عمل ودون لغة. هذا الواقع الذي أعيشه اليوم، لا يتفق مع ما سعيتُ له من استقلال مادي، وهو الأمر الذي هيأ لي أن أعيش وحيدة منذ عمر صغير، مقارنة بما هو شائع في الدول العربية حيث تنتقل الفتاة من بيت أهلها إلى بيت زوجها. أصبحتُ في سن الثلاثين ربة منزل تحصي الساعات أملاً في أن يأتي أحدهم كي يملأ وحشة شتاء باريس عليها، وعلى هذه الطفلة المللولة من كآبة أمها.    

كنتُ قد قرأتُ في مكان ما أن بريطانيا تدرس إصدار قرار يمنح ربات المنزل دخلاً رمزياً، للاعتراف بما يوفره عملهنَّ المنزلي على الاقتصاد البريطاني من أموال طائلة، إذ توفر ربات المنزل أجوراً هائلة قد تُنفق على الغسيل والطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال. وهكذا عاودني السؤال الوسواسي حول التضارب بين حاجة المرأة للإنجاز وتفاهة الأعمال المنزلية، المرتبطة جندرياً بالمرأة كقدر أسود، والتي دون القيام بها يصبح الاستمرار بالحياة مستحيلاً.

صورٌ للغبار المتراكم بشكل لا نهائي كانت تسيطر على رؤيتي، وتترافق مع إحساس قوي باللاجدوى، فالأعمال المنزلية هي تكرار مفرغ من قيمة الإنجاز. ورغم تشاركي مع زوجي في رعاية طفلتنا، وبرغم ما قدمه من تضحيات كشخص يعمل في مجال إبداعي ويحتاج مساحة للإنجاز يعجز عن التمتع بها بسبب ظروفنا، كنتُ أشعر أن ذاتي العطشى للعمل أخذت بالذبول. وقد أكسبتني تجربتي هذه، رغم صعوبتها، بعضاً من القدرة على ضبط أحكامي المسبقة، التي كنتُ لا أتوانى عن أطلاقها في حق أي أم أرى أن تجربتها لا تتناسب مع نموذجي الأسمى المعدّ لقولبة الأمهات. أصبحتُ أكثر قدرة على فهم الأمومة بوصفها حالة فريدة، تجد فيها كل أم طريقتها للاستمرار.  

ومن خلال دائرة معارفي، لاحظتُ أن عدداً من صديقاتي اللواتي يتمتعنَ بخبرات طويلة في مجال العمل، واستطعنَ تحقيق إنجازات كبيرة في سوريا رغم التحديات التي تهمّش المرأة وتمنع تطورها في سوق العمل، قد وجدنَ أنفسهنَّ مثلي في دول اللجوء، عاجزات عن اجتياز عقبات رعاية أطفالهنّ، التي منعتهنَّ من متابعة مسيرتهنّ المهنية. يأتي هذا في ظل غياب العائلة الكبيرة كسند تقليدي للأمهات العاملات، وفي ظل عدم توفر نظام رعاية في دول اللجوء لأطفال اللاجئات الراغبات في العمل وفي تعلم لغات الدول المضيفة.

أتساءلُ الآن عن وجود مَخرج لتسهيل اندماج النساء وتمكنيهنّ، كي يصبحنَ قادرات على المضي في دول اللجوء، ولا تهدف تساؤلاتي حول معنى الأمومة في مواجهة تحقيق الذات، إلى التقليل من قيمة الأمومة أو من أهمية الأعمال المنزلية، ولا إلى التأكيد على حتمية وجود صراع بين دور المرأة في العمل ودورها كأم، بل تهدف للإضاءة على هذا الجهد المنسي الذي تقدمه الأمهات وربات المنازل بتفانٍ، في ظروف لجوء تُثقل عليهنّ. ولا يسعى هذا التساؤل أيضاً إلى التقليل من حجم تفاني الآباء، الذين يواجهون في دول اللجوء القدر نفسه من المعاناة وإن بأشكال مختلفة، بل هي تساؤلات حول الجندر واللجوء، تهدف للإضاءة على الأثر السلبي الذي يفرض على المرأة دوراً ربما لم تكن لتختاره لولا الظرف المحيط بها في رحلة اللجوء.

لا أزال أرى في النِسوية دعماً لحرية المرأة في الاختيار، وسعياً إلى تمكين الجنسين من التحرر من الأدوار الجندرية القهرية، مع إيماني بفرادة تجربة كل شخص واختلاف احتياجاته، وعدم وجود نموذج أسمى يضبط تنوعنا. ورغم قسوة المنفى، يستمر الأمل بأن نكون ما نريد أن نكون عليه كأمهات وآباء، وألّا تلتهم المنافي أحلامنا.