أن تموت وتبقى على الخشبة

 

في مجال الفن التشكيلي، دَرَست أبحاث منها «الجسد المعذب في الفن التشكيلي السوري» (محمد عمران، 2016)1 و«الجسد الفني السوري» (نبراس شحيد وعلاء رشيدي، 2021)2 حضور الجثة في الإنتاج التشكيلي السوري. يستعرض هذا النص، الذي نستهله بالكتابة عن العرض المسرحي الذي قدمته «فرقة كون المسرحية» على خشبة مسرح دوّار الشمس في بيروت بعنوان جثة على الرصيف (2021) عن نص للكاتب المسرحي سعد الله ونوس (1941-1997) التنويعات على حضور الجثة في الأعمال الأدبية والمسرحية السورية

الطبقات الاقتصادية والسياسية أمام الموت-الجثة

يتضمّن نص جثة على الرصيف المسرحي، الذي كتبه ونّوس في العام 1963، العديد من العناصر التي تتقاطع مع موضوعات الفن السوري ما بعد العام 2011. فالنص المكتوب في الستينات يتطرق إلى موضوعات الفقر والموت والنظام والسلطة، ويركز بشكل أساسي على حضور الموت والجثة أمام ثلاثة نماذج تمثل مستويات من الفئات الاجتماعية: المتسول، الشرطي، السيد أو الحاكم. وينتمي النص إلى مجموعة مسرحيات الأمثولة التي حضرت في إنتاج ونوس المسرحي، وهي في أغلبها مسرحية ذات فصل واحد تحمل في مضمونها عبرة أخلاقية تقاربها من الحكايات الشعبية في الأدب القصصي. كل ذلك ينطبق على نص جثة على الرصيف عند ونوس، حيث تحضر العبرة الأخلاقية والتحليل الاجتماعي-السياسي، وكذلك التحليل الفلسفي في التعامل مع موضوعة مثل الموت والجثة.

الحكاية المروية في النص-العرض هي عن حضور جثة ميت من البرد في الفضاء العام، وتعامل المستويات الاجتماعية والسياسية الثلاثة معها. أولاً يحاول المتسول الحصول على ملابس الجثة بعد موتها، ثانياً تحضر شخصية الشرطي الذي يعتبر أن حضور الجثة يهدد وظيفته المهنية ويتوجب إخفاؤها عن الفضاء العام، ثالثاً يحضر السيد الراغب في شراء الجثة وامتلاكها. هكذا تفتح لنا حكاية جثة على ناصية الطريق أفقاً لقراءة الواقع الاقتصادي والسياسي من خلال مستويات المقارنة المختلفة. 

الفقر والنظام والسلطة في حضور الجثة

في ليل المدينة البارد يحاول المتسول (تمثيل حمزة حمادة) أن ينزع جاكيت الجثة: «ما أقساها اللحظات. كلما هممت بانتزاعها، يطبق على أذني ذلك الصوت، فأستشعر مناحة في داخلي، ولهاث موت كئيب. ثم تتراجع يدي راعشة مهزومة».3 في العرض المسرحي يتحول هذا الصوت المستمر الذي يسمعه المتسول إلى صوت الضمير أو الأخلاق. أما شخصية الشرطي (شادي قاسم) المحكومة فهي تسعى إلى إزالة حضور الجثة، يجب ألا يدرك المارّة وجودها، ولا أن يستشعروا رائحتها: «ولكن ما العمل؟ بعد قليل سيتقاطر المارة وتنتشر رائحة الفضيحة»، كما أنّ موقع وجود الجثة في جوار قصر السيد يزيد الأمرَ تعقيداً، يقول الشرطي: «إن الناس سيخرجون من بيوتهم بعد قليل، وربما وقعت عينا سيد هذا القصر عليها»، يعتقد الشرطي أن الموت والجثة وجدا ليضعانه في موقف مهني محرج أمام المسؤولين. أما السيد (نادر عبد الحي) فسلوكه إزاء الجثة نابع من رمزية شخصيته المتعلقة بالسلطة، فهو صاحب القوة الاقتصادية التي تعرض شراء الجثة، وصاحب التشريع القانوني:

«السيد: من حق الشاري أن يعاني بضاعته. القانون يحمي هذا الحق، أليس كذلك يا شرطي؟

الشرطي: نعم، نعم يا سيدي، إنك خير من يعرف حدود القانون».4

هي المرة الثانية التي تقدم فيها فرقة كون هذا النص. قُدِّم العرض للمرة الأولى في العام 2006 في فضاء عام في دمشق في نفق مشاة فارس خوري. الرؤية الإخراجية لمخرج الفرقة أسامة حلال تركز على مناحٍ متعددة في النص: حضور الموت ومن ثم الجثة وما يستدعيانه من سلوكيات من قبل فئات المجتمع المختلفة، المتسول والفقر، والشرطي المرتعد من الجثة، كموظف رسمي ضمن نظام يحتل أسفل الهرم التراتبي فيه، وحضور السيد-السلطة التي يرمز لها في العرض بوضوح على مستوى الأخلاق الاقتصادية أي شراء الموت، وعلى مستوى احتكار العنف. يدخل السيد إلى العرض على تصميم خشبي ضخم يرفعه عن مستوى خشبة المسرح وعن مستوى باقي الشخصيات، يلبس رداءً طويلاً أحمر يوحي بالصور المعروفة لمصاصي الدماء، أما ذراعاه الطويلتان فتتحولان إلى سكاكين طويلة حادة يقع فيها السيد على الجثة في نهاية العرض، ويغرز فيها النصل تلو الآخر في التعبير عن سلوكيات التلذذ بالقتل. كما يختار المخرج أن يوكل دور الجثة إلى ممثل مستقل (ينال منصور).

حكايات الجثث العابرة للموت

بين العام الذي قدمت فيه الفرقة العرض للمرة الأولى في 2006، واليوم في بيروت 2021، تغير مفهوم حضور الموت والجثة في الفكر الجمعي السوري. في العام 2012، يفتتح الكاتب نبراس شحيد نصه المعنون «في حكايات الموت وتحولات الجثة» (2012)5 حين يروي لنا السارد عن لقائه الأول في طفولته بجثة جدته، ليسرد لنا حضار اللحظة: «اليوم، وبعد عشرين عاماً، أترك الكتابة ومقالات السياسة، لأعود إلى عالم الجثث، بعدما اجتاح العسكر المدينة، فهدموا المنازل ليغيبوا الموتى عن حكاياتهم. وتتراكم الجثث مع تراكم الأيام».6

الجثة في نص نبراس شحيد هي الحكاية الباقية من غياب الموت: «للجثة المرمية جسد الحكاية».7 الجثة تحتاج إلى الأسماء: «رأيت جثة العجوز الليلة الماضية في حلمي تنظر إليّ وتبتسم بموت. قالت العجوز في المنام: سمني»،8 فتحمل الجثث أسماء ضاحكة، مفتوحة العينين، وتأخذ لها صور تعلق على الحائط: «أرادت فاطمة أن نأخذ للميت المفتوح العينين صورة، فتبقى ذكراه على الحائط معلقة».9 يغزل النص تلك العلاقة بين الجسد الحي والجثة، حتى يصبح محتملاً تبادل المواقع بينهما: «تذكرت ليلتئذ حكمة جدتي العجوز عن الموتى، روتها حين كنت صغيراً، عندما تغني لميت بشجن، في ليلة مقمرة، منتصف الليل، سيستفيق يوماً لتأخذ أنت مكانه».10 كذلك يفتح النص على جدلية وجود جثة-استمرارية الحكاية، غياب الجثة-العدم والنسيان: «الموت ولادة الحكايات، وعهد بين الجثث والأحياء».11 أما الجثة التي تعطى كفناً، اسماً، وحكايةً فتعود إلى الحياة لتشكر (فاطمة)-الأحياء: «أعطيناه اسماً كي تختلط جثته بجسد الكلمات. ربما جاء ليشكر فاطمة على الاسم والحكاية».12

الجثة الراوية: الجثة تروي الحكاية-التجربة

في العرض المسرحي جثة على الرصيف (فرقة كون، 2021) تستمر الجثة التي فارقت الحياة في التأثير على عالم الأحياء، ومن هنا كان الخيار المسرحي بجعلها شخصية فاعلة، فالجثة في عرض فرقة كون تعارض أن تنزعَ عنها سترتها، ترفض أو تطيع أوامر الشرطي، تقف وتتحدى السيد بعينيها. في 1998 أصدر أورهان باموق روايته اسمي أحمر، وهي التي تبدأ بالإعلان أن الرواي الذي نقرأه ميت، وأن كل السرد الروائي سيتم على لسان جثة. كذلك توحي نصوص من «سلسلة شهادات سورية» في بعض فقراتها أن القارئ يتواصل مع سارد ميت، يقرأ سرد الجثة تكتبه عبر النص، ومنها كمن يشهد موته (محمد ديبو، 2014) ومذ لم أمت (رامي العاشق، 2016).

لا يقتصر الحديث عن الجثة الراوية في مجال الأدب، بل كذلك يكتشف المتلقي مع نهاية عرض مسرحية مونولوج.. استفقت (2015، نص: هارولد بنتر، إخراج: ساري مصطفى) أن الحكايات التي قُدِّمت أمامه على الخشبة كانت مروية من قبل شخص ميت. لقد فقد حياته في المظاهرات التي عرفتها المدن السورية قبل أن يصبح جثة راوية على المسرح. وجود القبر على الخشبة في التصميم السينوغرافي، وحضور صامت لممثل آخر على الخشبة، يوحيان باحتمال ميتافيزيقي للشخصية الراوية، أن تكون شخصية ميتة. وهكذا، يشكل كل من بنية العرض والنص تأكيداً مع انتهاء المسرحية بأننا أمام جثة راوية، جثة هاربة من مدينتها حيث المظاهرات، والقمع، وانهيار العلاقات الاجتماعية، إلى مكان جديد هو الملجأ أو المنفى، وفي مكان الجثة الجديد تروي لنا حكايتها مركزةً بشكل أساسي على الجانب العاطفي: الحب، الغيرة، رغبة التواصل، وعلى الجانب السياسي: المشاركة السياسية، الاحتجاج والمظاهرات، القمع والخوف. لتصبح المسرحية حكاية جثة خارجة من سورية تروي لنا تجربتها الإنسانية، الاجتماعية والسياسية.

الجثة المنفية

تحضر الجثة في الآداب والفنون مع انتشار العنف والموت في التجربة الاجتماعية، لذلك تتقاطع تيمة حضور الجثة في الفنون والآداب العراقية والسورية، في المجموعة القصصية بعنوان معرض الجثث (2017) للأديب العراقي حسن بلاسم. تحضر الجثة بتنويعات متعددة ومكثفة، وتشكل المساحة الأوسع من المشهد البصري للنص الأدبي، وكذلك بالطبع الجثة موضوعة مفاهيمية على طول القصص التي تتضمنها المجموعة، أبرزها بعنوان «حقيبة علي» التي يحمل فيها الابن علي جثة والدته في حقيبة، فسبب اضطراره للخروج من العراق، يقرر اصطحاب جثة والدته معه في رحلة المنفى: «كانت السماء صافية، وثمة قمر بحجم الألم ينير القبر الذي نبشه الصديقان. وبقطعة قماش برتقالية، نظّف علي عظام أمه، ثم وضعها في حقيبتها القديمة. يحمل علي جثة أمه في الحقيبة، ويهرب إلى إيران، كان سعيداً متخيلاً وجوه الجميع الممتقعة كما وجوه الموتى حين يكتشفون الأمر. ولم تفارقه حقيبة العظام طوال رحلته الثانية إلى تركيا عبر الجبال. كان ينام في الوديان مع المهاجرين لآخرين، وهو يحضن الحقيبة بقوة، وحب، وتقديس. كانت حقيبته الغريبة ومبالغته في الحرص عليها سبباً للتندر والهزء. وفي أثناء مكوث علي في بيت في أثينا لتهريب المهاجرين، فحص ما في الحقيبة. كانت عظام أمه والمرآة والمشط الخشبي وصورة الإمام علي والقرآن كلها في مكانها. لكن ما كان مفقوداً هو الرأس الذي كان يرمس رأسه، ويحنو عليه. أكيد أن علياً سيمضي مع حقيبة العظام إلى مكان آمن، يدفنها فيه، ولا أحد غيره يعرف الطريق إليه. وقد يسمع هو وحده إحدى أغاني الأم التي ضاع رأسها في تلك الغابة».13

رحلات في دفن الجثة: الجثة تسهم في تشكيل الوعي

رحلة دفن الجثة أيضاً موضوعة رواية الموت عمل شاق (خالد خليفة، 2016)، فعبر حكاية عائلة ترغب أن تدفن جثة الوالد الميت فيها، ترحل بنا الرواية في الجغرافيا السورية من دمشق نحو الشمال الغارقة في الحضور العسكري، والسلاح، وفوضى الموت، لتصبح حكاية دفن الجثة هي حكاية الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي عبر البلاد. كذلك في فيلم رجل وثلاثة أيام (جود سعيد، 2016)، الذي يفتتح بالعبارة التالية:

«يقول الميت للحي

لا تقتلني مرتين

واترك لي قلياً من التراب والحجارة

لأتدثر من برد هذه الحرب

فقد تعبت من الوقوف».

في الفيلم، نحن أمام رحلة دفن جثة تؤدي إلى تغيير في وعي الأحياء. الشخصية الرئيسية هي المخرج المسرحي مجد (محمد الأحمد) الذي يعمل في طور التحضيرات لتحقيق عرض مسرحي يتناول موضوعة الموت، لكن مقتل ابن عمه العسكري على الجبهة يجبره أن يوضع أمام رحلة دفن الجثة. وتصبح رحلة الفنان لدفن ابن عمه الجندي هي رحلة اكتساب الوعي والتخلص من الطفولية والقدرة على تحمل المسؤولية والشجاعة. وهكذا يعلي الفيلم من قيمة المقاتل ويبخس من قيمة الفنان. وكما هو الحال في عرض جثة على الرصيف لفرقة كون، يتعامل المخرج جود سعيد في الفيلم مع الجثة بأسلوبية فانتازية. ففي أبرز مشاهد الفيلم، تنهض جثة الجندي الميت لتشرب الكؤوس مع المخرج المسرحي الحي، لتعاتبه، لترقص مع أصدقاءه في السهرات، لتلاحق وحدته وعزلته، ولتتحدث إليه بشكل مباشر، والأهم تُكسبه الوعي والقدرة على التصرف بمسؤولية. لكن إشكالية الفيلم تكمن في إدانته للفن باعتباره التجسيد المزيف للواقع - الذي هو واقع الموت - بينما الحرب أو الجندية هي العالم الحقيقي الذي تنعكس عبره المسؤولية، والمعاناة. العالم المزيف هو عالم العرض المسرحي الذي يجري التحضر له، بينما العالم الحقيقي هو واقع تضحية المقاتلين وعالم عائلة ابن العم الريفية التي تنتظر جثة ابنها.

الجثة الفانتازية

تنظم المخرجة تانيا الخوري الدخول إلى عرضها الحدائق تحكي (2016) ليكون على دفعات. الأشخاص العشرة المدعوون للدخول إلى العرض معاً عليهم ارتداء ملابس واقية من التراب، ذلك أن مهمتهم-ن المسرحية - حيث للمتلقي دور في تلقي العرض يتعدى المشاهدة - هي الدخول إلى الفضاء المسرحي المصمم على شكل مقبرة، هناك عشرة قبور ممتدة تحت مساحة ترابية، وعلى كل زائر للعرض أن يجلس على الأرض عند مكان وجود الجثة، ينبش في التراب ويضع أذنه على الأرض ليصغي، ومن تحت التراب جلست المخرجة عشرة حكايات لشخصيات فقدت حياتها في القمع السوري، وهي تروي لنا حكاياتها عبر تسجيل صوتي، كأنها جثث تروي للمتلقي حكاياتها من تحت التراب. العرض يقدم للمتلقي تجربة حسية-ذهنية في التعامل مع القبور وفي الاقتراب من فضاء الجثة، فتلقّي العرض لا يتطلب جهداً أدائياً من المتلقي بالاستلقاء فوق المقبرة ونبش التراب وحسب، بل أيضاً خيالاً ميتافيزيقياً وذلك بالإنصات إلى الحكايات المروية من قبل الجثث المدفونة تحت القبور.

الجثث العجائبية للشخصيات التاريخية

الناقد هارتموت فارندريتش، في ورقته النقدية بعنوان «شخوص تاريخية وأسطورية في قصص زكريا تامر»،14 يصف تقنية سردية يمكن اعتبارها عجائبية في نصوص القاصّ السوري زكريا تامر (مواليد 1931)، وهي استحضار القصص لشخصيات من التاريخ ومعالجتها تخييلياً، وفي بعض منها يتحقق العنصر العجائبي. قصة «الجريمة» (1973)15 هي أول قصة يوظف فيها زكريا تامر هذه التقنية، ليستحضر من التاريخ شخصية المناضل للاستقلال السوري سليمان الحلبي، فتجري محاكتمه على جرم قتل الجنرال الفرنسي كليبر. تجري محاكمة البطل الوطني وينفذ حكم الإعدام عليه بسبب هذه التهمة. ترغب القصة أن تبين تحول البطل التاريخي القومي إلى مجرم، وتحويل الأفعال البطولية إلى أفعال إجرامية، وهي تُضمر نقداً للسياسة المعاصرة في تناولها للقضايا الوطنية والأحداث البطولية.

أما في قصة «الذي أحرق السفن» (1970)،16 فإن طارق بن زياد هو الشخصية التاريخية التي يعاود القاص توظيفها تخييلياً في هذه القصة، وأيضاً يعاد طارق بن زياد من القبر ليحاكم على إحراق السفن، بوصفه أقدم على فعل أضر بالمال العام. مرة أخرى يحول القاص الفعل الوطني البطولي إلى جريمة يحاكم عليها فاعلها، وذلك للتعبير عن اختلاف القيم والمعايير السياسية والأخلاقية بين التاريخ واللحظة المعاصرة. وتماثل تقنية القصة السابقة تقنية قصة «المتهم» (1970)،17 وهذه المرة الشخصية التاريخية هي الشاعر عمر الخيام، الذي يؤتى به من القبر ويحاكم بتهمة التغني بالخمرة وإجبار الدولة على استيراد المواد الأجنبية، لكن تهمة عمر الخيام تصبح أكثر دلالةً في انتقاد اللحظة الحاضرة، حين يحاكم بتهمة القراءة والكتابة، في ترميز إلى افتقار المجتمع المعاصر للأفعال الثقافية من الفضول والتعلم، ليصبح فِعلا القراءة والكتابة جريمة يعاقَب عليها الشاعر عمر الخيام.

يتعدد حضور العجائبي في قصة «الاستغاثة» (1973)،18 التي يتجسد فيها مفهوم الاستغاثة في وصول طفلة تستنجد إلى أحياء مدينة دمشق، لا يسمعها سوى تمثال من نحاس لرجل يحمل سيفاً، ما يلبث التمثال أن يتحول إلى إنسان، ليظهر بهيئة يوسف العظمة. البطل الوطني التاريخي يقاد أيضاً إلى التحقيق من قبل الأمن، ثم يقاد إلى السجن كأنه يقع أسيراً في يد الأعداء. تتزامن في القصة مجريات التحقيق مع يوسف العظمة وسجنه، مع خسارته المعركة ضد الفرنسيين وسقوطه ميتاً. مجدداً، يستعيد المؤلف شخصية تاريخية ليعالجها تخييلياً، وأيضاً نحن أمام شخصية البطل الوطني الذي يعاقَب لتحلّيه بالأخلاق والشهامة، مجدداً يستعمل زكريا تامر بطولات الماضي ليحاكم أنظمة الحاضر ومعاييره السياسية والأخلاقية.

وفي قصة «الطائر» (1973)19 يستحضر القاصّ أيضاً شخصية تاريخية ليعالجها تخييلياً وعجائبياً. إنه عباس بن فرناس، الفقير المُعوِز الذي يعيش مع قططه وحيداً وجائعاً. يُطرَد من المطعم ويهاجمه شبان يعترضون طريقه، يقرر أن يبتكر قنبلة ذرية لكن قططه تمنحه الأجنحة، فيحلق فوق المدينة، تنتهي القصة بالجملة التالية: «وبغتة دوى طلق ناري منبثق من المدينة، واخترق رأس عباس الذي شهق برعب ودهشة ثم هوى إلى أسفل».20 وفي قصة «الأعداء–البطل»، يقدم القائد التاريخي خالد بن الوليد دعاية لملح أندوراس وذلك في لقاء تلفزيوني يجري معه.

الجثة في رواية الحرب السورية

يخصص الراحل حسان عباس (1955-2021) الجزء الخامس من كتابه الأخير والمعنون الجسد في رواية الحرب السورية (2021)،21 لدراسة حضور الجثث في الرواية السورية منذ العام 2011، ويكتب في هذا الصدد: «رواية الحرب السورية مقبرة جماعية إذ لا تخلو رواية من مشاهد الجثث أو من ذكرها. تظهر الأجساد الميتة، الجثث في رواية الحرب كخلفية ذات دلالة أو كمشهد عابر يساهم في رسم الواقع الذي تجري في إطاره الأحداث. ولما كان هذا الواقع لاواقعياً في مدى شناعة جرائمه وبشاعة أحداثه، يتحول حضور الجثث في الروايات من عنصر استثنائي الأهمية تنبني عليه الحكاية، أو تعوِّل عليه كذريعة لاستمرارية السرد، أو كمتكأ تستند إليه لتنعطف نحو مسارات جديدة، إلى حضور مبتذل، تافه، مفرّغ من أي أهمية. عندما يصبح القتل والتعذيب والتمثيل بجثث الموتى أحداثاً يومية متاحة أمام العين المجردة أو عبر الوسائط السمعية البصرية، تتلاشى الإثارة التراجيدية، وتسقط فرادة الحكاية في مستنقع التافه والعادي والمبتذل، مهما كانت هذه الحكاية غرائبية وصادمة».22

في رواية الذئاب لا تنسى (2016)، تلتقط لينا هويان الحسن انتقال الجثة في تحول من الغريب إلى المبتذل، ومن التراجيدي إلى العبثي، حيث العثور على القبر نعمة لا ينالها كل ميت: «أشلاء، كل شيء يمكن أن يفتت بلحظة ويتحول إلى أشلاء. أصبح القبر منحة قدرية مهمة لمن مات وحافظ على معالمه واضحة بعض الشيء».23 وفي رواية نزوح مريم (2016)، يتابع محمود حسن الجاسم تحولات العلاقة بين الأحياء والجثث والتي ترتسم عبر أربعة مراحل: المرحلة الأولى الطبيعية حيث يبدأ الاندهاش وعدم التصديق، وفي الثانية يزداد التأثر ليصيب الذهن ويلقي بالخوف، في الثالثة يتحول إلى مرض جسدي، وفي الرابعة يتم التعود على منظر القتل. كذلك يلجأ الروائي عادل محمود في روايته قطعة جحيم لهذه الجنة (2017) إلى استحضار حكاية من التاريخ يرمز ويوضح من خلالها واقع الجثث السورية في حضرة العنف، فيستذكر حكاية من التاريخ العربي وقع عليها مصادفةً في صفحة من كتاب مروج الذهب للمسعودي، وهي حكاية مليئة بالعنف في التاريخ الإسلامي والتمثيل في الجثث، ثم يفكر في الرواية: «في الحقيقة كنت سيء الحظ لأنني في هذا الصباح الباكر وقعت على هذه الحكاية عشوائياً، لأتسلى وأنا أمشي. ولكنني فوجئت بالبلادة غير المرتجفة التي انتابتني، وبنوع من التقزز البطيء. وعرفت السبب، فها نحن، في سوريا، تعودنا، مثل حفاري القبور، على مشرحة الذبح والتقطيع والتشويه والحرق».24

في رواية موسم سقوط الفراشات لعتاب شبيب (2015)25 نجد أرشيفاً منوعاً من الجثث ذات الحكايات الفردية، ويرى حسان عباس أنه أمكن لكل منهما أن تشكل رواية مستقلة. فتحضر في الرواية حكايات متلاحقة حول الجثث: الجندي الذي يفاجأ بالعثور على جثة زوجته في مقبرة جماعية، حكاية عن دفن الجثث بطريقة غروتسكية، وحكاية عن الاستهتار بالتعامل مع الرفات. أما في رواية يوم الحساب (2021) للكاتب فواز حداد فيصبح تداخل جثة الميت المسلم والميت المسيحي رمزاً للتعايش المشترك، ومقولةً تحملها الرواية بأن العنف والموت السوري طال المجتمع كاملاً دون تمييز على أساس طائفي أو عقائدي. تداخل رفات الجثث في نهاية الرواية تكتشفه العائلات المسيحية والسورية التي تبحث عن جثث أبناءها المفقودة.

خاتمة

لا يقتصر حضور الجثة في الأدب والمسرح السوري على ما تلا العام 2011، فكما رأينا، وظفها الكاتب المسرحي سعد الله ونوس في الستينات لتناول العلاقات الطبقية والسلطوية في التعامل مع الموت، كما وظف القاص زكريا تامر حضور الجثث من الشخصيات الوطنية والتاريخية الفذة لتتم محاكمتها، في إدانة من هذه القصص للقيم السياسية والأخلاقية والثقافية في اللحظة الراهنة. ولكن الحضور الأبرز للجثة في الإنتاج الفني والأدبي والمسرحي السوري يسجَّل مع الأحداث القمعية والعنفية التي شهدتها البلاد تباعاً منذ العام 2011. وقام الأدب والمسرح بعكس التجربة السياسية والاجتماعية والثقافية السورية في اللقاء مع الموت وانتشار الجثث في حيز الفضاء الحياتي والثقافي والاجتماعي السوري، فظهرت الجثة في الأدب والمسرح عبر التنويعات المذكورة آنفاً.

  • 1. خمس أوراق بحثية عن أسئلة الراهن السوري، تقديم: د.حسان عباس، مؤسسة اتجاهات ودار نشر ممدوح عدوان، بيروت، 2016.
  • 2. صور من لحم ودم، مجموعة دراسات عن الجسد في الفن التشكيلي السوري، نبراس شحيد وعلاء رشيدي، معهد دراسات الشرق الأوسط، 2021، في طور النشر.
  • 3. جثة على الرصيف، الأعمال الكاملة المجلد الأول، سعد الله ونوس، دار الآداب، بيروت، 2004، ص55.
  • 4. المرجع السابق، ص56.
  • 5. بين الإله المفقود والجسد المستعاد، نبراس شحيد، سلسلة شهادات سورية، العدد 3، منشورات بيت المواطن ودار أطلس، بيروت، 2012.
  • 6. المرجع السابق، ص33.
  • 7. المرجع السابق، ص33.
  • 8. المرجع السابق، ص34.
  • 9. المرجع السابق، ص34.
  • 10. المرجع السابق، ص35.
  • 11. المرجع السابق، ص35.
  • 12. المرجع السابق، ص35.
  • 13. معرض الجثث، حسن بلاسم، منشورات المتوسط، الطبعة الثانية، 2017، ص55.
  • 14. القصة في سوريا، أصالتها وتقنياته السردية، إعداد جمال شحيد وإيف غونزاليس، المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأوسط، دمشق، 2002.
  • 15. ربيع في الرماد، زكريا تامر، منشورات مكتبة النوري، 1973.
  • 16. الرعد، زكريا تامر، منشورات مكتبة النوري، دمشق، 1970.
  • 17. المرجع السابق.
  • 18. دمشق الحرائق، زكريا تامر، منشورات مكتبة النوري، 1973.
  • 19. المرجع السابق.
  • 20. المرجع السابق، ص234.
  • 21. الجسد في رواية الحرب السورية، حسان عباس، المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأوسط، بيروت، 2021.
  • 22. المرجع السابق، ص112-113.
  • 23. الذئاب لا تموت، لينا هويان الحسن، دار الآداب، بيروت، 2016.
  • 24. قطعة جحيم لهذه الجنة، عادل محمود، دار التكوين، دمشق، 2017، ص45.
  • 25. موسم سقوط الفراشات، عتاب شبيب، دار ممدوح عدوان، 2015.