أنقاض وباصات خضراء واستثمارات

 

سأخوض فيما يلي في رهاب الذاكرة الثقيلة لعشر سنوات خلت، كما وصفها ياسين. سأغوص في ما بقي من مدننا وما لها من بلدات وما فيها من أحياء سُلِبناها منذ عشر سنوات.

سُلِبناها، سواء كانت لا تزال معمورة مأهولة بمن بقي فينا، في ذلك الحيّز الذي يقال عنه، بمجاز مؤلم، «مناطق النظام»، أو مدمّرة مفرّغة ممّن هُجِّر منا، بعد «تسويات» و«مصالحات»، إثر «حسم» بمئات البراميل الطاحنة.

صارت مدننا في الغالب مقرات أمنية كبيرة، «حرّرنا» منها بضع مناطق فصرنا «إرهابيين». أحكم الأسد قبضته على من بقي منّا في ما «يحتلّ» من مناطق، واتجه نحو «بيئاتنا الحاضنة»، نحن الإرهابيين، يدمّرها حتى لا يستبقي منها - أو منّا - شيئاً.

سأمرّ على الذاكرة العمرانية لهذه المناطق المدمّرة من بلدنا الرهيب، وسأتلمس الكثير من حطامها، وأنا أعني هنا حطامها بالمعنى الحرفي: بقاياها من الإسمنت والحديد والبْلوك والخشب ونحاس الأسلاك والأنابيب التي تتراكم معجونة فوق بعضها البعض في حارات كثيرة؛ أو مما فُرِد بشكل أنيق على بسطات أسواق التعفيش؛ أو حتى البقايا التي لا تزال واقفة أو شبه واقفة، تنتظر مصيراً مجهولاً. وسأحاول ألا أَفجَع، وألا أَجلِد، وألا أَهلَع!

* * * * *

يقال إن في حلب ما يقارب 15 مليون طن من أنقاض المنازل والبنى التي دُمِّرت على مدار السنوات العشر الماضية. إخلاؤها سيستغرق 6 سنين من العمل المتواصل غير المنقطع، وما يعادل 26 مليون شاحنة-كيلومتر، هذا في حال افترضنا وجود ما يلزم من تمويل ومعدات وقدرات بشرية ومؤسساتية لذلك. هذه الأنقاض هي حطام ما يقارب 35 ألف مبنى مدمر في حلب. ومثلها في الغوطة الشرقية. وفي كل من الرقة وحمص وحماه حطام ما يجاوز العشرة آلاف مبنى مدمر، وفي باقي المدن التي ثارت، كدير الزور وإدلب ودرعا، ما يتراوح بين بضع مئات وبضعة آلاف.

لكن هذا ليس حطاماً عشوائياً. لا هو تحصيل حاصل لواقع الحرب، ولا حتى مجرّد ضرر جانبيّ حتّمته الضرورات العسكرية. حجم الدمار هائل، وجغرافيا تَوَزُّعِه تشي بفعل ممنهج. ترسم خرائط الدمار في المدن السورية عموماً مساحات تتموضع بدقة في مناطقها الثائرة التي صنعت إرثاً سياسياً، وتُطابق في كثير من الأحيان أحياءها الفقيرة أو المهمَّشة أو العشوائية، أو مناطقها ذات البُعد الاقتصادي الاستراتيجي غير المسروق بعد. داخل هذه المناطق، تتكاثف خرائط الدمار عند البيوت والمخابز والمشافي والمدارس والأسواق وشبكات الكهرباء والماء، وكل ما يَمُتّ لمقومات الحياة بِصِلة.

حلّل باحثون وباحثات عمرانيات هذا الدمار بأنماطه المختلفة، وأجمعوا على أنه كان بحد ذاته سلاحاً ممنهجاً في سياسات الحرب التي صممها النظام. فقد خلُصت ليلى فينال، التي فنّدت موضوع التدمير في سوريا بتفاصيله، إلى أنه كان استراتيجية غذت انتصارات النظام العسكرية بشكل مباشر، حيث هدفت إلى تعزيز القمع والقضاء على من ثار ضده، وتعزيز الدولة الزبائنية من خلال تفريغ المناطق الاستراتيجية لمكافأة عملائه من الرأسماليين المحاسيب. فاليري كليرك، التي عملت بكثافة على موضوع العشوائيات في سوريا قبل عام 2011، فأكدت أن تدمير مناطق العشوائيات، كسياسة تنظيم عمراني انتهجها النظام، لم تكن غائبة عن أجنداته قبل سنوات الثورة، إلا أنها ازدادت حضوراً في العشر سنوات السابقة، والأهم أن مواقع تنفيذها طابقت أهداف النظام العسكرية. أما دين شارب، الذي بحث في مفهوم «الأوربسايد» أو الإبادة العمرانية من خلال الحرب السورية، فأكد أن التدمير، كواحد من الترتيبات العمرانية العنيفة التي فرضها النظام أثناء الحرب، كان في منطقه السياسي محاولة لفرض التجانس سياسياً عبر القضاء على من ثار، أي أنه كان وجهاً من أوجه الأوربسايد.

هذا الدمار لم يكن عشوائياً إذاً! على مدار عشر سنوات طويلة، كان هذا الدمار - ولا يزال - أداة من أدوات الحرب التي أُشهرت في وجهنا، وهَجّرت نصفنا داخل حدود البلد أو خارجه. كان سلاحاً شديد الانتقائية، استأصل منّا كثيرين ممن تشي هوياتهم بانتماءات جغرافية مشاغبة سياسياً، أو حتى ممن لم تُسعفهم طبقاتهم الاجتماعية الاقتصادية في أن يستَبْقوا مكاناً في أحيائهم المُستحوَذ عليها بالدمار وبالمراسيم، والتي ستُقَدَّم في الغالب لمحاسيب نخبة البلد السياسية والاقتصادية أرضاً غضة للاستثمار. يشهد على هذا حطام منازلنا التي تتراكم معجونة ببعضها البعض، وبلحمِ من قضى منّا، تسدُّ الكثير من حاراتنا وشوارعنا. يشهد عليه الغبار الذي يتطاير من هذا الحطام، مُعفَّراً بطحين مخابزنا المدمرة أحياناً، وعابقاً بروائح الأدوية والمعقِّمات في مشافينا التي سُوِّيت بالأرض أحياناً أخرى. ويشهد عليه ما تبقّى من ذكريات خبأناها جيداً في الزوايا التي انطوى عليها هذا الحطام.

* * * * *

هُجِّر نصفُنا. لا بفعل الدمار وحسب، فقد تواطأت مدننا ضدنا بطرق شتّى، أو الأصح أن أقول، طوّعها النظام ضدنا بطرق شتّى. لم تكن حربه على مدننا. كانت حربه علينا، يخوضها من خلال مدننا، يدمّرها تارة، ويعطل شبكات الحياة التي تدور فيها تارة أخرى، حتى يدمرنا نحن، أو على الأقل يُقصينا. الحصار، وما تلاه من «تسويات» و«مصالحات» وتهجير وسياسات منع عودة، وجه آخر لحطام هذا البلد.

حاصر النظام على مدار السنوات العشر الماضية ما يقارب المليونين ونصف المليون منّا. أحكم إغلاق المعابر من وإلى أحيائنا التي حوصِرت، وقيَّدَ حتى الحركة فيها، ثم قطع الإمدادات والخدمات الحيوية عنها بشكل ممنهج. وفي حين وقف جنوده على حدود مناطقنا المحاصرة وانتصب قنّاصوه على زواياها، كان طيّاروه يحومون فوق ما تبقى فيها من نقاط حيوية، يُلقون البراميل على مشافيها ومخابزها وأسواقها ومدارسها حتى تُشَلّ الحياة فيها. مليونان ونصف المليون منّا، أي ما يقارب واحداً من كل عشرة سوريين، حوصروا ضمن جغرافيات مختلفة؛ حُرِموا الماء والكهرباء والوقود والغذاء والدواء وقوافل المساعدات الإنسانية - الشحيحة أصلاً - التي حاولت النفاذ إليهم، والتي حين وصلت بمعجزة كانت قد فُرِّغت مما قد يعينهم على النجاة أطول. ما حُرِموا من مدنهم، لكن مدنهم حُرِّمت عليهم حتى استحال البقاء فيها.

منظمات حقوق الإنسان الدولية التي تابعت الحصارات عن قرب ووثقتها، كمنظمة السلام باكس ومنظمة العفو الدولية، وصفتها باستراتيجية «الجوع أو الركوع»، وهو اسم مطروق في أسماعنا، استقَوه غالباً من شعارات الشبيحة الذين يُحيطون بنا وبمناطقنا المحاصرة. لكننا نعلم يقيناً أن الجوع لم يكن السلاح الوحيد الذي أُشهِر في وجه من حوصر منّا. كانت الحصاراتُ الأرضَ التي أَعَدَّها النظام ليُنهكنا قبل أن تغزو قواتُه العسكرية حدودَ مناطقنا المحاصرة في جولات عنيفة لإعادة ترسيم الحدود. وكانت معاركَ ما فَتِئَ النظام يتقدم فيها، ضامّاً الحي تلو الآخر لمناطق سيطرته. حينها، جاء عارضاً «الصُّلح» على من أُنهِك منّا، وفق اتفاقيات وثّقتها أيضاً منظمات حقوقية ووصفتها باستراتيجية «الموت أو التهجير».

وهكذا هُجِّر منّا في الغالب من لم يمت تحت البراميل والنيران المسكوبة على المناطق الثائرة. هُجّروا بحقائب صغيرة، في طوابير طويلة من الباصات الخضراء الكريهة. هُجّروا ليتزاحموا في مراكز الإيواء، ومخيمات النزوح، أو في بضع مدن صغيرة في الشمال صارت أسعار بيوتها تناطح السحاب. تركوا خلفهم بيوتاً واقفة أو شبه واقفة، وشوارع مهجورة إلا من الحطام. أُقفلت أحياؤهم ما إن غادروها. أُحكِم إغلاق مداخلها بالنقاط العسكرية منعاً للدخول، ثم أُعمِلت فيها أيادي العساكر، يعفّشون كل ما يمكن تعفيشه، يسرقون الملابس والبرادات والغسالات وغيره من الأثاث، ويفكّكون الأبواب والشبابيك والحنفيات والأنابيب، ثم يسحبون النحاس من قلب الأسلاك الكهربائية، والحديد من أنقاض ما تهدّم. يحملون كل هذا خارج المناطق المقفلة، ويفردونه بشكل أنيق على بسطات أسواق التعفيش التي صارت تشغل مواقع كثيرة في مدن أخرى. والأقسى، أن هذه الأسواق صارت ملجأ كثيرين يصعب عليّ الخوض في أخلاقيات خياراتِهم في ظل الفقر العنيف الذي يطحنهم. 

في الأحيان القليلة التي سُمِح لبعض منّا البقاء، بعد أن «فُكّت الحصارات» عنّا عسكريّاً، ظللْنا «محاصَرين». صنّفتنا منظمات الأمم المتحدة على أننا «مجتمعات المناطق صعبة الوصول». ظل النظام يقيّد حركة من بقي منّا في هذه الأحياء، يحدّ وصولهم للخدمات كما يحد وصول البضائع إليهم، ويمنع منظمات الأمم المتحدة من إيصال المساعدات أو تقييم الاحتياجات أو البدء ببعض مشاريع إعادة التأهيل التي قد تُنقذ ما تبقى من بيوت هذه المناطق وشوارعها وبُناها التحتية. ظل عشرات أو مئات الآلاف في هذه المناطق يعيشون وسط دمار هائل وحرمان كبير، بانتظار ما ستؤول إليه حالهم يوماً ما.

* * * * *

في الأحياء التي استعاد النظام السيطرة عليها، أُعمِلت الجرافات وحِزَم الديناميت، تهدم ما تبقى من مبانيها الواقفة أو شبه الواقفة استعداداً لمشاريع إعادة الإعمار الظالمة التي ستقتحم الأحياء بعد قليل. هكتارات كثيرة في مدننا سُوِّيت بالأرض بعد أن رُحِّل عنها أصحابها، ثم بدأت تَصدُر مخططات التنظيم العمراني لها، واحداً تلو الآخر؛ مخططات لا تُقيم وزناً لما كان يوماً في هذه الأحياء، ولا لمن كان فيها، ولا حتى تأخذ بالحسبان أننا في بلد حرب، وأن ملايين منّا يعيشون اليوم مشردين! مخططات مستفزة في فجورها وهي تستعرض الكثير من المساحات الخضراء والمسطحات المائية والأبراج التي سترسم وجه البلد الحداثي الجديد، على حطامنا.

والأنكى، أنه قبل صدور هذه المخططات بوقت طويل، كان النظام يَسُنّ جملة طويلة من المراسيم والقوانين التي ستسلِبُنا حقوقنا في بيوتنا وممتلكاتنا وأراضينا ومدننا التي ستُدمَّر أو نُرحَّل عنها. صودرت أملاك الكثيرين من «الإرهابيين» فينا، بالقانون، كما ستُصادَر أملاك الكثيرين منّا ممن رفضوا الالتحاق بجيش النظام، بالقانون أيضاً، لتُباع جميعها بالمزادات العلنية على مرأى من أعيننا. شُرّعت القوانين لترحيل الأنقاض في أحيائنا، فعَرَّف النظام بيوتنا التي تركناها واقفة أو شبه واقفة على أنها أنقاض، وهدّمها كي يرحّلها، بالقانون. أَوقَفَ العمل بالسجلات العقارية في مناطقنا التي خرجت عن سيطرته، بالقانون، حتى صرنا في دوّامة مستمرة من إنتاج ما سيسميه النظام «مخالفات أو عشوائيات»، سيهدمها لاحقاً بالقانون.

سنّ النظام أيضاً مراسيمَ وقوانينَ للتنظيم العمراني، قد لا تسلبنا بيوتنا وممتلكاتنا وأراضينا مباشرة، إلا أنها ستحبِسنا في دوّامات قانونية وتقنية بيروقراطية لا سبيل لنا لخوضها، فنخسرها بالقانون. تشريعات منمّقة قد توحي للقارئ أن المخططات التنظيمية المشرقة الخضراء الحديثة التي تُعَدُّ وفقها إنما وضعت لتُعوّضنا عن أحيائنا الكئيبة الرمادية المتهالكة. يقف سكان بساتين الرازي اليوم في شوارع دمشق، يصارعون سوق الإيجار المتضخم فيها، لا حول لهم ولا قوة، بعد أن سلبتْهم هذه القوانين حقهم في أرضهم وبيوتهم وممتلكاتهم، والتي صودرت منهم مقابل وعود ببضعة أمتار في أرض مدينة السيادة «ماروتا» وسكن بديل. لا هم استلموا السكن البديل، ولا استطاعت إلا قلة منهم أن تستجيب لمتطلبات النظام الإجرائية المعقدة والصارمة والمحكومة بمُهَل زمنية محدودة جداً، ليُحصّلوا ما وُعدوا به من أرض في ماروتا. في ذات الوقت، شَرَّع النظام للوحدات الإدارية أن تُنشئ شركات قابضة تستثمر في أملاك الدولة العامة، أي أملاكنا العامة، فخُلقت دمشق القابضة، كما ستُخلَق مثيلاتها في باقي المحافظات، ووُقِّعت عقود بملايين الدولارات مع سامر الفوز ومازن الترزي وغيرهم من محاسيب النظام الرأسماليين ليستثمروا في أراضي بساتين الرازي التي صودرت من أهلها «للصالح العام». هذا «الصالح العام» يُرَخَّص اليوم في محافظة دمشق على شكل أبراج سكنية ومكتبية قُدِّر سعر المتر المربع فيها، منذ سنين، بآلاف الدولارت.

لا يهم إن كانت مدننا سيُعاد تنظيمها أو إعمارها وفقاً للمرسوم 66 على غرار أراضي بساتين الرازي، أو القانون 10 سيئ الصيت، أو الـ23 أو غيرها. ستَعيث الشركات القابضة فيها فساداً لا محال. ولن يستطيع سكانها وأصحاب الحق فيها الوصول إليها، فهم مهجَّرون ومقتولون ومعتقلون وملاحقون، ولا حيلة لهم أو من بقي من أهلهم لإثبات حقوق ملكيتهم فيها. ستؤول مدننا غالباً لمن رضي عليهم النظام من ذوي الحسابات البنكية الدسمة الذين يستطيعون تحمل تكاليف أبراجها القادمة، وسنظلّ نحن نَحِنُّ لمدن ربما تواطأت ضدنا.

sb_bw_zyn_ldyn.jpg

© صبا أبو زين الدين

أحاول أن أنهي هذا النص. تقاطعني رسالة واتس أب تصلني من أختي الصغيرة في سوريا. ترسل إليّ إحدى رسماتها غير المنجَزة بعد، دون أن تضيف شيئاً. أصفن في الرسمة... امرأة تحاول تلمُّس وجهها بحثاً عن ملامح ربما تكون مفقودة... أعود إلى النص. أحاول تذكُّر ما بقي من ملامح هذا البلد... ليس فقط من حطامه...

هذا البلد ستتطاول فيه أبراج فاحشة الحداثة واللاانتماء، تُطلّ على أحياء مدمرة أحببناها كثيراً، تقف اليوم كنُصُب تذكارية للمحارق التي يمكن أن يفتعلها طاغية في محاولاته لفرض الولاء. لكنه هو ذاته البلد الذي تعلمنا كثيراً من أسماء مدنه وبلداته وأحيائه للمرة الأولى منذ عشر سنوات حين هتفنا بأننا سنفديها هي، لا الأسد، بالروح وبالدم. هو ذاته البلد الذي خبّأتْنا حاراته وشوارعه الضيقة عقب كل مظاهرة، والذي أغرقنا حيطانه بشعارات الحرية، وازدحمنا في بيوته الصغيرة في كل مرة كان أحدنا ينجو فيها من هول مجزرة. وهو ذاته البلد الذي حين حُرِمنا الحياة فوق أرضه، خلقنا فيه مدناً كاملة تحت الأرض، حفرناها أنفاقاً وبنيناها مدارس ومشافيَ وملاجئ. وذاته البلد الذي حين كرهناه، ظللْنا نَحِنُّ إليه.

إلا أنني كتبت ما كتبت أعلاه، بفظاظة أحياناً، لا لنندب أو نتفجّع، بل كي ندرّب أنفسنا على الغضب! على أن نستحضر كل التفاصيل بقساوتها حتى نغضب، وعلى أن نغضب، وأن نتعلم كيف نُحوّلُ غضبنا لعمل يمكن أن يؤتي ثماره يوماً ما، في ذات المدن!