أناس وأفكار وأزمنة

 

خلال نصف قرن بالكاد، يعرض تاريخ الأفكار تتابعاً مثيراً فيما يخص العلاقة بين الناس والأفكار في مجالنا، وبصورة ما عالمياً. تَحوَّلنا من عالم من أفكار أكبر من الناس إلى عالم أفكار على قياس الناس إلى عالم أفكار أصغر من الناس. وتبدو هذه التحولات متنوعة الآثار منطلقاً مناسباً للنظر في أنماط الفرد والمجموعة، وتصورات الحقيقة والخطأ، والواقع والمتوقع، والسياسة والزمن.  

*****

في ستينات القرن العشرين وسبعيناته، كانت الأفكار أكبر من الناس، كانت «عقائد» تَعقدهم على بعضهم وعلى العالم من حولهم. كانت الأفكار الكبرى هي القومية أو الشيوعية أو الإسلامية، وهي مواثيق شاملة، تتكون حولها جماعات وتَعِدُ بتغيرات كبرى وثورات، وتفكر في مصائر تاريخية، وبصراعات كبرى وملحمية، وبأزمنة تقاس بالأجيال والقرون. ولأن أفكارنا أكبر منا بكثير فهي إما لا تتغير أبداً، أو أن تغيرها المحتمل مُرجأ إلى زمن غير مُستشرَف، وهو في كل حال بطيء جداً، جيولوجي. أما التفكير في تغييرها اليوم فهو تحريف أو خيانة أو مروق أو كفر. هو في الواقع تغيرنا نحن، محيدنا عن الحق ونكوصنا من الفكر العلمي أو الاعتقاد الصحيح أو دين الحق إلى غيره. كان الثبات على المبدأ قيمة عليا، والتغير تقلباً مستهجناً أو تذبذباً غير لائق أو سقوطاً في منتصف الطريق. 

وحول الأفكار الأكبر من الناس تتكون منظمات أو ينتظم الناس في مدارات حول هذه النجوم الكبيرة، المضيئة. المنظمة أو الحزب أو الجماعة أهم من الفرد، والدوام لها وليس له. وهو يتماثل أصلاً مع مثال مقرر في العقيدة، سابق لوجوده الفردي. المضمون الفكري للعقيدة قد لا يكون هو أبرز خصاصها، بل وظيفتها العاقدة، أي دورها كـ«سنّة» تتكوّن حولها «جماعة». قلة هم الشيوعيون الذين كانوا على معرفة طيبة بعمل ماركس أو حتى لينين، والإسلامي هو مُعتقِدٌ ومؤمن وليس بالضرورة عارفاً بدقائق عقائد الإسلام وتاريخها، أما القومية العربية فكانت دعوة كبيرة، ببعد فكري متواضع، لكنها كانت قضية حيّة لكثيرين في العالم العربي كله. وهذا لا يمنع أن المنظمة لا تكف عن الثناء على عقيدتها، وعن تعظيمها مقابل التقليل من شأن غيرها وأي فرد فيها. تَوقُّعُ نكران الذات مُميِّزٌ للمنظمات المتكونة حول الأفكار الأكبر من الناس. 

هذا جيل مؤسسي الأحزاب وقادتها مثل ميشيل عفلق وخالد بكداش، وأبطالها مثل سيد قطب، وهو جيل البعث والناصرية وظهور منظمات شيوعية كثيرة، فضلاً عن الإسلامية. السيادة للفكرة الكبيرة في كل حال، أو لها الحاكمية في وعينا. إنها معصومة، نحن المعتقدون بها لسنا كذلك.

وعبر ما تَشكَّلَ حولها من منظمات، ألهمت الأفكار الأكبر من الناس نضالات شجاعة، وأتاحت لكثيرين أن يصيروا أكبر من أنفسهم لبعض الوقت، كما ضحى كثيرون بحياتهم من أجلها. الحياة الفردية أقل أهمية من العقيدة، ومن الجماعة المتكونة حولها: الأمة أو الحزب. وهي في الأصل، وعلى نحو متصل ببنيتها كفكرة كلية، إيجابية حيال العنف وتحويل المجتمع بالعنف. إنها عقائد قتال، وتَصوُّرُ السياسةِ صراعيٌ جوهرياً فيها كلها.

*****

أخذت الأفكار المساوية للناس في الحجم تظهر في سبعينات القرن العشرين. أُنتج بالتدريج نقد فكري وسياسي للشيوعية في تطبيقاتها الواقعية، لكنه يحمل نسبَنة للدعوة ككل. وأخذت ترتسم مسافة نقدية عن القومية العربية بعد هزيمة 1967. وبينما سجلت الإسلامية حضوراً أقوى في ما بعد السبعينات، إلا أن التفكير فيها، خارج مراتب الإسلاميين أنفسهم، كان متعلمناً وعلمانياً، يفكر فيها كقوة في العالم. الشيء المهم هنا هو تأنسن الأفكار أياً تكن، صارت بحجم الناس، يتغيرون وتتغير. ما بعد سبعينات القرن العشرين هو زمن التحول، تحولات المثقفين الفكرية المتنوعة التي صارت تُنتَقَدُ من وجهة نظر نموذج الأفكار الأكبر من الناس بوصفها تقلباً أو مروقاً أو تلوناً. لكن ما أخذ يجري في الواقع هو أنسنة الأفكار، وتحول من الموقف الاعتقادي إلى الموقف الانتقادي، ننتقد غيرنا ونراجع أنفسنا وننتج أفكاراً متغيرة لا عقائد. النقد يقتضي «مسافة نقدية» عن المنقود، فكرة أو تنظيماً أو قضية أياً تكن، وهذا شرط ظهور المثقف الذي قد يوصف بأنه منحاز، لكنه جوهرياً غير متماهٍ. التماهي بالمقابل هو علاقتنا بالأفكار الكبيرة، نعيش داخلها دون مسافة. 

في هذا العالم الفكري الجديد، لا نغير أفكارنا بالضرورة كل حين، لكنها مفتوحة على إعادة هيكلة مستمرة، وقد تندرج في تركيبات أوسع أو تصير أطواراً من تفكير يتطور. يريد الفرد هنا أن يكون نفسه أو مثل نفسه لا مطابقاً لمثال سبق. كانت الأصالة في عالم الأفكار الكبيرة هي الارتباط بأصل أو سلالة فكرية رفيعة، أما في عالم الأفكار المؤنسنة فالأصالة تعني الإبداع والاختلاف، أن يكون المرء أصلاً لنفسه. 

فكرة الديمقراطية التي استُعيدت في ذلك الوقت هي وجه سياسي إيديولوجي لهذا التحول. أخذت الحساسية الفكرية تتجه نحو التعدد والانفتاح على التعدد ونقد احتكار الحقيقة. غيرنا يمكن أن يكونوا على حق، وهو ما يستلزم تغيراً مسبقاً لعلاقتنا بأفكارنا ذاتها من الاعتقاد إلى التعاقد، ومن التماهي وتعريف النفس بفكرتنا الكبيرة إلى ضرب من العلاقة الدستورية التي تضمر أن سلطتها علينا منضبطة بقواعد وليست مطلقة، وأننا وفكرتنا متساوون في الواقع، نتغير وتتغير، تتطور وتتعدل، يُعدَل عنها ويضاف إليها، وحوارنا مع غيرنا قائم على عدم عصمة أفكارنا ولا عصمتنا نحن. عبارة نزع القداسة عن الأفكار والمنظمات والأشخاص درجت في هذا المناخ. 

أسماء مثل عبدالله العروي وياسين الحافظ ومعظم مثقفي هذه الحقبة يندرجون في عملية الأنسنة ونزع القداسة التي هي عملية علمنة في الجوهر. يمكن أن يوصف الجيل الجديد من المثقفين بأنهم مراجعون ومنقحون، «تحريفيون». في عالم الأفكار المؤنسنة، التحريف هو التفكير والتفكير هو التحريف. الوسيط في التعبير هنا هو الكتاب والمقالة، وهما مفتوحان على أقوال واجتهادات مختلفة. لقد ظهر المثقف العام كشيء متميز عن الداعية في العالم العربي في هذه الفترة. والمفارقة أنه ولد في ظروف كانت حركة التحرر الوطني تستنفذ طاقتها ويخيم بظله الثقيل طغيانٌ خانقٌ على البلدان العربية كلها، كان من أخبث خصائصه دوامه المديد. هو ما لم يسمح بذهاب دور المثقف العام بعيداً. المثقف ولد وقت كان العام يموت. 

*****

في زمن أقرب إلينا، مطلع هذا القرن، أخذت تظهر الأفكار الأصغر من الناس، التي يغيرها أصحابها في دورة سريعة، فلا يُعرَف ما إذا كان ما يقال اليوم سيكون هو نفسه ما يقال بعد أشهر أو حتى أسابيع. ويتعذر أن يتشكل حولها عمل مُنظَّم لذلك بالذات. التقت على توليد هذا التحول شروط مختلفة منها ما بعد الحداثة كـ«تشكك في السرديات الكبرى» (جان فرانسوا ليوتار)، وقد تعزَّزَ بسقوط الشيوعية، ومنها أزمة الديمقراطية عالمياً بفعل العولمة وصعود الليبرالية الجديدة، ومنها فيما يخصنا أزمة الفكرة الديمقراطية والمعارضات الديمقراطية المقموعة في البلدان العربية، ولعل من أبرز شروط التحول ثورةُ وسائل الاتصال وظهور الانترنت والعالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي. وسَّعَ هذا التطور الأخير قاعدة التعبير والرأي، وقلَّصَ المسافة بين تولد الفكرة وتعميمها إلى ما يقارب الفورية. صار كل فرد تقريباً مصدر أفكار يطابق إيقاعُ تواترها إيقاعَ انفعالاته. العالم الافتراضي أكثر ديمقراطية من العالم الواقعي. لكن عبر هذا المفعول الديمقراطي لوسائل التواصل يبدو أن ديمقراطية التعبير تحققت، فلم تعد قضية مستقلة لأنها تحققت. 

علاقتنا بأفكارنا هنا ليست علاقة اعتقاد وتماه مثلما في عالم الأفكار الكبيرة، ولا هي علاقة نقدية تقوم على مسافة تتيح الحركة وتقليب النظر مثلما في عالم الأفكار المؤنسنة. المسافة هنا كبيرة جداً، ونحن لا نكف عن التعبير عن أفكار ونسيانها، دون أن نلتزم بها ونرعاها. عالم الأفكار الصغيرة هو عالم من الأفكار السريعة.  

ليس فقط لا تتكون منظمات حول الأفكار الأصغر من الناس، بل لا يبدو أنه تتكون ذاتٌ للفرد، أعني أننا لا نتبين هوية مستمرة، يمكن تمييزها وراء «تيار الوعي» المتدفق عبر انتشارٍ متعددِ الوسائط. وتجارب السوريين في التنظيم السياسي في السنوات الأخيرة تدلل على ذلك. الأفكار الصغيرة ليست خلواً من القيمة حتماً، لكنها تجنح لأن تكون كذلك عبر تدفقها ذاته، فيحمل التيار الجارف الغث والسمين، دون فرصة للتوقف والتدقيق. ثم إنها صغيرة إما لأنها طُرُوح، ولدت قبل موعدها، أو لأنه لا يجري تعهدها بالرعاية كي تكبر. لا تكاد تظهر إلى الوجود حتى تزحمها غيرها وتدفعها ضمن تيار «الحداثة السائلة» (زغمونت باومان) الصاخب.  

ليس ثمة مطابقة لأصل مسبق ولا للنفس هنا، هناك تغير مستمر. الواحد منا نهرٌ تتعذر السباحة فيه مرتين مثل صيرورة هيروقليطس.  

وبينما الفكرة الكبيرة طاغية، فإن الطاغية هنا هو مُنتِجُ الأفكار التي تقترب أكثر وأكثر من انطباعات متعجلة أو انفعالات لحظية، فلا يتشكل هو بالذات كذات. إنه مثل الطاغية القديم، الذي يتّبع نزواته ولا يُخلِّفُ فكرة أو معنى يُعرَف بهما.

وقد تكون الظاهرة عالمية بصورة ما، مرتبطة بدمقرطة التعبير، لكن ربما تكون آثارها أظهر في بيئاتنا بفعل ضعف مؤسسات الأنسنة وأفكارها وأدواتها، وما تقدمت الإشارة إليه من أن الأنسنة أخذت بالظهور وقت كانت مجتمعاتنا ككل تمعن في الاحتجاب وتتحول إلى «حريم سياسي» لدول الأبد. وفي راهننا تلتقي الفكرة الكبيرة الإسلامية بالأفكار الصغيرة مباشرة، الفكرة الطاغية بالفرد الطاغية، لا يكاد يخفف من تلاقيهما أنسنة وإنسانيات راسخة الأقدام. هذا لقاء بين عدميتين: عدمية فيض المعنى الساحقة للإنساني، وعدمية شح المعنى ما بعد الإنسانية. 

وما يُقلِقُ في عالم الأفكار الصغيرة الباعث على الدوار، هو أنه يمكن أن يُولِّدَ طلباً على الشخصيات الكبيرة كمصدر لليقين والتوجه، أي يرفع الطلب على الطاغية المعصوم.

*****

الفكرة الكبيرة تنسب إلى الله أو الأمة أو التاريخ أو الحزب. يمكن للشخص، وهو هنا «عضو» في هيئة أو «أخ» في أسرة كبيرة، «أمة»، أن يتكلم، لكنه ينطق بحقيقة تسبقه، فهو ليس مُتكلِّمَاً حقيقياً. الفكرة المؤنسَنة نتاج البشر ككائنات اجتماعية وتاريخية، وحين لا يكون القول رأياً هنا يحيل إلى الذات، فإنه «معرفة موضوعية» تختفي ذات المتكلم وراءها. إنه الكاتب أو المفكر أو الفيلسوف أو المثقف العام، لا يحضر في القول المكتوب، لكنه عَلَمٌ، والقول منسوب إليه، أو هو شكل ظهوره من وراء الاختفاء خلف الموضوع. أما في نموذج الأفكار الصغيرة، فيشيع ضمير المتكلم في القول والنص المكتوب، مما كان غير مقبول حتى عقدين أو ثلاثة خلت. وراء هذا الحضور تفكير تَولَّدَ في حقل الأنثروبولوجيا، يقول إنَّ كل ما نقوله يحمل منظوراتنا ويتأثر بسياقاتنا الخاصة وتجاربنا الشخصية، وإنَّ زعم الموضوعية والقدرة على الاختفاء وراء التحليل باطل، وعليه سيكون استخدام ضمير المتكلم علامة نزاهة أو حتى تواضع، وليس العكس. وتنتقل الحقيقة من كونها «موضوعية» إلى كونها بين-ذاتية، مواضعة أو اصطلاح متفق عليه بين الذوات، قبل أن تمسي رأياً، أو ما يقاربه في عالم الأفكار الصغيرة، يدلي بها عارف نزوي يقول ما يريد ولا يهتم بالاتساق.

يختلف تصور الزمن بين العوالم الثلاث. فهو بطيء وشبه جيولوجي في عالم الأفكار الكبيرة التي تنطوي على دعوات انبعاثية أو ألفية أو مهدوية. وهو تاريخي في عالم الأفكار المؤنسنة، حيث التاريخُ تجلٍّ لظهور العقل بحسب هيغل، أو «تقدم». وهو نفساني في عالم الأفكار الصغيرة، سريع ومتقلب ولا اتجاه له. 

ويتأثر التوقع باختلاف الإيقاعات الزمنية. فالإيقاع الرتيب لعالم تنظمه الفكرة الكبيرة يُغني عن التوقع أصلاً، لأن المفاجأة مُستبعدة كلياً. ولكن كذلك هنا ثمة استعداد محدود للتكيّف مع التغير الذي قد يأتي على شكل كارثة من خارج النسق كلياً. التوقع ممكن في عالم أفكار مؤنسنة، لكن المفاجأة ووقوع غير المتوقع ممكنان بدورهما. أما في عالم الأفكار الصغيرة فالتوقع ممتنع كلياً.      

وفضلاً عن الزمن والتوقع، يكشف موقع الواقع والخطأ في كل من النماذج الثلاث عن تباينات كبيرة بينها، ويوضح أكثر ملامح التحول. الواقع في عالم الفكرة الكبيرة هو الفكرة الكبيرة ذاتها، وهي ما لا نكف عن الكلام عليه والإحالة إليه، والعيش فيه. الخطأ ضمن نموذج الأفكار الكبيرة هو من الكبائر، خطأ في العقيدة، موجب للتوبة أو التراجع وطلب الغفران أو إدانة الذات. الفكرة ذاتها لا تُنتقَد ولا هي تَنتقِدُ ذاتها. أما في نموذج الفكرة المؤنسنة، وعليها تقوم الإنسانيات، فالواقع هو مجال تفاعل «الذات» و«الموضوع»، وعينا والعالم من حولنا. والخطأ هنا أحد أوجه عملية الحقيقة، وقابلية الأفكار للتخطيء أو الدحض هو معيار صحتها وليس بطلانها (كارل بوبر)، أو هو ما لا بد أن نقع فيه قبل أن نصيب (غاستون باشلار). وبينما رأيُ الفرد لا يُعتد به في نموذج الفكرة الكبيرة على ما يظهر تاريخ الفكر الإسلامي، فإن الفكرة هنا تتحرك في مساحة بين الرأي والحقيقة، بين ما يستمد شرعيته منا كمتكلمين عاقلين لهم الحق في الخطأ وما يستمد شرعيته من مواثيق للمعرفة الصحيحة تنضبط بها ممارسات المشتغلين بالمعرفة. أما في نموذج الفكرة الأصغر فالواقع الذي يحال إليه ويجري الكلام عليه طوال الوقت هو الشخص في أحواله وأمزجته وانفعالاته، وهنا لا يتميز خطأ من صواب. كل حقيقة هي رأي، وكل رأي هو انطباع أو انفعال أو هوى. وللشخص ما لا يحصى من آراء لا لزوم للتنسيق بينها. إنها أفكاره الصغيرة، هو الطاغية الذي لا يكف عن التقلب بينها بمزاجه. وبما هي آراء، فإن كل الأفكار شرعية، وشرعيتها مقدمة على صوابها المعرفي. نقد الذات هنا غير ممكن مثلما نقد الفكرة في نموذج الأفكار الأكبر من الناس غير ممكن، وهذا لأن الذات لا تقوم ولا تستقر. نقد الأفكار أيضاً غير ممكن، فهي كلها متساوية في صغرها ووجاهتها، وشرعيتها، وسرعة فنائها. إنها تنتقد ذاتها بذاتها وتدفع ذاتها وغيرها نحو الفناء السريع. وهذا باب للعدمية، عدمية اللامعنى أو شح المعنى. 

ولعل سلافوي جيجك، الفيلسوف السلوفيني، مثال للتحولات والنماذج كلها. فهو منحاز لسردية مغايرة للفكرة الكبيرة الشيوعية، وهو مثقف وفيلسوف لامع، واسع الاطلاع على تراث الأنسنة الأوروبية، وهو نجم (ويحدث أن يوصف بأنه «أخطر» مفكر في الغرب اليوم) لا يكف عن الكلام عن كل شيء في العالم، محيلاً إلى نفسه وتجاربه ونكاته وانفعالاته وما يحب وما يكره، أناه التي لا تكف عن السيلان.     

*****

ليس الإطار الزمني لنصف قرن مُستحضَرٍ هنا حصرياً. هو اصطلاح، ميزته أنه أقصر امتداد زمني تتعاقب فيه تحولات لها مقدمات سابقة بالتأكيد، وتتابعها الموصوف فوق ليس خطياً يلغي اللاحقُ بينها السابق. 

ويتعلق أمر كل من النماذج الثلاثة بمناخ عام، أكثر مما بمذاهب أو أنظمة تفكير بعينها. كان مناخ التفكير الكبير هو السائد حتى نصف قرن مضى وأقل، ولم يكن يقع خارجه من ليسوا قوميين عرباً أو شيوعيين أو إسلاميين. وأخذ «باراديغم» التفكير المؤنسَن يهيمن في أوساط المثقفين والمشتغلين المستقلين بالشؤون العامة حتى زمن الثورات العربية، التي قد يكون مما أضعفها فكرياً وتنظيمياً تزامنها مع ولوج عالم الأفكار الصغيرة القُلَّب الذي لا يقع أحد منا خارجه مبدئياً.  

هناك ما هو ثمين في كل واحد من عوالم الأفكار الثلاثة الموصوفة: الانتظام والتعاون في عالم الأفكار الكبيرة، النقد والتعددية في عالم الأفكار الإنسانية، وديمقراطية التعبير واتساع قاعدة المشاركة في عالم الأفكار الصغيرة. ولكل منها منطقها الذاتي الذي لا ينفع معه التعامل بمنطق أخذ ما ينفع وترك ما يضر، الذي يفترض ذاتاً عليا خارج هذه النماذج، تتسوق ما يناسبها من أوضاع وعلاقات. 

لكن لعلَّ من شأن إحاطة أفضل بهذه التحولات أن يضعنا في موقع مناسب للتوجه والتأثير في عمليات تولد تراكيب محتملة عابرة للنماذج.